حتى يكون القذف في النار أحب إليه من الكفر
وذلك لما جاء عن النبي ﷺ فيما
١٦٢٣ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا إبراهيم بن مرزوق ثنا (وهب بن جرير) (^١) وبشر بن عمر قالا ثنا شعبة عن قتادة عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ:
«ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله ومن كان أن يلقى في النار أحب إليه من أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه».
أخرجاه في الصحيح من حديث شعبة بن الحجاج.
١٦٢٤ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أنا أبو بكر محمد بن أحمد بالويه (ح) وأخبرنا: أبو الحسين بن الفضل القطان ثنا أبو سهل بن زياد قالا ثنا إسحاق بن الحسن الحربي ثنا حماد بن سلمة أنا ثابت البناني عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال:
«ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما والرجل يحب الرجل لا يحبه إلا لله والرجل أن يقذف في النار أحب إليه من أن يرجع يهوديا أو نصرانيا».
_________________
(١) ١٦٢١ - أخرجه أحمد (١/ ٣٤٧) عن عبد الرزاق عن معمر-به. ١٦٢٢ - أخرجه المصنف من طريق الحاكم (٢/ ٤٣٩) وفي المستدرك (عبد الله بن محمود ابن شقيق) بدلا من (عبد الله بن محمود عن محمد بن علي بن شقيق).
(٢) في الأصل (وهيب بن وهيب) وما اثبتناه من مختصر الشعب.
(٣) سبق برقم (١٣٧٧).
(٤) أخرجه مسلم (١/ ٦٧) من طريق النضر بن سهيل عن حماد-به.
[ ٢ / ٢٣٥ ]
أخرجه مسلم في الصحيح من وجه آخر عن حماد.
قال البيهقي ﵀:
فأبان ﷺ بهذا الخبر أن الشح بالدين من الإيمان لأن ذكر الحلاوة مثل الإيمان وأراد أن الشحيح بدينه كالمتطعم بالشيء الحلو فكما أن الراغب في الإيمان لا يسلم له مقصوده منه إلا وأن يكون شحيحا به فإنه إذا شح بالإيمان لم يأت بما يفسده عليه كما أن من وجد حلاوة الحلو لم يأت بما يبطلها عليه.
والله أعلم.
ويدخل في هذا الباب ما اقتصه الله ﷾ علينا من خبر شعيب النبي ﵇ إذ قال له قومه:
(لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا).
فقال لهم:
﴿أَوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجّانَا اللهُ مِنْها﴾ إلى آخر الآية.
فإن في هذا الباب عدة معان مرجعها كلها إلى الشح بالدين.
أحدها: أن شعيبا ﵇ سمى مهانته المستكبرين من قومه نجاة وقد علم أن ضد النجاة الهلكة ومن كان عنده أن الكفر هلكة والإيمان نجاة لم يكن إلا شحيحا على دينه.
والثاني: أنه أشار بقوله: على الله توكلنا إلا أنه قد فوض أمره إلى الله تعالى فإن عصمه من الجلاء عن الوطن فذلك فضله.
وإن جلاءهم وما يهمون به من إخراجهم بالجلاء أحب إليه من مفارقة الدين وهذا من الشح بالدين لأن الله تعالى جعل الجلاء عن الوطن بمرتبة القتل.
والثالث: أن شعيبا ﵇ فرغ إلى الله واستنصره ودعاه كما يدعو في الشدائد إذا عرضت له والخطوب إذا نزلت فقال:
[ ٢ / ٢٣٦ ]
﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ﴾.
استعظاما منه لما كان يخاطب به وتأملا أن يدافع الله عنه أذية الكفار فلا يسمعوه في دينه ما يشق عليه سماعه وهذا أيضا من الشح بالدين ومعلوم أن الله تعالى يقيض علينا هذا ومثله لتتأدب بآداب الذين يصف لنا سيرهم ثم يمنعها وبيان مذاهب الذين يصف لنا طرائقهم ثم يدعها ويتبع الأحسن من الوجهين دون الأقبح منها لذا قال ﷿:
﴿فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ الآية.
