قال الله تعالى:
﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ [النساء:٧٨] قرأها.
وفي هذه الآية دلالة على أن قوله:
﴿ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء:٧٩].
معناه ما أصابك من شيء يسرّك من صحة بدن وظفر بعدوّ وسعة رزق غير ذلك، فالله مبتديك بالإحسان به إليك، وما أصابك من شيء يسوءك ويغمّك فبكسب يدك، لكن الله مع ذلك سائقه إليك، والقاضي به عليك، وهو كما قال في آية أخرى:
﴿وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:
٣٠].
وقد يكون فيما يسوءه جراحات تصيبه، أو قتل أو أخذ مال أو هزيمة، وقد أمر في الآية الأخرى بأن يقول فيها وفيما يصيبه من خلافها.
﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ [النساء:٧٨].
فدلّ أنّ ذلك كله بتقدير الله ﷿ غير أنه في الآية الأخرى أخبر أنه إنما يصيبه جزاء له بما جناه على نفسه بكسبه، وليس ذلك بخلاف لما أمر به في الآية الأولى-
١٨٠ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو بكر بن إسحاق، أنا بشر بن
_________________
(١) سبق برقم (١٢٤).
[ ١ / ٢٠١ ]
موسى، ثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، ثنا كهمس بن الحسن، عن عبد الله بن بريدة، عن يحيى بن يعمر:
«قال: كان أوّل من قال في القدر معبد الجهني بالبصرة، قال فانطلقنا حجاجا أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري فلمّا قدمنا المدينة وافقنا عبد الله بن عمر وهو في المسجد فقلت يا أبا عبد الرحمن! إنّ قبلنا ناسا يقرؤون القرآن ويتقفّرون العلم ويقولون لا قدر، وإنما الأمر أنف قال فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أنّي منهم بريء، وأنّهم منّي برآء، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو كان لأحدهم مثل أحد ذهبا، فأنفقه ما قبل الله منه حتّى يؤمن بالقدر كله خيره وشرّه».
حدثني عمر بن الخطاب ﵁ قال:
«بينما نحن عند رسول الله ﷺ إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشّعر، لا يرى عليه أثر سفر، ولا يعرفه منّا أحد حتّى جلس إلى رسول الله ﷺ فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفّيه على فخذيه ثمّ قال يا محمّد! أخبرني عن الإيمان ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره قال صدقت» وذكر الحديث.
أخرجه مسلم في صحيحه من وجه آخر عن كهمس.
ورواه يزيد بن زريع عن كهمس وقال في الحديث:
«أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالقدر خيره وشرّه، حلوه ومرّه، وبالبعث بعد الموت، قال صدقت».
١٨١ - وأخبرناه محمد بن عبد الله الحافظ، أنا أبو بكر بن إسحاق، أنا أبو المثنى، ثنا محمد بن المنهال، ثنا يزيد بن زريع، ثنا كهمس فذكره.
وقد روينا عن أبي هريرة عن النبي ﷺ في هذه القصة: «وتؤمن بالقدر كله».
وروينا في الإيمان بالقدر عن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، وعدي بن حاتم، عن النبي ﷺ.
[ ١ / ٢٠٢ ]
١٨٢ - وقد أخبرنا أبو علي الحسين بن محمد الروذباري، أنا محمد بن بكر، ثنا أبو داود، ثنا محمد بن كثير، أنا سفيان، عن أبي سنان، عن وهب بن خالد الحمصي، عن ابن الديلمي قال:
«أتيت أبيّ بن كعب فقلت له وقع في نفسي شيء من القدر فحدثني بشيء لعلّ الله جلّ ثناؤه أن يذهبه من قلبي، فقال: لو أنّ الله جلّ ثناءه عذّب أهل سماواته وأهل أرضه، عذّبهم وهو غير ظالم لهم ولو رحمهم، كانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم، ولو أنفقت مثل أحد ذهبا في سبيل الله، ما تقبّله الله منك حتّى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو متّ على غير هذا، لدخلت النّار، قال: ثمّ لقيت ابن مسعود فقال مثل ذلك، ثمّ أتيت حذيفة بن اليمان فقال مثل ذلك، ثمّ أتيت زيد بن ثابت فحدثني عن النبي ﷺ مثل ذلك».
وقد روينا عن عبادة بن الصامت وغيره في كيفية الإيمان بالقدر نحو ذلك.
وفي ذلك بيان أنّ المراد بالحديث الأول أن كل مقدور فالله قادره وأنّ الخير والشرّ وإن كانا ضدّين، فإن قادرهما واحد، وليس قادر الشرّ غير قادر الخير، كما تقوله الثنويّة، فإذا ثبت انّ الإيمان بالقدر شعبة من شعب الإيمان فقد دلّ الكتاب ثم السنّة على أنّ الله تعالى علم في الأزل ما يكون من عباده من خير وشرّ، ثم أمر القلم فجرى في اللوح المحفوظ بما علم. قال الله تعالى:
﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ﴾ [يس:١٢]
وقال: ﴿ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّ فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها﴾ [الحديد:٢٢].
وقال: ﴿كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُورًا﴾ [الإسراء:٥٨].
وروينا عن عمران بن حصين عن النبي ﷺ قال:
_________________
(١) أبو سنان هو سعيد بن سنان الشيباني وقد وثقه يحيى بن معين وغيره وتكلم فيه الإمام أحمد. وابن الديلمي وعبد الله بن فيروز. أخرجه أبو داود (٤٦٩٩)، وابن ماجة (٧٧) من طريق أبي سنان-به.
[ ١ / ٢٠٣ ]
«كان الله ولم يكن شيء غيره وكتب في الذّكر كلّ شيء، ثمّ خلق السّموات والأرض».
وروينا في هذا المعنى أحاديث كثيرة، ثم إن الله جل ثناؤه خلق الخلق على ما علم منهم، وعلى ما قدره عليهم قال الله تعالى:
﴿إِنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩].
أي بحسب ما قدرناه قبل أن نخلقه، فجرى الخلق على علمه وكتابه والسبب في نزول هذه:
١٨٣ - (ما) أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطّان، أنا عبد الله بن جعفر النحوي، ثنا يعقوب بن سفيان، ثنا أبو نعيم-ح-
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو بكر بن إسحاق، أنا أبو المثنى، قال ثنا محمد بن كثير، قالا: ثنا سفيان، عن زياد بن إسماعيل السهمي، عن محمد بن عباد المخزومي عن أبي هريرة قال:
«كان مشركو قريش عند رسول الله ﷺ يخالفونه في القدر فنزلت هذه الآية».
﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٧ - ٤٩].
أخرجه مسلم في الصحيح من حديث سفيان.
١٨٤ - أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الأصبهاني، ثنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد البصري بمكة، ثنا الحسن بن محمد الزعفراني، ثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن طاوس، سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ:
«احتجّ آدم موسى فقال موسى: يا آدم أنت أبونا خيّبتنا، أخرجتنا من
_________________
(١) أخرجه مسلم (٤/ ٢٠٤٦) والترمذي (٢١٥٧) وابن ماجة (٨٣) من طريق سفيان-به.
(٢) أخرجه البخاري (١١/ ٥٠٥ فتح) ومسلم (٤/ ٢٠٤٢) من طريق سفيان بن عيينة-به. عمرو هو: ابن دينار.
[ ١ / ٢٠٤ ]
الجنّة، فقال له آدم: يا موسى! اصطفاك الله بكلامه وخطّ لك التّوراة أتلومني على أمر قدّره الله تعالى عليّ قبل أن يخلقني، قال فحجّ آدم موسى فحج آدم موسى».
أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح من حديث سفيان بن عيينة.
وفي هذا دليل على تقدم علم الله ﷿ بما يكون من أفعال العباد وصدورها عن تقدير منه، وانه ليس لأحد من الآدميين أن يلوم أحدا على القدر المقدّر الذي لا مدفع له إلاّ على جهة التحذير للوقوع في المعصية، ولم يكن قول موسى بعد خروج آدم من دار الدنيا في وقت يكون للتحذير فيه معنى، فصار بما عارضه به آدم محجوجا بقضية المصطفى ﷺ والله أعلم.
١٨٥ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو بكر بن إسحق أنا الحسن بن محمد بن زياد، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو الأحوص، عن منصور، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي ﵁ قال:
«كنّا فى جنازة فلمّا انتهينا إلى بقيع الغرقد، قعد رسول الله ﷺ وقعدنا حوله، فأخذ عودا فنكت به في الأرض، ثمّ رفع رأسه فقال: ما منكم من نفس منفوسة إلاّ وقدّ علم مكانها من الجنّة والنّار، وشقيّة أم سعيدة، قال: فقال رجل من القوم: يا رسول الله! ألا ندع العمل ونتّكل على كتابنا، فمن كان منّا من أهل السّعادة صار إلى السّعادة ومن كان من أهل الشّقوة صار إلى الشّقاء؟ قال: فقال رسول الله ﷺ: اعملوا: فكلّ ميسّر، فمن كان من أهل الشّقوة ييسّر لعملها، ومن كان من أهل السّعادة ييسّر لعملها، ثمّ قال رسول الله ﷺ.
