وآيات القرآن في البعث كثيرة فمنها قول الله ﷿:
﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ [التغابن:٧].
وقوله: ﴿قُلِ اللهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ [الجاثية:٢٦].
وقوله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون:
١١٥].
وروينا عن مطر الورّاق، عن عبد الله بن بريدة، عن يحيى بن يعمر، عن ابن عمر، عن عمر بن الخطاب، عن النبي ﷺ في حديث الإيمان قال فقال يا رسول الله ما الإيمان؟ قال: الإيمان.
«أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالبعث من بعد الموت وبالقدر كلّه».
٢٥٦ - أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد الأشناني، أنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبدوس، ثنا عثمان بن سعيد الدارمي، ثنا سليمان بن حرب، ثنا حماد بن زيد، عن مطر فذكره.
وهو مخرج في كتاب مسلم.
والإيمان بالبعث هو أن يؤمن بأن الله تعالى يعيد الرّفات من أبدان الأموات، ويجمع ما تفرق منها في البحار وبطون السباع وغيرها حتى تصير بهيئتها الأولى، ثم يجمعها حيّة، فيقوم الناس كلهم بأمر الله تعالى أحياء، صغيرهم وكبيرهم حتى السّقط الذي قد تمّ خلقه، ونفخ فيه الرّوح، فأمّا الّذي لم يتمّ خلقه، أو لم ينفخ فيه الرّوح أصلا، فهو وسائر الأموات بمنزلة واحدة والله تعالى أعلم.
وأما قول الله ﷿ في صفة القيامة:
_________________
(١) أخرجه مسلم (١/ ٣٦) من طريق عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر-به.
[ ١ / ٢٣٩ ]
﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها﴾ [الحج:٢].
فإنما أراد الحوامل اللاتي لم يضعن أحمالهن فإذا بعثن أسقطن تلك الأحمال من فزع يوم القيامة ثم إن كانت الأحمال أحياء في الدنيا أسقطنها يوم القيامة أحياء، ولا يتكرّر عليها الموت، وإن كانت الأحمال لم ينفخ فيها الروح في الدنيا، أسقطنها أمواتا، كما كانت، لأنّ الإحياء إنما هو إعادة الحياة إلى من كان حيّا فأميت، ومن لم يكن له في الحياة الدنيا نصيب فلا نصيب له في الحياة الآخرة.
وقد ذكر الله ﷿ في غير آية من كتابه إثبات البعث منها قول الله ﷿:
﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس:٨١].
وقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ، وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف:٣٣].
فأحال بقدرته على إحياء الموتى على قدرته خلق السماوات والأرض التي هي أعظم جسما من الناس.
ومنها قوله ﷿:
﴿قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس:٧٨].
فجعل النشأة الأولى دليلا على جواز النشأة الآخرة لأنّها في معناها ثم قال:
﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نارًا فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ [يس:
٨٠].
فجعل ظهور النار على حرّها ويبسها من الشجر الأخضر على نداوته ورطوبته دليلا على جواز خلقه الحياة من الرّمّة البالية والعظام النخرة. وقد نبّهنا
[ ١ / ٢٤٠ ]
الله ﷿ في غير آية من كتابه على إحياء الموتى بالأرض، تكون حية تنبت وتنمى وتثمر ثم تموت فتصير إلى أن لاّ تنبت، وتبقى خاشعة هامدة، ثم تحيى فتصير إلى أن تنبت وتنمى، وهو الفاعل لحياتها وموتها، ثم حياتها، فإذا قدر على ذلك لم يعجزه أن يميت الإنسان، ويسلبه معاني الحياة، ثم يعيدها إليه، ويجعله كما كان.
ونبّهنا على إحياء النطفة التي هي ميتة، وخلق الحيوان منها على قدرته على إحياء الموتى فقال ﷿:
﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتًا فَأَحْياكُمْ﴾ [البقرة:٢٨].
يعني نطفا في الأصلاب والأرحام، فخلقكم منها بشرا تنتشرون. وقال تعالى:
﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ﴾ [المرسلات:٢٠ - ٢٣].
فأعلمهم أنّه إذا أخرج النطفة من صلب الأب فهي ميتة، ثمّ انه جلّ ثناؤه جعلها حيّة في رحم الأم، يخلق من يخلق منها، ويركب الحياة فيه فهذه إحياء ميتة في المشاهدة، فمن يقدر على هذا لا يعجز عن أن يميت هذا الخلق، ثمّ يعيده حيّا. ثم بسط هذا المعنى في آية أخرى.
فقال:
﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى، ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى﴾ [القيامة:٣٧ - ٤٠].
ونبّهنا على ذلك بخلق الحبّ والنّوى فقال عز من قائل:
﴿إِنَّ اللهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ [الأنعام:٩٥].
وذلك أن الحب إذا جفّ ويبس بعد انتهاء تمامه، وقع اليأس من ازدياده، فكذلك النّوى إذا تناهى عظمه وجفّ ويبس كانا ميّتين، ثم إنهما إذا أودعا الأرض الحيّة فلقهما الله تعالى، وأخرج منهما ما يشاهد من النخل والزرع حيّا
[ ١ / ٢٤١ ]
ينشأ وينمو إلى أن يبلغ غايته، ويدخل في هذا المعنى البيضة تفارق البائض ويجري عليها حكم الموت، ثم يخلق الله منها حيّا فهل هذا إلاّ إحياء الميتة، وهو أمر مشاهد والعلم به ضرورة.
وقد نبّهنا الله ﷿ على إحياء الموتى بما أخبر من اراءة إبراهيم ﵇ إحياء الأموات، وقد نقلته عامّة أهل الملل.
وبما أخبر به عن الذين أخرجوا من ديارهم، وهم ألوف حذر الموت، فقال لهم الله: موتوا ثم أحياهم.
وبما أخبر به عن الذي مرّ على قرية وهي خاوية على عروشها، قال: أنّى يحيي هذه الله بعد موتها؟ فأماته الله مائة عام، ثمّ بعثه.
وبما أخبر به عن عصا موسى ﵇ وقلبه إيّاه حيّة ثم أعادتها خشبة، ثم جعلها عند محاجّة السّحرة حيّة ثم اعادتها خشبة وقد أشركت عامة أهل الملل في نقله.
وبما أخبر به من شأن أصحاب الكهف الذين ضرب على آذانهم زيادة على ثلاثمائة سنة، ثم أحياهم ليدلّ قومهم عند ما أعثر عليهم على أن ما أنذروا به من البعث بعد الموت حقّ لا ريب فيه، وقد نقلنا الآثار في شرح ذلك في الأول من كتاب «البعث والنشور».
[ ١ / ٢٤٢ ]
(٨) الثامن من شعب الإيمان
وهو باب في حشر الناس بعد ما يبعثون من قبورهم