فصح أن الشح بالدين من أركان الدين لا يجد حلاوة الدين من لا يجد الشح به في قلبه.
والله أعلم.
وهذا هو الأمر الذي يشهد العقل بصحته لأن من اعتقد دينا ثم لم يكن في نهاية الشح به والإشفاق عليه كان ذلك دلالة على أنه لا يعرف قدره ولا يبن موضع الحظ لنفسه فيه ومن كان الحق عنده حقيرا لم يسكن الحق قلبه وبالله العصمة.
ثم إن الشح بالدين ينقسم قسمين:
أحدهما: الشح بأصله كيلا يذهب.
والآخر: الشح بكماله كيلا ينقص. ألا ترى أن الله تعالى كما مدح شعيبا ﵇ وأثنى عليه بأنه شح على دينه فلم يفارقه مع استكراه قومه إياه على مفارقته وكذلك قد مدح يوسف ﵇ بأن استعصم حين راودته امرأة العزيز عن نفسه وقال:
﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾.
فبان أن الشح على شعب الإيمان كيلا ينقص كالشح على أصله كيلا يذهب وهذا سبيل كل مفتون به لأن الشحيح بماله كما شح بجماعته فشح بابعاضه الشحيح بنفسه يشح بأطرافه كما يشح بحمله مدة وهكذا الدين وبالله التوفيق.
[ ٢ / ٢٣٧ ]
ومن الشح على الدين أن المؤمن إذا كان بين قوم لا يستطيع أن يوفي الدين حقوقه بين ظهرانيهم ويخشى أن يفتنوه عن دينه وكان إذا قاربهم يجد لنفسه مأمنا يتبوأه ويكون فيه أحسن حالا منه بين هؤلاء لم يقم بين ظهرانيهم وهاجر إلى حيث يعلم أنه خير له وأوفق قال الله تعالى:
﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِرًا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ﴾.
وعلى هذا الوجه كانت هجرة أصحاب رسول الله ﷺ من ديار الكفار وليلقوه ويصحبوه ويهاجروا معه ثم هذا الحكم فيمن لم يمكنه اظهار دينه في موضعه باق بعده. وقد تكلمنا على هذه المسألة في كتاب السير من كتاب السنن.
وروينا في كتاب دلائل النبوة ما قاسى أصحاب رسول الله ﷺ من الشدائد والمكاره لمحاورة الكفار حتى أمروا بالهجرة إلى أرض الحبشة ثم إلى المدينة والله تعالى يوفقنا لمتابعة سلفنا فنعم السلف كانوا لنا ﵃.
١٦٢٥ - أخبرنا: أبو عبد الحافظ أنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب ثنا محمد بن عبد الوهاب أنا يعلى بن عبيد ثنا الأعمش عن أبي مسلم عن أبي الضحى عن مسروق عن خباب كنت رجلا قينا وكان لي على العاص بن وائل دين فأتيته أتقاضاه فقال والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد. قال: قلت والله لا أكفر به أبدا حتى تموت ثم تبعث. قال: فإني إذا مت ثم بعثت جئتني ولي ثم مالا وولدا فأعطيتك فأنزل الله ﷿:
﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَدًا﴾.
أخرجاه في الصحيح من وجه آخر عن الأعمش.
١٦٢٦ - أخبرنا أبو الحسين بن بشران أنا إسماعيل بن محمد الصفار ثنا أحمد بن منصور ثنا عبد الرزاق أنا معمر عن عطاء الخراساني قال كنت عند سعيد بن المسيب فذكرت بلالا فقال كان شحيحا على دينه وكان يعذب في الله وكان يعذب على دينه فإذا أراد المشركون يقاربهم قال: الله الله.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤/ ٣١٧ - فتح) من طريق شعبة عن الأعمش.