﴿فَأَمّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى، وَأَمّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ [الليل:٥ - ١٠].
رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وأخرجه من حديث جرير بن عبد الحميد، عن منصور، ومن حديث الأعمش عن سعد.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٤/ ٢٠٣٩).
[ ١ / ٢٠٥ ]
١٨٦ - أخبرنا أبو طاهر الفقيه، أنا أبو طاهر محمد بن الحسن المحمدآباذي، ثنا أبو قلابة، ثنا عثمان بن عمر، أنا عزرة بن ثابت، عن يحيى بن عقيل، عن يحيى بن يعمر، عن أبي الأسود الدئلي قال: قال لي عمران بن حصين:
«أرأيت ما يعمل النّاس ويكدحون فيه، أشيء قضي عليهم من قدر قد سبق؟ أو فيما يستقبلون به ممّا آتاهم به نبيّهم وثبتت عليهم به الحجّة؟ قال لا بل شيء قضي عليهم قال: فهل يكون ذلك ظلما؟ قال ففزعت من ذلك فزعا شديدا، وقلت ليس شيئا إلاّ وهو خلق الله وملكه، لا يسأل عمّا يفعل وهم يسألون، قال فقال لي يرحمك الله! إنّي والله ما سألتك إلاّ لأحزر عقلك. إنّ رجلين-أو قال رجل-من مزينة أتى النّبيّ ﷺ فقال أرأيت ما يعملون ويكدح النّاس فيه اليوم ويعملون فيه أقضي شيء عليهم ومضى عليهم من قدر قد سبق أو فيما يستقبلون به ممّا أتاهم به نبيّهم واتّخذت عليهم به الحجّة؟ قال: لا بل شيء قضي عليهم ومضى عليهم. قال وفيما نعمل إذا؟ قال من كان خلقه الله لواحدة من المنزلتين فييسّره لها، وتصديق ذلك في كتاب الله ﷿:
﴿وَنَفْسٍ وَما سَوّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها﴾ [الشمس:٧،٨].
رواه مسلم في «الصحيح» عن إسحاق بن إبراهيم عن عثمان بن عمر.
وفي هذا والذي قبله دلالة على أن العبد إنما ييسر لما خلق له، وان التيسير إنما هو بحق الملك و«لا يسأل عمّا يفعل وهم يسألون» ويشبه أن يكونوا إنما تعبدوا بهذا النوع من التعبد ليتعلق خوفهم بالباطن المغيب عنهم، فلا يتكلوا على ما يظهر من أعمالهم، ورجاءهم بالظاهر البادي لهم فيرجوا به حسن أحوالهم، والخوف والرّجاء مدرجا العبودية فيستكملوا بذلك صفة الإيمان وفي مثل هذا المعنى حديث عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ.
١٨٧ - أخبرناه علي بن محمد بن عبد الله بن بشران ببغداد، أنا
_________________
(١) أخرجه مسلم (٤/ ٢٠٤١) عن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي عن عثمان بن عمر-به. وأبو الأسود الدئلي هو: ظالم بن عمرو.
(٢) أخرجه مسلم (٤/ ٢٠٣٦) عن أبي بكر بن أبي شيبة عن أبي معاوية ووكيع، وعن محمد بن-
[ ١ / ٢٠٦ ]
إسماعيل بن محمد الصفار، ثنا سعدان بن منصور، أنا أبو معاوية، ثنا الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد الله، قال حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق:
«إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمّه أربعين يوما ثمّ يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث إليه الملك فينفخ فيه الروح، ثم يؤمر بأربع: بكتب رزقه وعمله وأجله، وشقيّ هو أم سعيد فو الذي لا إله غيره إنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل النّار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب، فيختم له بعمل أهل الجنة فيدخلها، وإنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيختم له بعمل أهل النار فيدخلها.
رواه مسلم في «الصحيح» عن أبي بكر بن أبي شيبة وغيره عن أبي معاوية. وأخرجه البخاري من وجه آخر عن الأعمش.
١٨٨ - حدثنا الشيخ أبو بكر بن فورك، ثنا عبد الله بن جعفر بن أحمد الأصبهاني، قال حدثني أبي، ثنا عمرو بن علي أبو حفص، ثنا أبو عبد الله الأسفاطي، قال:
«رأيت النبيّ ﷺ في المنام فقلت: يا رسول الله! بلغنا عنك حديث الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الله بن مسعود في القدر، فقال نعم أنا قلته، رحم الله الأعمش! رحم الله زيد بن وهب! ورحم الله عبد الله بن مسعود! ورحم الله من حدّث بهذا الحديث».
١٨٩ - أخبرنا أبو علي الروذباري أنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن يعقوب المتّوثي بالبصرة إملاء، ثنا أبو داود هو السجستاني، ثنا محمد بن يزيد الأعور قال:
«رأيت رسول الله ﷺ في المنام جالسا مع عمر بن الخطّاب وعلي بن أبي
_________________
(١) عبد الله بن نمير الهمداني عن أبيه عن أبي معاوية ووكيع قالوا حدثنا الأعمش-به. وأخرجه البخاري (١١/ ٤٧٧ فتح) من طريق شعبة عن الأعمش-به.
[ ١ / ٢٠٧ ]
طالب فقلت يا رسول الله حديث عبد الله بن مسعود حديث الصّادق المصدوق أريد حديث القدر، قال أنا والله الّذي لا إله إلاّ هو حدّثته به،-فأعادها ثلاثا غفر الله للأعمش-كما حدث به، غفر الله لمن حدث به قبل الأعمش وغفر الله لمن حدث به بعد الأعمش».
قال البيهقي ﵀ وفي الحديث دلالة على أن الاعتبار بما يختم عليه عمله، وإنه إنّما يختم بما سبق كتابه، وفي ذلك كلّه دلالة على أن الله ﷾ يهدي من يشاء ويضلّ من يّشاء، وان أعمال عباده مخلوقة له، مكتسبة للعباد، ومما دل عليه قوله ﷿:
﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦].
وما يعمله ابن آدم ليس هو الصنم، وإنما هو حركاته واكتساباته وقد حكم بأنه خلقنا وخلق ما نعمله وهو حركاتنا واكتساباتنا.
وقال: ﴿اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر:٦٢].
وقال: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما﴾ [السجدة:٤ وغيرها].
وأفعال الخلق بينهما، ولا يتناول ذلك شيئا من صفات ذاته، لأن صفات ذاته ليست بأغيار له فلا يتناولها كما لا يتناول ذاته وقال:
﴿هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللهِ﴾ [فاطر:٣].
كما قال:
﴿مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ﴾ [القصص:٧١،٧٢].
فكما لا إله إلا هو كذلك لا خالق إلاّ هو وقال:
﴿فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام:١٢٥].
وهذه الآية كما هي حجّة في الهداية والإضلال، فهي حجة في خلق الهداية والضلال لأنه قال: «يشرح» و«يجعل» وذلك يوجب الفعل والخلق، والآيات في هذا المعنى كثيرة وروينا عن النبي ﷺ أنّه قال:
[ ١ / ٢٠٨ ]
«اعملوا فكلّ ميسّر لما خلق له».
وعن حذيفة بن اليمان عن النبي ﷺ: «إن الله خالق كل صانع وصنعته».
١٩٠ - أخبرنا أبو الحسن محمد بن أبي المعروف، أنا أبو سهل الاسفراييني، أنا أبو جعفر الحذّاء، ثنا علي بن المديني، ثنا مروان بن معاوية الفزاري، ثنا أبو مالك، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ:
«إنّ الله خلق كلّ صانع وصنعته»
وروينا عن أبي موسى الأشعري ﵁ انّ نبي الله ﷺ قال:
«الخير والشّرّ خليقتان ينصبان للنّاس يوم القيامة».
وروينا في هذا الباب بين أحاديث كثيرة وهي في «كتاب القدر» مذكورة؛ من أراد الوقوف عليها رجع إليها إن شاء الله تعالى.
قال أصحابنا ولأنّ الإنسان لو صحّ أن يحدث شيئا فيما يصح أن يحدث، لم يكن بعض ما يصح أن يحدث، بأن يكون محدثه بأولى من بعض، كما أن الله ﷾ لما صح أن يحدث، لم يكن بعض ما يصح أن يحدث بأن يصحّ منه احداثه بأولى من بعض؛ ولأنّ الإنسان محدث، والمحدث لا يصح أن يحدث كما أن الحركة لا يصح أن تتحرّك.