[ ٢ / ٢٣٨ ]
١٦٢٧ - أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي أنا أبو منصور محمد بن القاسم الصبغي ثنا إسماعيل بن قتيبة ثنا أبو بكر بن أبي شيبة أنا ابن عيينة عن مسعر عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال: كان خباب من المهاجرين وكان ممن يعذب في الله.
١٦٢٨ - وبه أنا أبو بكر ثنا جرير عن مغيرة عن الشعبي قال: أعطوهم ما سألوا إلا خباب فجعلوا يلزقون ظهره بالرضف حتى ذهب (ما يمنعه) (^١).
١٦٢٩ - أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ ثنا أبو العباس بن يعقوب ثنا أحمد بن عبد الجبار ثنا يونس بن بكير حدثني هشام بن عروة عن أبيه قال: كان ورقة بن نوفل يمر ببلال وهو يعذب على الإسلام وهو يقول أحد أحد فيقول ورقة أحد أحد يا بلال.
١٦٣٠ - وإسناده عن عروة أن أبا بكر الصديق ﵁ أعتق ممن كان يعذب في الله على الإسلام () (^٢) إلا الإسلام.
وقال المشركون:
ما أصاب بصرها إلا اللات والعزى. فقالت: كلا والله ما هو كذلك فرد الله عليها بصرها.
١٦٣١ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو العباس ثنا أحمد ثنا يونس عن ابن إسحاق قال: فحدثني رجال من آل عمار بن ياسر أن سمية أم عمار عذبها هذا الحي من بني المغيرة على الإسلام وهي تأبى حتى قتلوها وكان النبي ﷺ يمر بعمار وأبيه وأمه وهم يعذبون بالأبطح في رمضاء مكة فيقول:
صبرا يا آل ياسر فإن موعدكم الجنة.
١٦٣٢ - أخبرنا محمد بن موسى بن الفضل أنا عبد الله بن الصفار ثنا
_________________
(١) غير واضح.
(٢) كلمة غير واضحة.
(٣) أخرجه المصنف من طريق الحاكم (٣/ ٣٨٣).
(٤) أخرجه الترمذي (٢٤٧٢) عن عبد الله بن عبد الرحمن عن روح بن أسلم أبو حاتم البصري عن حماد بن سلمة-به. وقال الترمذي حسن غريب.
[ ٢ / ٢٣٩ ]
أحمد بن محمد البرني القاضي ثنا محمد بن كثير العبدي ثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: لقد أخفت في الله ﷿ وما يخاف أحد ولقد أوذيت في الله ﷿ وما يؤذى أحد ولقد أتى عليّ وعلى بلال ثلاثون ما بين يوم وليلة وما لي من طعام يأكله ذو كبد إلا شيء يواريه إبط بلال.
والأحاديث في هذا المعنى كثيرة قد ذكرنا بعضها في كتاب دلائل النبوة وحين شكوا إلى النبي ﷺ ما يصيبهم تخذاللا.
وسألوا الدعاء لكشف ذلك عنهم.
١٦٣٣ - أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق أنا أبو عبد الله بن يعقوب ثنا محمد بن عبد الوهاب أنا جعفر بن عون أنا إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن خباب قال:
شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسد ببردة له وهو في ظل الكعبة فقلنا ألا تدعو الله لنا ألا تستنصر الله لنا.
قال: فجلس محمرا وجهه ثم قال: والله إن كان ممن قبلكم ليؤخذ الرجل فتحفر له الحفرة فيوضع المنشار على رأسه فيشق اثنتين ما يصرفه عن دينه ويمشط بأمشاط الحديد ما بين عظمه ولحمه ما يصرفه ذلك عن دينه وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب منكم من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله ﷿ أو الذئب على غنمه ولكنكم قوم تعجلون.
أخرجاه في الصحيح من وجه آخر عن إسماعيل.
١٦٣٤ - أبو عبد الله الحافظ أنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا محمد بن إسحاق الصنعاني ثنا عفان ثنا حماد بن سلمة أنا ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب أن رسول الله ﷺ قال:
كان ملك ممن كان قبلكم وكان له ساحر فلما كبر الساحر قال الساحر:
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٢/ ٣١٥ - ٣١٦ - فتح) عن مسدد عن يحيى عن إسماعيل-به. والحديث غير موجود في صحيح مسلم وانظر تحفة الاشراف.