ولأن هذه الحوادث التي هي تقع على وجوه لا يقصدها ككون الكفر قبيحا من الكافر غير واقع على قصده لأن الكافر يقصد أن يقع كفره حسنا غير قبيح ولا يقع إلا قبيحا. فدل أن قاصدا قصد إيقاعه قبيحا، لأنّه يستحيل أن يقع كذلك من غير فاعل فعله على ما هو به. وكذلك الإيمان يقع متعبا مؤلما ولو قصد المؤمن أن يقع على خلاف هذا الوجه لم يتأتّ منه ذلك، دلّ انه وقع كذلك لقصد موقع
_________________
(١) أخرجه البخاري في خلق أفعال العباد (٩٢). عن علي بن المديني-به. وعلي بن المديني هو: علي بن عبد الله بن جعفر بن نجيح السعدي مولاهم أبو الحسن بن المديني البصري.
[ ١ / ٢٠٩ ]
أوقعه كذلك غير الذي لو جهد لخلافه أن يقع لم يقع.
ولأنا نجد الإنسان غير عالم بحقائق أفعاله كلها وكمياتها وعدد أجزائها ولا يجوز أن يكون مخترعا لها وهو لا يحيط بها علما، إذ لو ساغ ذلك لم ينكر أن يكون سائر المخترعين كذلك، وأن يكون كذلك حكمة الباري في اختراعه، ولا يدخل عليه الكسبب لأن الكسب هو اختراع عالم بحقائقه من (جميع) وجوهه جعله كسبا لنا، ونحن مكتسبون له غير مخترعين له، والذي يؤكّد هذه الطريقة قوله ﷿:
﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٣].
وظاهر هذا إنه خلق الإسرار والجهر اللذين يكتسبان بالقلب، وانه عليم بهما، وكيف لا يعلم وهو خلقهما؟ فدلّ أنّ الخلق يقتضي علم الخالق بالخلق من كل الوجوه.
ولأنّ الدلالة قد قامت انّ كلّ مقدور فالله قادر عليه لقيام الدلالة على انّ القدرة من صفات ذاته كالعلم، فوجب أن يقدر كل مقدور كما يعلم كل معلوم.
وإذا كان كذلك فوجب أن يكون إذا وجد وهو مقدور أن يكون مرادا له أن يكون فعله كما إذا وجد مقدور الإنسان مرادا له لم يكن فعله؟.
فإن قيل إذا كان الله خالقا لكسب العباد أفيقولون إن الفعل وقع من فاعلين؟
قيل لا فاعل في الحقيقة إلا الله ﷿ كما أنه لا خالق إلاّ هو، والإنسان مكتسب على الحقيقة غير فاعل ولا محدث العين عن العدم.
وكان الشيخ أبو الطيب سهل بن محمد بن سليمان يقول: فعل القادر القديم خلق وفعل القادر المحدث كسب، فتعالى القديم عن الكسب وجلّ، وصغر المحدث عن الخلق وذلّ.
وقال فإن قيل: أفتقولون هو مقدور لقادرين؟.
[ ١ / ٢١٠ ]
قيل: نعم أحدهما بخلقه، ويخترعه ويخرجه عن العدم وهو الله ﷾.
والثاني يكتسبه ولا يخلقه وهو العبد. والخلق ما تعلقت به قدرة أزلية حادثة. والكسب ما تعلقت به قدرة حادثة فالقدرة الأزلية تؤثر في الاختراع، والقدرة الحادثة تؤثر في الاكتساب.
فإن قالوا: فإذا كان الله تعالى خلق أعماله كلّها أعمالا له فكيف يثيبه ويعاقبه.
وقيل ليس الثواب من الله ﷿ إلاّ بتفضّل عليه وأما العقاب فهو لو ابتلاه في العذاب كان له أن يفعله لأنّه ملكه وفي قبضته وليس الكفر علّة العقاب ولا الإيمان علة الثواب إنما هما امارتان جعلتا علمين لهما.
فقيل: إن كنت كافرا عذّبت في الآخرة وإن كنت مؤمنا عوفيت وأثبت.
وجميع ذلك من الثواب والعقاب والكفر والإيمان خلقه واختراعه لا لعلّة، يفعل ما يشاء.
فإن قيل فإذا عاقبه ما خلقه له كان ظالما له.
قيل: لم قلت ذلك؟ وما ينكر أنّ حقيقة الظلم هو تعدّي الحد والرسم الذي يرسمه الآمر الذي لا آمر فوقه، وان لا يكون للظلم منه معنى إذ أفعاله كلها تقع على غير وجه التعدي والتحكم فيما لا يملك فلا يستحق اسم الظالم ولو ساغ ما قلته لم ينفصل ممن قال إذا أمكنه من الكفر وعلم انه لا يأتي إلا بالكفر لم يصحّ أن يعاقبه لأنّه يكون ظالما له حينئذ، وما الفصل؟ وكذلك إذا خلق له الآلات والحياة والقدرة والشهوة للمعاصي، وعلم أنه لا يفعل بها إلا كفرا به، عرضه للهلاك والعطب فيكون له ظالما، ووجب أن يكون في إيلام الأطفال والمجانين والبهائم ظالما ولا معنى لتقدير العوض فيه، فإن العوض لا يحسن به القبيح في الشاهد إلا بمرضاه فإذا كان جميع ذلك منه غير منسوب إلى الظلم لأنه المالك على الحقيقة وهو فيما يفعله في ملكه غير متعدّ، ذلك ما قلنا لا فصل بينهما.
[ ١ / ٢١١ ]
فإن قيل: من خلق الكفر كان كافرا ومن خلق الظلم كان ظالما.
قيل له ما ينكر على من يقول من خلق النوم كان نائما ومن خلق الخوف كان خائفا ومن خلق المرض كان مريضا ومن خلق الموت كان ميّتا؟ فإذا لم يلزم ذلك في هذه الأشياء لم يلزم في الكفر والظلم.
فإن قيل أفتقولون إن الله تعالى يشاء الكفر والظلم؟
قيل له إن أردت بقولك يشاء الكفر نفي الغلبة والعجز والإكراه على ما يشاء، فنعم يشاء أن يكون ما يريد.
وجواب آخر وهو أن يشاء ان يكون موجودا لما لم يزل عالما بأنه يكون موجودا فلا يكون خلاف ما علم، والكفر مّما لم يزل كان عالما به أنه يكون موجودا ألا تراه يقول:
﴿يُرِيدُ اللهُ أَلاّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ﴾ [آل عمران:١٧٦].
وفيه جواب آخر وهو أنه شاء أن يكون الكفر من الكافر خلاف الإيمان من المؤمن ألا ترى أنّ موسى وهارون سألا إضلال فرعون وقومه والسد على قلوبهم فلا يؤمنوا فقال الله تعالى:
﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما﴾ [يونس:٨٩].
فشاء إضلالهم والسد على قلوبهم فلا يؤمنوا لما أجاب دعوتهما.
وفيه جواب آخر: يشاء أن يكون الكفر قبيحا ضلالا عمى خسارا لا نورا وهدى وحقا وبيانا وإن أردت تقول: يشاء الكفر أي يأمر به فلا تقول ذلك.
فإن قيل: الحكيم من يريد أن يشتم ويذكر بسوء؟
قيل الحكيم من يجري الشتم على لسان النائم والمبرسم ولا فعل لهما، الحكيم من يخلق عبدا يعلم انه لا يزال يشتمه ويجحده ثم يحدث له كل ساعة قوة جديدة.
وقيل: من كان الشتم ينقصه فليس بحكيم ومن لم ينقصه فحكيم لأنه يشاء ما لم يكن، ولأن من يريد أن يكون شتم الشاتم له خلاف مدح المادح له فحكيم، ومن أراد أن يكون شتم الشاتم له معصية من الكافر، لا طاعة فحكيم،
[ ١ / ٢١٢ ]
لأن من يريد الشيء على ما لا يكون خلافه فحكيم، ومن أراد أن يكون الشتم موجودا في الوقت الذي لم يزل به عالما أنه يكون فيه موجودا فحكيم، لأنه أراد الشيء في الوقت الذي كان يكون فيه. ومن أراد أن لا يكون مغلوبا مقهورا مكروها على كون ما لا يريد فحكيم والكلام في هذا يطول.
فإن قيل ما تقولون في استطاعة العبد؟
قيل: نقول هي قدرته وهي مع فعل العبد وهي توفيق من الله تعالى للطاعة وخذلان منه في المعصية قال الله ﷿:
﴿فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الفرقان:٩].
وقد كانوا لسبيل الباطل مستطيعين فدل على انه نفي عنهم استطاعة الحق لأنهم لم يكونوا فاعلين له وقال مخبرا عن صاحب موسى ﵇ أنه قال:
﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف:٦٧].
فنفى عنه استطاعة الصبر حين أراد أن ينفي عنه الصبر، وقال النبي ﷺ:
«كلّ ميسّر لما خلق له».
فدل انه في حال كسبه ميسّر، وتيسيره قدرته، ولأن المسلمين يقولون إنه لا يستطيع الخير إلاّ بالله وهو قبل كونه ليس بخير فدلّ على أنّ استطاعتهم تكون معه ولأنّ الاستطاعة سبب للفعل يوجد بوجودها ويعدم بعدمها فجرت مع الكسب مجرى العلة مع المعلول، ولا يصح تقدم العلة على المعلول فلا يصح تقدم الاستطاعة على الكسب.
١٩١ - أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أنا أحمد بن عبيد الصفار، ثنا أحمد بن يحيى الحلواني، ثنا علي بن حكيم الأودي، أنا شريك، عن يحيى ابن سعيد، وعاصم عن القاسم، عن عائشة ﵂ قالت:
«فقدت النّبيّ ﷺ فاتبعته فانتهى إلى المقابر فقال السّلام عليكم ديار قوم
_________________
(١) أخرجه ابن السني (٥٨٤) من طريق عاصم بن عبيد الله عن عبد الله بن عامر عن عائشة مرفوعا بلفظ «السّلام عليكم دار قوم مؤمنين أنتم لنا فرط وإنا بكم لاحقون اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تضلنا بعدهم وليس فيه «ويحها لو استطاعت ما فعلت».
[ ١ / ٢١٣ ]
مؤمنين أنتم فرط لنا ثمّ التفت إليّ فقال ويحها! لو استطاعت ما فعلت».
وهذا يدل على ما قلنا في الاستطاعة لأنه نفى عنها الاستطاعة في المكث دون الاتباع.
فإن قيل: يقولون إن الله كلف العبد ما لا يطيقه إلا به وهذا معنى قول المسلمين لا حول ولا قوة إلاّ بالله، ولذلك أمر الله عباده أن يقولوا:
﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.
ولا تكون عبادة العبد إلاّ بمعونة الرب وقوله:
﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاّ وُسْعَها﴾ [البقرة:٢٨٦].
فمعناه إلا ما يحل لها أو لا تعجز عن فعله بزمانه أو غيرها، أو أراد لا يكلف الله نفسا مؤمنة إلاّ وسعها لأنها نزلت في العفو عن المؤاخذة بحديث النفس وقد قال فيما علمنا:
﴿رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ﴾.
ولولا جواز ذلك لما علمنا هذه المسألة وإذا جاز تكليف ما قد علم أنه لا يكون فقد جاز تكليف مالا يوفق له ولا يعان عليه.
فإن قيل: أفتقولون إن في مقدور الله لطفا لو فعله بالكافر لآمن؟
قيل: نعم، وذلك اللطف هو القدرة التي بها يفعل الطاعة وهو ضد ما فعله بالكافر قال الله ﷿:
﴿وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ [السجدة:١٣].
قال: ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَلَتُسْئَلُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٩٣].
وقال: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلاّ قَلِيلًا﴾ [النساء:٨٣].
والآيات في هذا المعنى كثيرة، وكذلك الأخبار. ولا يجب على الله ذلك وهو متفضل في فعله: إن شاء فعل، وإن شاء ترك. ومن زعم أنه سوّى بين
[ ١ / ٢١٤ ]
الكافر في النظر بطل قوله بنفسين: أمات أحدهما قبل البلوغ، وأمات الآخر بالغا كافرا مع علمه بأنّه لو بلغ كان كافرا؛ ونفسين أمات أحدهما مؤمنا، وأبقى الآخر سنة أخرى حتى كفر مع علمه بأنه يكفر والكلام في هذا يكثر.
١٩٢ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا الحسن بن محمد بن إسحاق قال سمعت أبا عثمان الخياط يقول سمعت ذا النون يقول:
«ثلاثة من علامات التّوفيق: الوقوع في أعمال البرّ بلا استعداد له، والسّلامة من الذنب مع الميل إليه، وقلّة الهرب منه، واستخراج الدّعاء والابتهال. وثلاثة من علامات الخذلان: الوقوع في الذنب مع الهرب منه، والامتناع من الخير مع الاستعداد له، وانغلاق باب الدّعاء والتضرع».
قال البيهقي ﵀ وقد روينا في هذه المسائل ما جاء في الأخبار والآثار في «كتاب القدر» وأجبنا عما يحتجون به من الآيات والأخبار واقتصرنا على ما نقلنا في هذا الكتاب نحو الاختصار وبالله التوفيق.
ومما يحق معرفته في هذا الباب أن الله ﷿ لا يجب عليه شيء، ولا علة لصنعه، ولا يقال لم فعل، لأنه لو كان لفعله علة فإن كانت قديمة اقتضت قدم معلولها. وذلك محال. وإن كانت حادثة كانت لها علة أخرى، ولتلك العلة علة أخرى حتى تودّي إلى ما لا يتناهى، وذلك محال، وإن استغنت العلة عن العلة استغنى الحوادث عن العلة، وذلك محال، فدلّ أنّ ربّنا جل وعز فعال لما يريد لا علّة لفعله، ولا معقّب لحكمه وأنه علم في الأزل ما يكون من الحوادث بخلقه، فقدره على ما لم يزل عالما به، ثم خلقه على ما قدره، فلا تبديل لحكمه، ولا مردّ لقضائه. وفي الإيمان به وجوب التبرّي من الحول والقوة إلا إليه، والاستسلام للقضاء والقدر بالقلب واللسان.
أمّا بالقلب بأن لا ينظر ولا يباشر مما يجري به القضاء مّما يوافقه، ولا يأسف ولا يحزن لما يأتي به القضاء مما لا يوافقه.
وأما باللسان فهو أن لا يفتخر بما يعجبه على غيره، ولا ينسب ذلك إلى سبب يكون مرجعه إلى نفسه، ولا يتضجّر مما يسوءه فعل من يشكو أحدا أو ينسبه إلى ظلم أصابه من قبله، لكن يضيف الأمرين إلى الله جل ثناؤه،
[ ١ / ٢١٥ ]
وينسبهما إلى فضله وقدره ويذعن ويستسلم لما يكرهه ويحمد الله على ما يسره.
قال البيهقي ﵀ وقد روينا أحاديث وحكايات في الترغيب في الاستسلام للقضاء والقدر والتبري من الحول والقوة من ذلك-.
١٩٣ - ما أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني عبد الرحمن بن الحسن الهمداني، ثنا إبراهيم بن الحسين، ثنا آدم ثنا شعبة، ثنا يحيى بن سليم، قال سمعت عمرو بن ميمون يحدث عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال:
«ألا أعلّمك أو أدلّك على كلمة من تحت العرش من كنز الجنّة لا حول ولا قوة إلاّ بالله. يقول الله ﷿ أسلم عبدي واستسلم».
١٩٤ - وأخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، أخبرني أبو بكر بن عبد الله، أنا الحسن بن سفيان، ثنا محمد بن عبد الله بن نمير، ثنا عبد الله بن إدريس، عن ربيعة بن عثمان، عن محمد بن يحيى بن حبّان، عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ:
«المؤمن القويّ خير وأحبّ إلى الله من المؤمن الضّعيف، وفي كلّ خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شرّ فلا تقل لو أنّي فعلت كذا وكذا. قل قدّر الله، وما شاء الله فعل، فإنّ لو تفتح عمل الشّيطان».
رواه مسلم في الصحيح عن ابن نمير.
وروينا عن أنس بن مالك قال:
«خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين فما أرسلني في حاجة قطّ فلم تتهيّأ إلاّ قال لو قضى الله كان ولو قدّر كان».
١٩٥ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو بكر بن إسحق الفقيه، أنا محمد
_________________
(١) أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة (١٣) عن إبراهيم بن الحسن عن حجاج عن شعبة-به. وقال النسائي. خالفه محمد بن السائب: رواه عن عمرو بن ميمون عن أبي ذر.
(٢) أخرجه مسلم (٤/ ٢٠٥٢) عن أبي بكر بن أبي شيبة وابن نمير عن عبد الله بن إدريس-به.
(٣) أخرجه المصنف في الأسماء والصفات (٧٦) والترمذي (٢٥١٦) والآجري في الشريعة (١٩٨)
[ ١ / ٢١٦ ]
ابن محمد بن حيان الأنصاري، ثنا أبو الوليد، ثنا الليث بن سعد، حدثني قيس بن الحجاج، عن حنش الصنعاني، عن ابن عباس قال كنت رديف رسول الله ﷺ فقال.
«يا غلام أو يا غليم! احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أنّ الأمّة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله لك لم يقدروا على ذلك، ولو اجتمعوا على أن يضرّوك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا على ذلك قضي القضاء، وجفّت الأقلام، وطويت الصّحف».
وروينا في دعاء النبي ﷺ:
«اللهمّ إنّي أسألك الصّحة والعفّة والأمانة وحسن الخلق والرّضى بالقدر».
وفي حديث آخر.
«وأسألك الرّضى بعد القضاء».