(٢) أخرجه مسلم (٤/ ٢٢٩٩ - ٢٣٠١) عن هداب بن خالد عن حماد-به.
[ ٢ / ٢٤٠ ]
إني قد كبرت سني وحضر أجلي فادفع إليّ غلاما فلأعلمه السحر فدفع إليه غلاما وكان يعلمه السحر وكان بين الملك وبين الساحر راهب فأتى الغلام على الراهب يسمع من كلامه فأعجبه نجوه وكلامه فكان إذا أتى الساحر ضربه ويقول ما حبسك فإذا أتى أهله جلس عند الراهب فيبطئ على أهله فإذا أتى أهله ضربوه وقالوا ما حبسك.
فشكا ذلك إلى الراهب فقال إذا أراد الساحر أن يضربك فقل حبسني أهلي فإذا أراد أهلك أن يضربوك فقل حبسني الساحر قال: فبينما هم كذلك إذ أتى يوما على دابة فظيعة عظيمة قد حبست الناس فلا يستطيعون أن يجوزوا فقال: اليوم أعلم أمر الراهب أحب إلى الله أم أمر الساحر فأخذ حجرا فقال:
اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك وأرضى لك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يجوزوا الناس ورماها فقتلها ومضى الناس فأخبر الراهب بذلك فقال أي بني أنت أفضل مني وإنك ستتبتلى فإن ابتليت فلا تدل عليّ.
فكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص وسائر الأدواء وسقمهم.
وكان جليس للملك فعمي فسمع به فأتاه بهدايا كثيرة فقال اشفني ولك ما ههنا أجمع فقال ما أشفي أنا أحدا إنما يشفي الله فإن أردت دعوت الله فشفاك فآمن فدعا له فشفاه ثم أتى الملك فجلس معه نحو ما كان يجلس فقال له الملك يا فلان من رد عليك بصرك قال: ربي. قال: أنا قال: لا ولكن ربي وربك الله.
قال: أو لك رب غيري. قال نعم فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام فبعث إليه فقال أي بني قد بلغ من سحرك أنك تبرئ الأكمه والأبرص وهذه الأدواء فقال: ما أشفي أنا أحدا إنما يشفى الله.
قال: أنا. قال لا. قال: أو إن لك رب غيري.
قال: نعم ربي وربك الله فأخذه أيضا بالعذاب فلم يزل به حتى دل على الراهب فأتى الراهب. فقال: ارجع عن دينك فأبى. فوضع المنشار في مفرق رأسه حتى وقع شقاه إلى الأرض. فقال للغلام ارجع عن دينك فأبى فبعث به مع نفر إلى جبل كذا وكذا. وقال: إذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلا
[ ٢ / ٢٤١ ]
فاطرحوه من فوقه فذهبوا به فلما علوا به الجبل. قال:
اللهم اكفنيهم بما شئت فرجف بهم الجبل فتدهدهوا أجمعون وجاء الغلام يمشي حتى دخل على الملك. فقال: ما فعل أصحابك. فقال: كفانيهم الله.
قال: فبعث به مع نفر في قرقور وقال: إذا لججتم به البحر فإن رجع عن دينه وإلا فغرّقوه فلججوا به البحر. فقال الغلام: اللهم اكفنيهم بما شئت فغرقوا أجمعون وجاء الغلام يمشي حتى دخل على الملك فقال: ما فعل أصحابك.
فقال كفانيهم الله.
ثم قال للملك إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما أمرك، فإن فعلت ما أمرك به قتلتني وإلا فإنك لن تستطيع قتلي.
قال: وما هو.