١٩٦ - أخبرنا أبو عبد الرحمن السّلمي أنه سمع عبد الله الرازي يقول سئل أبو عثمان عن قول النبي ﷺ،
«أسألك الرّضا بعد القضاء فقال الرّضا، قبل القضاء عزم على الرّضا، والرّضا بعد القضاء هو الرّضا».
١٩٧ - أخبرنا أبو سعد أحمد بن محمد الماليني أنا علي بن الحسن المصري، قال سمعت أبا عثمان سعيد بن عثمان المصري، يقول سمعت أبا سعيد الخراز يقول:
_________________
(١) من طريق حنش عن ابن عباس وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح. وأخرجه الحاكم (٣/ ٥٤١) من طريق عبد الملك بن عمير عن ابن عباس. تنبيه: في المخطوطة والمطبوعة كثير الصنعاني بدلا من حنش الصنعاني والصحيح حنش الصنعاني ليس هناك من اسمه كثير حدث عن ابن عباس أو روى عنه من اسمه قيس بن الحجاج.
[ ١ / ٢١٧ ]
«الرضا قبل القضاء تفويض، والرضا بعد القضاء تسليم».
١٩٨ - أخبرنا أبو صالح بن أبي طاهر العنبري، نا جدي يحيى بن منصور، ثنا أحمد بن سلمة، ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا الليث، عن ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن عامر بن سعد، عن العباس بن عبد المطلب أنه سمع رسول الله ﷺ يقول:
«ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربّا وبالإسلام دينا وبمحمّد نبيّا».
١٩٩ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو النضر الفقيه، ثنا الحارث بن أبي أسامة، ثنا المعلى بن منصور، ثنا عبد العزيز بن محمد، عن يزيد بن الهاد بهذا الحديث.
أخرجه مسلم في الصحيح عن عبد العزيز.
٢٠٠ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثني أبو الحسن محمد بن الحسن بن علي الورّاق بمرو، كتبه لي بخطه، ثنا علي بن يزداد الجرجاني، وكان قد أتى عليه مائة وخمسة وعشرون سنة قال سمعت عصام بن الليث الليثي السدوسي من بني مرارة في البادية يقول سمعت أنس بن مالك قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: قال الله تعالى:
من لم يرض بقضائي وقدري فليلتمس ربا غيري.
٢٠١ - أخبرنا أبو القاسم زيد بن أبي هاشم العلوي وعبد الواحد بن
_________________
(١) (¬١٩٨ و١٩٩) -أخرجه مسلم (١/ ٦٢) عن محمد بن يحيى بن أبي عمر المكي وبشر بن الحكم عن عبد العزيز الدراوردي عن يزيد بن الهاد-به.
(٢) عزاه الألباني في الضعيفة (٧٤٧) لابن عساكر من طريق الحاكم عن البيهقي-به. وقال الألباني وهذا إسناد ضعيف جدا علي بن يزداد الجرجاني قال الذهبي في ترجمة شيخه عصام بن الليث لا يعرفان وساق له في اللسان هذا الحديث من طريق الحاكم ثم قال أخرجه أبو سعد بن السمعاني في الأنساب وقال: «هذا إسناد مظلم لا أصل له». وقال الذهبي أيضا في ترجمة علي بن يزداد الجرجاني شيخ لابن عدي متهم روى عن الثقات أوابد وأقره في اللسان. قال الألباني فالإسناد ضعيف جدا.
(٣) العلاء هو: ابن خالد الكاهلي الكوفي.
[ ١ / ٢١٨ ]
محمد بن إسحاق المقرئ بالكوفة، قالا حدثنا محمد بن علي بن دحيم، ثنا إبراهيم بن إسحاق القاضي، ثنا قبيصة، عن سفيان، عن العلاء، عن أبي وائل، عن عبد الله قال:
«أدّ ما افترض الله عليك تكن من أعبد النّاس، واجتنب ما حرّم عليك تكن من أورع النّاس، وارض بما قسّم الله لك تكن من أغنى النّاس».
٢٠٢ - أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا أبو عتبة، ثنا بقية، عن بحير بن سعيد، عن خالد بن معدان، عن يزيد بن مرثد، عن أبي الدرداء قال:
«ذروة الإيمان أربع: الصّبر للحكم، والرّضا بالقدر، والإخلاص للتّوكّل، والاستسلام للرّبّ ﷿».
٢٠٣ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا يحيى بن منصور القاضي، حدثنا الحسن بن علي بن القاسم الشاذياخي، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا ابن أبي فديك، حدثنا ابن أبي حميد/ح.
وأخبرنا الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي، أنا أبو الحسن بن صبيح، ثنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن، ثنا إسحاق بن إبراهيم، ثنا أبو عامر العقدي، ثنا محمد بن (أبي) حميد، عن إسماعيل بن محمد بن سعد يعني ابن أبي وقاص، عن أبيه عن جدّه عن النبي ﷺ قال:
«من سعادة ابن آدم استخارته الله ورضاه بما قضى الله عليه، ومن شقاوة ابن آدم تركه استخارة الله وسخطه بما قضى الله ﷿».
ورواه عمر بن علي المقدمي عن محمد بن أبي حميد وعبد الرحمن بن أبي بكر بن عبيد الله عن إسماعيل.
٢٠٤ - أخبرنا أبو علي بن شاذان البغدادي بها، أنا عبد الله بن جعفر، ثنا
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٢١٥١) من طريق أبي عامر العقدي وقال غريب لا نعرفه إلا من حديث محمد بن أبي حميد وليس بالقوي عند أهل الحديث.
(٢) أخرجه الترمذي (٣٥١٦)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (٥٩)، والبغوي في شرح السنة-
[ ١ / ٢١٩ ]
يعقوب بن سفيان، ثنا أبو بشر حاتم بن سالم القزاز، ثنا زنفل العرفي يكنّى أبا عبد الله، ثنا عبد الله بن أبي مليكة، عن عائشة، عن أبي بكر الصديق ﵄: «أنّ النّبيّ ﷺ كان إذا أراد أمرا قال الّلهمّ خر لي واختر لي.
وقد ذكرنا دعاء الاستخارة في غير هذا الموضع.
٢٠٥ - أخبرنا محمد بن موسى، أنا أبو عبد الله الصفار، ثنا ابن أبي الدنيا، ثنا إسحاق بن إسماعيل، ثنا جرير عن ليث عن أبي وائل قال: قال عبد الله:
«يستخير أحدكم فيقول اللهمّ خر لي، فيخير الله له فلا يرضى، ولكن ليقل الّلهمّ خر لي برحمتك وعافيتك ويقول الّلهمّ اقض لي بالحسنى، ومن القضاء بالحسنى قطع اليد والرّجل وذهاب المال والولد، ولكن لّيقل الّلهمّ اقض لي بالحسنى في يسر منك وعافية».
٢٠٦ - أخبرنا محمد بن موسى، ثنا أبو عبد الله الصفار ثنا ابن أبي الدنيا، ثنا أبو خيثمة، ثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه، عن محمد بن إسحاق، قال حدثني عيسى بن عبد الله بن مالك، عن محمد بن عمر بن عطاء، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«إذا أراد أحدكم أمرا فليقل الّلهمّ إنّي استخيرك بعلمك واستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنّك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علاّم الغيوب، الّلهمّ إن كان كذا وكذا-للأمر الّذي يريد-خيرا لي في ديني
_________________
(١) (٤/ ١٥٥) من طريق زنفل بن عبد الله-به وقال الترمذي هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث زنفل وهو ضعيف عند أهل الحديث ويقال له زنفل العرفي وكان سكن عرفات وتفرد بهذا الحديث ولا يتابع عليه. والحديث ضعفه ابن حجر في فتح الباري (١١/ ١٨٤).
(٢) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٢٨١) رواه أبو يعلى ورجاله موثقون ورواه الطبراني في الأوسط بنحوه. قلت والحديث رواه أيضا من غير طريق أبي سعيد. البخاري (٢/ ٧٠)، وأبو داود (١٥٤٣)، والترمذي (٤٨٠) وابن ماجة (١٣٨٣) وأحمد ٣/ ٣٤٤.
[ ١ / ٢٢٠ ]
ومعيشتي وعاقبة أمري وإلاّ فاصرفه عنّي واصرفني عنه ثمّ اقدر لي الخير أين كان ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله».
٢٠٧ - أخبرنا إسحاق بن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الإمام، أنا أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل، أنا علي بن روحان العسكري، ثنا علي بن محمد بن مروان السدي، ثنا أبي حدثنا عمرو بن قيس الملائي/ح.
وأخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، أنا محمد بن يزيد، أنا محمد بن خلف وكيع، ثنا علي بن شعيب، ثنا موسى بن بلال، ثنا أبو عبد الرحمن السدي، عن عمرو بن قيس الملائي، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ:
«إنّ من ضعف اليقين أن ترضي النّاس بسخط الله، وأن تحمدهم على رزق الله، وأن تذمّهم على ما لم يؤتك الله إن رزق الله لا يجرّه حرص حريص ولا يردّه كره كاره، إنّ الله بحكمه وجلاله جعل الرّوح والفرح في الرّضا واليقين، وجعل الغمّ والحزن في الشّكّ والسّخط».