قال: تجمع الناس في صعيد ثم تصلبني على جذع وتأخذ سهما من كنانتي ثم قل بسم الله رب الغلام فإنك إذا فعلت ما آمرك به قتلتني وإلا فإنك لن تستطيع قتلي ففعل ووضع السهم في كبد قوسه ثم رمى فقال:
بسم الله رب الغلام فوقع السهم في صدغه فوضع الغلام يده على موضع السهم ومات.
فقال الناس: آمنا برب الغلام.
فقيل: للملك أرأيت ما كنت تحذر قد والله نزل بك قد آمن الناس كلهم فأمر بأفواه السكك فخدت فيها الأخدود وأضرمت فيها النيران وقال: من رجع عن دينه فدعوه وإلا فاقحموه فيها فكانوا يتقاعدون فيها ويتدافعون.
فجاءت امرأة بابن لها ترضعه فكأنها تقاعست أن تقع في النار.
فقال الصبي: يا أمّه اصبري فإنك على الحق.
رواه مسلم في الصحيح عن هدبة بن خالد عن حماد وقال في الموضعين وجاء الغلام يمشي حتى دخل على الملك وقال قد انكفأت بهم السفينة فغرقوا.
[ ٢ / ٢٤٢ ]
ورواه معمر عن ثابت بإسناده وقال في آخره فجعلهم في الأخدود.
قال الله ﷿:
﴿قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ. النّارِ ذاتِ الْوَقُودِ﴾. حتى بلغ العزيز الحميد قال:
وأما الغلام فإنه دفن فذكر أنه خرج في زمان عمر بن الخطاب واصبعه على صدغه كما وضعها حين قتل.
١٦٣٥ - أخبرناه أبو عبد الله الحافظ ثنا الصغاني (^١) ثنا إسحاق بن إبراهيم ثنا عبد الرزاق أنا معمر فذكره بمعناه يزيد وينقص قال: عبد الرزاق والأخدود بنجران.
١٦٣٦ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا محمد بن صالح بن هانئ ثنا الحسين بن الفضل البجلي ثنا عفان بن مسلم ثنا حماد بن سلمة أنا عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ لما أسري بي مرت بي رائحة طيبة فقلت: ما هذه الرائحة؟ قالوا: هذه رائحة ماشطة ابنة فرعون وأولادها كانت تمشطها فوقع المشط من يدها فقالت: بسم الله.
فقالت ابنته: أبي؟ فقالت: لا بل ربي وربك ورب أبيك.
فقالت: أخبر بذلك أبي؟ قالت: نعم، وأخبرته.
فدعا بها وبولدها. فقال الك رب غيري؟
قالت: نعم ربي وربك الله.
وأظنه قال: فأمر بنقرة من نحاس فاحميت ثم أمر بها فتلقى فيها فقالت:
لي إليك حاجة. قال: وما هي؟
قالت: أن تجمع عظامي وعظام ولدي فتدفنه جميعا.
فقال: ذلك لك لما لك علينا من الحق فأتى بأولادها فألقى واحدا واحدا
_________________
(١) في الأصل أبو عبد الله الحافظ الصغاني والصحيح أبو عبد الله الحافظ ثنا الصغاني وهو أبو عبد الله الصغاني.
(٢) أخرجه الحاكم (٢/ ٤٩٦) بنفس الإسناد وصححه ووافقه الذهبي.
[ ٢ / ٢٤٣ ]
حتى إذا كان آخر ولدها وكان صبيا مرضعا.
فقال: اصبري يا أماه فإنك على الحق ثم ألقيت مع ولدها.
وقال رسول الله ﷺ وتكلم أربعة وهم صغار هذا وشاهد يوسف وصاحب جريج وعيسى ابن مريم ﵇.
١٦٣٧ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الشيباني ثنا إبراهيم بن عبد الله ثنا يزيد بن هارون (ح).
وأخبرنا أبو بكر الحيري أنا حاجب بن أحمد ثنا محمد بن حماد ثنا يزيد بن هارون أنا سليمان التيمي عن أبي عثمان عن سلمان قال: كانت امرأة فرعون تعذب بالشمس فإذا انصرفوا عنها أظلتها الملائكة باجنحتها وكانت ترى بيتها في الجنة» لفظهما سواء.
١٦٣٨ - أخبرنا أبو عبد الله أنا أبو عبد الله الصغاني ثنا إسحاق بن إبراهيم أنا عبد الرزاق أنا معمر عن ثابت عن أبي رافع قال: وتّد فرعون لامرأته أربعة أوتاد ثم حمل على بطنها رحى عظيمة حتى ماتت.
١٦٣٩ - أخبرنا أبو الحسين محمد بن الفضل القطان أنا أبو سهل بن زياد القطان ثنا سعيد بن عثمان الأحواذي ثنا عبد الله بن معاوية الجمحي.
وأخبرنا أبو نصر عمر بن عبد العزيز بن عمر بن قتادة أنا أبو محمد يحيى بن منصور القاضي ثنا أبو الفضل أحمد بن سلمة ثنا عبد الله بن معاوية الجمحي ثنا عبد العزيز بن محمد القسملي ثنا ضرار بن عمرو عن أبي رافع قال: وجه عمر بن الخطاب ﵁ جيشا إلى الروم وفيهم رجلا يقال له عبد الله بن حذافة من أصحاب النبي ﷺ، فأسره الروم فذهبوا به إلى ملكهم.
فقالوا: إن هذا من أصحاب محمد. فقال له الطاغية هل لك أن تتنصر واشركك في ملكي وسلطاني؟
فقال له عبد الله لو اعطيتني جميع ما تملك وجميع ما ملكته العرب.
_________________
(١) أخرجه الحاكم (٢/ ٤٩٦) بنفس الإسناد وصححه ووافقه الذهبي.
(٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى عبد بن حميد.
(٣) انظر حياة الصحابة (١/ ٣٠٢) ط/دار القلم.
[ ٢ / ٢٤٤ ]
وفي رواية القطان وجميع مملكة العرب على أن ارجع عن دين محمد ﷺ طرفة عين ما فعلت.
قال: إذا أقتلك. قال: أنت وذاك.
قال: فأمر به فصلب وقال: للرماة ارموه قريبا من يديه قريبا من رجليه وهو يعرض عليه وهو يأبى ثم أمر به فأنزل ثم دعا بقدر وصب فيها ماء حتى احترقت ثم دعا بأسيرين من المسلمين فأمر بأحدهما فألقي فيها وهو يعرض عليه النصرانية وهو يأبى ثم أمر به أن يلقى فيها فلما ذهب به بكى. فقيل له: إنه بكى فظن أنه رجع فقال: ردّوه فعرض عليه النصرانية فأبى.
قال: فما أبكاك إذا؟
قال: أبكاني أني قلت في نفسي تلقى الساعة في هذا القدر فتذهب فكنت اشتهى أن يكون بعدد كل شعرة في جسدي نفس تلقى في الله ﷿.
قال له الطاغية: هل لك أن تقبل رأسي وأخلّي عنك؟ قال عبد الله وعن جميع أساري المسلمين قال: وعن جميع أسارى المسلمين.
قال عبد الله: فقلت في نفسي عدو من أعداء الله أقبل رأسه يخلّي عني وعن أسارى المسلمين لا أبالي. فدنا منه وقبل رأسه فدفع إليه الأساري فقدم بهم على عمر فأخبر عمر خبره فقال عمر: حق على كل مسلم أن يقبل رأس عبد الله بن حذافة وأنا أبدأ فقام عمر فقبل رأسه.
قال أحمد بن سلمة سألني عن هذا الحديث محمد بن مسلم ومحمد بن أدريس وقالا لي ما سمعنا بهذا الحديث قط.
١٦٤٠ - أخبرنا أبو طاهر الفقيه أنا أبو الفضل عبدوس بن الحسين بن منصور النيسابوري ثنا أبو حاتم الرازي الأنصاري حدثني حميد الطويل عن أنس بن مالك قال:
كان الرجل يجيء فيسأله يعني النبي ﷺ عن الشيء من أمر الدنيا فما يمسي حتى يكون الإسلام أحب إليه أو أعز عليه من الدنيا.