محمد بن مروان ضعيف-
وروي ذلك عن ابن مسعود من قوله مرّة ومرفوعا أخرى أما المرفوع فما-
٢٠٨ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا محمد بن صالح بن هانئ، ثنا جعفر بن شعيب الشاشي، ثنا أبو حمة، ثنا أبو قرّة، عن سفيان بن سعيد، عن منصور بن المعتمر، عن خيثمة، عن ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال:
«لا ترضينّ أحدا بسخط الله ولا تحمدنّ أحدا على فضل الله، ولا تذمّنّ أحدا على ما لم يرد الله، فإنّ رزق الله لا يسوقه إليك حرص حريص ولا يردّه عنك كره كاره، وانّ الله ﷿ بقسطه وعدله جعل الروح والراحة والفرح في
_________________
(١) أخرجه أبو نعيم في الحلية (١/ ١٠٦) من طريق عمرو بن قيس-به.
(٢) أخرجه الطبراني في الكبير (١٠/ ٢٦٦ رقم ١٠٥١٤)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ١٢١، ٧/ ١٣٠) من طريق الأعمش عن خيثمة-به. وضعفه المنذري في الترغيب (٢/ ٥٤٠).
[ ١ / ٢٢١ ]
الرضا واليقين، وجعل الهمّ والحزن في السخط والشّكّ».
وأما الموقوف.
٢٠٩ - فأخبرنا أبو الحسين بن بشران، ثنا الحسين بن صفوان، ثنا عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا، ثنا الحسن بن الصباح، ثنا سفيان، عن أبي هارون المدني قال: قال ابن مسعود:
«الرضا أن لا ترضي النّاس بسخط الله، ولا تحمد أحدا على رزق الله، ولا تلم أحدا على ما لم يؤتك الله، فإنّ الرزق لا يسوقه حرص حريص، ولا يردّه كراهية كاره، والله بقسطه وعلمه جعل الروح والفرح في اليقين والرضا».
«وجعل الهمّ والحزن في الشكّ والسخط».
٢١٠ - أخبرنا أبو سعيد عبد الرحمن بن محمد بن شبانة الهمداني بها، ثنا أبو القاسم عبد الرحمن بن الحسن القاضي، أنا محمد بن الحسن بن سماعة، ثنا أبو نعيم، ثنا الأعمش، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال:
«إذا طلب أحدكم الحاجة فليطلبها طلبا يسيرا فإنّما له ما قدّر له ولا يأتي أحدكم صاحبه فيمدحه فيقطع ظهره».
٢١١ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا الحسن بن علي بن عفان، ثنا ابن نمير، عن الأعمش، عن المعرور بن سويد قال: قال عبد الله هو-ابن مسعود:
«إنّ في طلب الرّجل إلى أخيه الحاجة فتنة إن هو أعطاه حمد غير الّذي أعطاه وإن منعه ذمّ غير الّذي منعه».
٢١٢ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا إسماعيل بن محمد بن الفضل الشعراني، ثنا جدي (ثنا) أبو الوليد هشام بن إبراهيم المخزومي، حدثنا
_________________
(١) أخرجه ابن أبي الدنيا في اليقين (٣٢) عن الحسن بن الصباح-به. وعند ابن أبي الدنيا أوله (اليقين) بدلا من (الرضى).
(٢) المعرور بن سويد هو الأسدي الكوفي.
[ ١ / ٢٢٢ ]
موسى بن جعفر بن أبي كثير، عن عمّه قال: بلغني في قول الله ﷿:
﴿وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما﴾.
أن الكنز الذي كان لوحا من ذهب مكتوب فيه:
«عجبا لمن أيقن بالموت كيف يفرح؛ عجبا لمن أيقن بالحساب كيف يضحك؛ عجبا لمن أيقن بالقدر كيف يحزن! عجبا لمن يرى الدّنيا وزوالها وتقلّبها بأهلها كيف يطمئن إليها! لا إله إلاّ الله محمد رسول الله».
٢١٣ - أخبرنا أبو عبد الله ومحمد بن موسى، قالا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا عبد الله بن أحمد بن محمد بن المستورد، ثنا حكم بن سليمان القرشي، حدثني عمرو بن جميع، عن جويبر، عن الضحاك، عن النزال بن سبرة، عن علي بن أبي طالب في قول الله ﷿:
﴿وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما﴾.
قال: كان لوح من ذهب مكتوب فيه لا إله إلاّ الله محمد رسول الله عجبا لمن يذكر أن الموت حق كيف يفرح! وعجبا لمن يذكر أن النّار حق كيف يضحك! وعجبا لمن يذكر أن القدر حق كيف يحزن! وعجبا لمن يرى الدنيا وتصرفها بأهلها حالا بعد حال كيف يطمئن إليها.
٢١٤ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو بكر بن الحسن، وأبو سعيد بن أبي عمرو، قالوا ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا العباس بن محمد، ثنا أبو الجواب، ثنا عمّار بن رزيق، عن أبي حصين، عن يحيى بن وثاب عن مسروق قال: قال عبد الله:
«لا يؤمن العبد حتّى يؤمن بالقدر يعلم أنّ ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، ولأن أعضّ على جمرة حتّى تطفئ أحبّ إليّ من أن أقول لأمر قدره الله ليته لم يكن».
_________________
(١) النزال بن سبرة هو الهلالي الكوفي له صحبة. أخرجه المصنف في الزهد (٥٤١) من طريق عمرو بن جرير-به. وفي الزهد عمرو بن جرير بدلا من عمرو بن جميع.
[ ١ / ٢٢٣ ]
٢١٥ - أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق، أنا أبو الحسين أحمد بن عثمان بن يحيى الآدمي، ثنا عباس بن محمد الدوري، ثنا الهيثم بن خارجة، أنا سليمان بن عتبة، عن يونس بن ميسرة، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال:
«إنّ لكلّ شيء حقيقة، وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتّى يعلم أنّ ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه».
٢١٦ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا الحسن بن محمد بن إسحاق قال:
سمعت سعيد بن عثمان الخياط يقول: سمعت ذا النون يقول:
«من وثق بالمقادير لم يغتم».
٢١٧ - وبهذا الإسناد قال: سمعت ذا النون يقول:
«ارض عن الله وثق بالله، فكلّ شيء بقضاء الله، وأثن على الله، فإنّه من عرف الله رضي بالله، وسرّه ما قضى، ومن طلب المعروف من عند الله تيسّر لجود كف الله، ولو عرف الإنسان ما قرب لما عصى الله لغير الله».
٢١٨ - أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أنبا أبو علي الحسين بن صفوان، ثنا عبد الله بن محمد القرشي قال: حدثني محمد بن الحسين، حدثني عمار بن عثمان، حدثني بشر بن سنان المجاشعي، وكان من العابدين قال:
«قلت لعابد أوصني قال ألق نفسك مع القدر حيث ألقاك فهو أحرى أن تفرغ قلبك، وأن تقلّ همّك، وإيّاك أن تسخط ربّك فيحل بك السخط وأنت عنه في غفلة ولا تشعر به».
٢١٩ - أخبرنا عبد الرحمن بن عبيد الله الحرفي ببغداد، ثنا علي بن
_________________
(١) أبو إدريس الخولاني هو عائذ الله بن عبد الله أخرجه أحمد (٦/ ٤٤١) من طريق يونس-به. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٩٧) رواه أحمد والطبراني ورجاله ثقات ورواه الطبراني في الأوسط.
(٢) عبد الله بن محمد القرشي هو ابن أبي الدنيا.
(٣) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٢/ ١٣٢) من طريق عبيد الله بن شميط بن عجلان-به.
[ ١ / ٢٢٤ ]
محمد بن الزبير الكوفي، ثنا الحسن بن علي بن عفان، ثنا زيد بن الحباب، حدثني عبيد الله بن شميط بن عجلان، عن أبيه عن الحسن قال:
«يصبح المؤمن حزينا، ويمسي حزينا، يتقلب في النّوم ويكفيه ما يكفي العنيزة».
٢٢٠ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا جعفر بن محمد بن نصير، قال:
سمعت، أبا العباس بن عطاء يقول:
«ذروا التّدبير والاختيار، تكونوا في طيب من العيش فإنّ التّدبير والاختيار يكدّر على النّاس عيشهم».
قال: «سئل أبو العبّاس أيّ منزلة إذا قام العبد بها، قام مقام العبوديّة قال ترك التّدبير».
قال وسمعت أبا العباس يقول:
«لا تحلّ السّلامة حتّى تكون في التّدبير كأهل القبور».
قال: وسمعت أبا العباس يقول:
«الفرح في تدبير الله تعالى لنا والشقاء في تدبيرنا».
٢٢١ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو عمرو الزاهد، ثنا أبو العباس محمد بن علي الأنصاري، ثنا أبي قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: قال العلماء:
«من لم يصلح على تقدير الله لم يصلح على تقدير نفسه».
٢٢٢ - أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي أنه سمع عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الرازي يقول: سمعت أبا العباس أحمد بن محمد بن مسروق الطوسي يقول:
_________________
(١) في الأصل والمطبوعة (عبيد الله بن سميط) وهو خطأ والصحيح عبيد الله بن شميط وهو: ابن عجلان الشيباني البصري ثقة روى له الترمذي كذا بالتقريب.
(٢) أخرجه أبو نعيم في الحلية ١٠/ ١٩٦ قال أبو نعيم سمعت أبي يقول سمعت أبا بكر يقول سمعت سهل بن عبد الله يقول فذكره.
[ ١ / ٢٢٥ ]
«من ترك التّدبير عاش في راحة».
٢٢٢ م-سمعت أبا العباس يقول سمعت أبا الحسين الفارسي يقول:
سمعت عباس بن عاصم يقول: سمعت سهلا يقول:
«البلوى من الله على وجهين بلوى رحمة وبلوى عقوبة».
فبلوى الرحمة يبعث صاحبه على إظهار فقره وفاقته (^١) إلى الله وترك التدبير، وبلوى العقوبة يبعث صاحبه على اختياره وتدبيره.
٢٢٣ - حدثنا عبد الله بن يوسف الأصبهاني، ثنا أبو سعيد بن الأعرابي، ثنا محمد بن إسماعيل الأصبهاني قال: سمعت أبا تراب يقول: سمعت حاتما يقول: سمعت شقيقا يقول:
«يا فقير! لا تشتغل ولا تتعب في طلب الغنى، فإنّه إذا قسّم لك الفقر لا تكون غنيا».
٢٢٤ - أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطّان، ثنا عبد الله بن جعفر، ثنا يعقوب بن سفيان، ثنا سليمان بن حرب، ثنا حماد قال: قال أيوب:
«إذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون».
٢٢٥ - أخبرنا أبو عبد الرحمن السّلمي، ثنا محمد بن أحمد بن سعيد الرازي، ثنا العباس بن حمزة، ثنا أحمد بن أبي الحواري، عن سفيان في قوله:
﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن:١١].
قال: بالرضا والتسليم.
_________________
(١) وفي الأصل والمطبوعة على (اظهاره قدرة) وهو خطأ والصحيح (على إظهار فقره وفاقته) كما في الحلية.
(٢) شقيق هو أبو علي البلخي.
(٣) أيوب هو أيوب بن كيسان السختياني.
(٤) أحمد بن أبي الحواري هو أحمد بن عبد الله بن ميمون بن العباس بن الحارس التغلبي الحسن بن أبي الحواري ثقة زاهد. روى عن سفيان وهو ابن عيينة.
[ ١ / ٢٢٦ ]
٢٢٦ - أخبرنا أبو عبد الرحمن السّلمي، قال: سمعت علي بن أحمد بن عبد العزيز القزويني قال: سمعت جعفرا يقول: سمعت أبا العباس بن عطاء يقول:
«الرّضا ترك الخلاف على الله فيما يجريه على العبد».
٢٢٧ - أخبرنا أبو نصر عمر بن قتادة، أنا أبو العباس محمد بن إسحاق الصّبغي، ثنا الحسن بن علي بن زياد، ثنا إسحاق الفروي، ثنا مالك، عن يحيى بن سعيد أنّ عمر بن عبد العزيز قال:
«لقد تركتني هؤلاء الدّعوات وما لي في شيء من الأمور كلّها أردت أني في موضع قدر الله».
قال: «وكان كثيرا ما يدعو اللهمّ رضّني بقضائك وبارك لي في قدرك حتّى لا أحبّ تعجيل شيء أخّرته ولا تأخير شيء عجّلته».
٢٢٨ - أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق، ثنا أبو الحسن أحمد بن الحسن بن يزيد القزويني بالري، ثنا محمد بن أيوب بن يحيى، أنا سليمان العتكي، ثنا حماد، حدثنا يحيى بن سعيد قال: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول:
«ما أصبح لي هوى في شيء سوى ما قضى الله ﷿».
٢٢٩ - أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أنا إسماعيل بن محمد الصفار، ثنا العباس بن محمد، ثنا يحيى بن معين، ثنا حجاج عن شعبة قال: قال لي يونس بن عبيد:
«ما تمنّيت شيئا قطّ».
٢٣٠ - أخبرنا أبو حازم الحافظ، أنا محمد بن أحمد بن سنان، ثنا الهيثم بن خلف، ثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق قال: سمعت إبراهيم بن الأشعث يقول: سمعت الفضيل بن عياض يقول:
«الراضي لا شيء فوق منزلته».
[ ١ / ٢٢٧ ]
٢٣١ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا الحسن بن محمد بن إسحاق قال:
سمعت أبا عثمان الخياط يقول: سمعت ذا النون يقول:
«ثلاثة من أعلام التّسليم: مقابلة القضاء بالرّضا، والصّبر على البلاء، والشّكر على الرّخاء. وثلاثة من أعلام التّفويض: ترك الحكم في أقدار الله في وقت إلى وقت، وتعطيل الإرادة لإرادة في النّوافل وأسباب الدّنيا، والنّظر إلى ما يقع به من تدبير الله ﷿. وثلاثة من أعلام ذكاء القلب: رؤية كلّ شيء من الله، وقبول كلّ شيء عنه، وإضافة كلّ شيء إليه».
٢٣٢ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا أحمد الحافظ يقول:
أنا أبو عثمان سعيد بن عبد العزيز الحلبي، ثنا أحمد بن أبي الحواري قال:
سمعت أبا عبد الله النّباجي يقول:
«أجلّ العبادة عندي ثلاثة لا تردّ من أحكامه شيئا ولا تسأل غيره حاجة، ولا تدخر عنه شيئا».
٢٣٣ - أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: سمعت محمد بن أحمد بن شمعون:
«وكان قد سئل عن الرّضا فقال الرّضا بالحقّ، والرّضا عنه والرّضا له فقال الرّضا به مدبّرا ومختارا والرّضا عنه قاسما ومعطيا، والرّضا له إلها وّ ربّا».
٢٣٤ - أخبرنا أبو عبد الرحمن أنه سمع منصور بن عبد الله يقول: سمعت العباس بن يوسف الشكلي يقول؛ سمعت ابن الفرجي يقول:
«معنى الرّضا فيه ثلاثة أقوال: ترك الاختيار، وسرور القلب بمرّ القضاء، وإسقاط التّدبير من النّفس حتّى يحكم لها عليها».
٢٣٥ - أخبرنا أبو عبد الرحمن أنه سمع أبا بكر بن شاذان يقول: سئل أبو عثمان البيكندي عن الرضا قال:
«من لم يندم على ما فات من الدّنيا ولم يتأسّف عليها».
_________________
(١) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٩/ ٣٦٢ و٣٦٣) من طريق سعيد بن عثمان الخياط عن ذي النّون الثلاثة الأولى فقط أثناء حديث طويل.
[ ١ / ٢٢٨ ]
٢٣٦ - أخبرنا أبو سعد الماليني، ثنا أحمد بن محمد بن الحسن، ثنا أبو العباس بن حكمويه الرازي قال: سمعت يحيى بن معاذ الرازي يقول:
«يا ابن آدم لا تأسف على مفقود لا يردّه عليك الفوت ولا تفرح بموجود لا يتركه في يديك الموت».
٢٣٧ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا أحمد بن حازم، ثنا عبيد الله بن موسى، عن سفيان، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله:
﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ﴾ [الحديد:٢٣].
«قال: ليس أحد إلاّ وهو يفرح ويحزن ولكن إذا أصابته مصيبة جعلها صبرا فإن أصابه خير جعله شكرا».
قال البيهقي ﵀: وهذا يؤكّد قول الحليمي ﵀ في هذه الآية انّ المراد بالحزن: التسخط والتّفجّر والمراد بالفرح فرح التبذخ والتكبّر.
٢٣٨ - أخبرنا أبو سعد الماليني، ثنا أبو محمد الحسن بن أبي الحسين العسكري ثنا محمد بن أحمد بن عبد العزيز العامري، حدثني عمر بن صدقة الحمال قال:
«كنت مع ذي النّون بأخميم فسمع صوت لهو ودفاف وإكبار فقال ما هذا؟ فقيل عرس لبعض أهل المدينة وسمع إلى جانبه بكاء وصياحا وولولة فقال ما هذا؟ فقيل فلان مات فقال لي يا عمر بن صدقة أعطوا هؤلاء فما شكروا، وابتلوا هؤلاء فما صبروا، ولله عليّ إن بتّ في هذه المدينة فخرج من ساعته من أخميم إلى الفسطاط».