[ ٢ / ٢٤٥ ]
١٦٤١ - أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي وأبو نصر بن قتادة قالا أنا أبو محمد يحيى بن منصور القاضي ثنا علي بن جعفر بن نصر ثنا عفان ثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أن رجلا سأل النبي ﷺ فأعطاه غنما بين جبلين فأتى قومه فقال أي قوم أسلموا فو الله إن محمدا يعطي عطاء رجل لا يخاف الفاقة وإن الرجل ليجيء إلى النبي ﷺ ما يريد إلا الدنيا فما يمشي حتى يكون دينه أحب إليه أو أعز عليه من الدنيا بما فيها.
أخرجه مسلم من حديث يزيد بن هارون عن حماد.
١٦٤٢ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا يحيى بن أبي طالب أنا عبد الوهاب هو ابن عطاء أنا أبو سعيد هو ابن أبي عروبة وهشام بن سنبر هو الدستوائي عن قتادة عن يونس بن جبير قال: شيعنا جنديا فقلنا أوصنا.
فقال: أوصيكم بالقرآن فإنه نور الليل المظلم وهدي النهار فاعملوا به على ما كان من جهد وفاقة فإن عرض بلاء فاجعل ذلك دون نفسك فإن جاوزك البلاء فاجعل نفسك دون دينك فإن المحرور من حرر دينه وإن المسلوب من سلب دينه لأنه لا فقر بعد الجنة ولا غنى بعد النار إن النار لا يفك أسيرها ولا يستغني فقيرها.
١٦٤٣ - أخبرنا أبو الحسين الفضل القطان أنا عبد الله بن جعفر ثنا يعقوب بن سفيان حدثني عقبة بن مكرم عن سعيد بن عامر عن أبيّ بن كعب قال: أردت أن أخرج إلى الفتنة قال: قلت للحسن أوصني قال: أعز أمر الله أينما كنت يعزك الله.
رواه جعفر بن سليمان عن أبيّ.
١٦٤٤ - أخبرنا أبو علي الروذباري أنا إسماعيل بن محمد الصفار ثنا محمد بن علي الوراق ثنا أبو النعمان ثنا حماد بن زيد عن أيوب عن الحسن قال:
_________________
(١) أخرجه مسلم (٤/ ١٨٠٦) عن أبي بكر بن أبي شيبة عن يزيد بن هارون عن حماد-به.
[ ٢ / ٢٤٦ ]
إن الله ﷿ لو شاء لو كل هذا الأمر إلى العباد أو الناس فقال: من اجتهد لي جزيته ولكن أمر بأمر ونهى عن أمر ثم قال: اجتهدوا فيما أمرتكم.
١٦٤٥ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أنا الحسن بن محمد بن إسحاق قال:
سمعت أبا عثمان الخياط يقول سمعت ذا النون يقول:
ثلاثة من أعمال المراقبة ايثار ما أنزل الله وتعظيم ما عظم الله وتصغير ما صغر الله قال:
وثلاثة من أعلام الاعتزاز بالله التكاثر بالحكمة وليس بالعشيرة والاستعانة بالله وليس بالمخلوقين والتذلل لأهل الدين في الله وليس لأبناء الدنيا.
١٦٤٦ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو نصر محمد بن علي وأبو عبد الرحمن السلمي قالوا ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا عبد الله بن هلال بن الفرات ثنا أحمد بن أبي الحواري ثنا أبو جعفر البجلي ثنا قبيصة عن سفيان قال: لما جاء البشير إلى يعقوب ﵇ قال: على أي دين تركت يوسف قال: على الإسلام قال: الآن تمت النعمة.
١٦٤٧ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أنا أبو جعفر محمد بن أحمد الرازي ثنا على بن الحسين بن شهريار الرازي ثنا سليمان بن منصور بن عمار حدثني محمد بن (عبد الوهاب) (^١) عن سفيان الثوري قال: لما التقى يعقوب ويوسف عانق كل واحد منهما الآخر وبكى فقال يوسف: يا أبه بكيت عليّ حتى ذهب بصرك ألم تعلم أن القيامة تجمعنا قال: بلى يا بني ولكني خشيت أن تسلب دينك فيحال بيني وبينك.
١٦٤٨ - وقال سليم: وبلغني أن أول من قال بيت شعر يعقوب النبي ﵇ لما أخبروه.
فصبر جميل للذي جئتم به وحسبي إلهي من المهمات كافيا
١٦٤٩ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أنا أبو جعفر محمد بن عبد الله
_________________
(١) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٧/ ٦٧) من طريق خلق بن تميم عن سفيان-به.
(٢) في الأصل (عبد) وبعده بياض.
[ ٢ / ٢٤٧ ]
البغدادي ثنا علي بن المبارك الصغاني ثنا محمد بن إسماعيل الصغاني ثنا سفيان قال: قال أبو حازم لجلسائه وحلف لهم لقد رضيت منكم أن يبقى أحدكم على دينه كما يبقى علي نعله.
١٦٥٠ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرني جعفر بن محمد بن كثير قال:
سمعت الجنيد يقول: احتم لدينك أشد ما تحتمي (لعينك) (^١)
١٦٥١ - أخبرنا أبو عبد الرحمن قال: سمعت أحمد بن علي بن الحسن المقري يقول سمعت محمد بن غالب تمتام يقول كتب إبراهيم بن أدهم إلى سفيان الثوري من عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل ومن أطلق بصره طال أسفه ومن أطلق أمله ساء عمله ومن أطلق لسانه قتل نفسه.
١٦٥٢ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرني علي بن محمد المروزي أخبرني أبو علي الحسن بن محمد الزاهد حدثني أحمد بن يونس البغدادي قال: سمعت السري بن المغلس يقول: سمعت كلمة انتفعت بها من خمسين سنة كنت أطوف بالبيت بمكة فإذا رجل جالس تحت الميزاب وحوله جماعة فسمعته يقول لهم:
أيها الناس من علم ما طاب هان عليه ما بذل.
١٦٥٣ - سمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول سمعت يوسف بن عمر الزاهد يقول: سمعت محمد بن حسين الأجري يقول سمعت عبد الله بن محمد العطشي يقول سمعت المعمرة يقول من ذاق حلاوة عمل صبره على تجرع مرارة طرقه ومن طالت عبرته استلذ ذوقه واستوحش ممن يشغله.
١٦٥٤ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا محمد بن إسحاق الصغاني ثنا عفان ثنا سلام بن مسكين ثنا عمران بن عبد الله قال: أرى نفس سعيد بن المسيب كانت أهون عليه في الله من نفس ذباب.
١٦٥٥ - وأخبرنا أبو عبد الله أنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الأصبهاني الزاهد ثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي ثنا سليمان بن حرب ثنا حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد قال: كان سعيد بن المسيب يكثر أن يقول: اللهم سلم سلم.
_________________
(١) غير واضح في الأصل.
[ ٢ / ٢٤٨ ]
١٦٥٦ - أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن الحسن الغضائري () (^١) ثنا جعفر بن محمد بن نصير ثنا أحمد بن محمد بن مسروق ثنا عمر بن شبة ثنا سعيد بن عامر ثنا حزم بن أبي حزم القطعي قال: قال ميمون بن سياه:
لا تمهر الدنيا دينك فإن من أمهر الدنيا دينه زفت إليه الندم.
١٦٥٧ - وأخبرنا أبو عبد الله الغضائري ثنا أحمد بن سلمان النجاد ثنا محمد بن الهيثم قال: سمعت القعنبي يقول قال: مالك بن أنس لرجل يا هذا أما تلاعبت قال تلاعبن بدينك.
_________________
(١) كلمة غير واضحة وهذه الكلمة اسم بلد.
[ ٢ / ٢٤٩ ]
السابع عشر من شعب الإيمان