٢٣٩ - أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، ثنا أبو الوليد، ثنا أبو عبد الله البوشنجي، ثنا أحمد بن حنبل، ثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن بشر بن
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٤٧٩) من طريق سفيان به وصححه الحاكم ووافقه الذهبي وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ١٧٦) لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه والمصنف في الشعب.
[ ١ / ٢٢٩ ]
جابان الصنعاني، عن حجر بن قيس المدري، قال: بت عند أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ فسمعته وهو يصلي من الليل يقرأ فمرّ بهذه الآية:
﴿أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ﴾ [الواقعة:
٥٨،٥٩].
قال: بل أنت يا رب ثلاثا ثم قرأ:
﴿أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾ [الواقعة:
٦٣،٦٤].
قال: بل أنت يا رب بل أنت يا رب بل أنت يا رب ثم قرأ:
﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ [الواقعة:٦٨،٦٩].
قال: بل أنت يا رب ثلاثا ثم قرأ:
﴿أَفَرَأَيْتُمُ النّارَ الَّتِي تُورُونَ أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ﴾ [الواقعة:٧١،٧٢].
قال: بل أنت يا رب ثلاثا.
٢٤٠ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو عبد الله محمد بن علي الصنعاني، ثنا إسحاق بن إبراهيم، أنا عبد الرزاق، عن معمر، عن جعفر بن برقان أنّ عيسى ابن مريم ﵇ كان يقول:
«الّلهمّ إنّي أصبحت لا أستطيع دفع ما أكره ولا أملك نفع ما أرجو وأصبح الأمر بيد غيري، وأصبحت مرتهنا بعملي، فلا فقير أفقر منّي، الّلهمّ لا تشمت بي عدوّي، ولا تسؤ بي صديقي، ولا تجعل مصيبتي في ديني، ولا تسلّط عليّ من لا يرحمني».
٢٤١ - أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي فيما قرئ عليه حكاية عن بعضهم أنّه قال: «كمال الدّين في التّبرّي من الحول والقوّة والرّجوع في الكلّ إلى من له الكلّ».
[ ١ / ٢٣٠ ]
قال: وقال سهل:
«ما نظر أحد إلى نفسه فأفلح، ولا ادّعى لنفسه حالا فتمّ له، والسّعيد من الخلق من صرف بصره عن أفعاله وأقواله، وفتح له سبيل الفضل والأفضال ورؤية منة الله عليه في جميع الأفعال والشّقيّ من زيّن في عينه أفعاله وأقواله فافتخر بها وادعاها لنفسه فسوف تهلكه يوما فإن لم تهلكه في الوقت ألا ترى الله ﷿ كيف حكى عن قارون قوله: ﴿إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص:٧٨].
نسي الفضل وادّعى لنفسه فضلا فخسف الله به ظاهرا وكم قد خسف بالأشرار وأصحابها لا يشعرون بذلك، وخسف الأشرار هو منع العصمة والرد إلى الحول والقوة، وإطلاق اللسان بالدعاوى العريضة، والعمى عن رؤية الفضل والقعود عن القيام بالشكر على ما أولي وأعطي حينئذ يكون وقت الزوال.
٢٤٢ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو بكر محمد بن جعفر الآدمي القارئ، ثنا أبو العيناء، ثنا عمر بن إسماعيل بن مجالد بن سعيد الهمداني، ثنا أبي، عن مجالد، عن الشعبي، عن محمد بن الأشعث الكندي قال:
«إنّ لكلّ شيء دولة حتّى إن للحمق على العقل دولة».
قال البيهقي ﵀ الدولة لمن وافقه القضاء والتقدير، قال الله تعالى:
﴿وَتِلْكَ الْأَيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾ [آل عمران:٤٠].
٢٤٣ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا عبد الله محمد بن إبراهيم بن حمش يقول: سمعت أبي يقول:
«إذا لم تطع ربّك فلا تأكل رزقه، وإذا لم تجتنب نهيه فأخرج من مملكته وإذا لم ترض بفعله فأطلب ربّا سواه وإذا عصيته فأخرج إلى مكان لا يراك».
٢٤٤ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا منصور الصوفي ابن ابنة إبراهيم بن حمش الزاهد، يقول: سمعت جدّي يقول:
«يضحك القضاء من الحذر، ويضحك الأجل من الأمل، ويضحك التقدير من التدبير، وتضحك القسمة من الجهد والغناء».
[ ١ / ٢٣١ ]
٢٤٥ - أنشدنا أبو عبد الله الحافظ، أنشدني أبو محمد الحسين بن علي العلوي الشهيد، أنشدني المثنى لنفسه:
وبعين مفتقر إليك رأيتني فهجرتني ونزلت بي من حالق
لست الملوم، أنا الملوم لأنّني أنزلت حاجاتي بغير الخالق
٢٤٦ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا محمد الحسن بن أحمد بن يعقوب الماموني يقول: سمعت أبا عمر الزاهد ينشد للشافعي ﵀:
وإذا سمعت بأنّ مجدودا حوى عودا فأثمر في يديه فصدّق
وإذا سمعت بأنّ محروما أتى ماء ليشربه فغاض فحقّق
ومن الدّليل على القضاء وكونه بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق
٢٤٧ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو الصقر أحمد بن الفضل الكاتب بهمدان أنشدنا أحمد بن يحيى ثعلب أنشدنا عبد الله بن شبيب:
ليس اختيار ولا عقل ولا أدب يجدي عليك إذا لم يسعد القدر
ما يقضه الله لا يعييك مطلبه والسعي في نيل ما لم يقضه عسر
كم مانع نفسه آرابها حذرا للفقر ليس له من ماله ذخر
إن كان إمساكه للفقر يحذره فقد يعجل فقرا قبل يفتقر؟
٢٤٨ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أنشدنا أبو عمرو محمد بن أحمد بن إسحاق النحوي أنشدنا أحمد بن عبيد الله الدارمي بأنطاكية لنفسه:
يا لائم الدهر على ما بنا لا تلم الدّهر على غدره
فالدهر مأمور له آمر ينصرف الدهر إلى أمره
كم كافر بالله أمواله تزداد أضعافا على كفره
ومؤمن ليس له دانق يزداد إيمانا على فقره
لا خير فيمن لم يكن عاقلا يبسط رجليه على قدره
٢٤٩ - أخبرنا أبو عبد الله، أخبرنا أبو زكريا يحيى بن محمد العنبري، ثنا محمد بن عبد السّلام، ثنا إسحاق بن إبراهيم، أنا أبو معاوية، ثنا الأعمش، عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وذكر قصة سليمان بن داود ﵉ في مسيره قال:
[ ١ / ٢٣٢ ]
«فبينما هو يسير في فلاة إذ احتاج إلى الماء فجاءه الهدهد فجعل ينقر الأرض فأصاب موضع الماء فجاءت الشّياطين فسلخت ذلك الموضع كما تسلخ الإهاب فأصابوا الماء».
قال: نافع بن الأرزق قف أرأيت الهدهد كيف يجيء فينقر الأرض فيصيب موضع الماء وهو يجئ إلى الفخ وهو لا يبصره حتى يقع في عنقه.
قال ابن عباس: إن القدر إذا جاء حال دون البصر.
٢٥٠ - سمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول سمعت الحسن بن أحمد بن موسى القاضي يقول سمعت الترمذي يقول:
«إذا جاء القدر عمي البصر، وإذا جاء الحين، غطّى العين».
٢٥١ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ. أنشدنا أبو الحسين محمد بن أحمد بن ثابت البغدادي قال: أنشدنا أبو عمرو الزاهد:
إذا أراد الله أمرا بامرئ وكان ذا رأي وعقل وبصر
وحيلة يعملها في كل ما يأتي به محتوم أسباب القدر
أغراه بالجهل وأعمى عينه فسلّه عن عقله سلّ الشعر
حتى إذا أنفذ فيه حكمه ردّ عليه عقله ليعتبر
٢٥٢ - أنشدنا الأستاذ أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب أنشدني أبو جعفر محمد بن صالح الأوبري، أنشدنا حماد بن علي البكراوي لمحمود بن الحسن الورّاق:
توكّل على الرّحمن في كلّ حاجة أردت فإنّ الله يقضي ويقدر
متى ما يرد ذو العرش أمرا بعبده يصبه وما للعبد ما يتخيّر
وقد يهلك الإنسان من وجه أمنه وينجو بحمد الله من حيث يحذر
٢٥٣ - قال: وأنشدني أبو الفوارس جنيد بن أحمد الطبري:
العبد ذو ضجر، والربّ ذو قدر والدهر ذو دول، والرزق مقسوم
والخير أجمع فيما اختار خالقنا وفي اختيار سواه اللوم والشوم
_________________
(١) مختصر شعب الإيمان ص ٢٥.
[ ١ / ٢٣٣ ]
(٦) السادس من شعب الإيمان