قال الله ﷿:
﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلّهِ﴾ [البقرة:١٦٥].
قال البيهقي ﵀: فدلّ ذلك على أنّ حبّ الله ﷻ من الإيمان، لأنّ قوله:
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلّهِ﴾.
إشارة إلى أنّ الإيمان يحرّك على حبّ الله ﷻ ويدعو إليه، وقال الله جلّ ثناءه:
﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ [آل عمران:٣١].
فأبان أنّ اتّباع نبيّه ﷺ من موجبات محبّة الله فإذا كان اتّباع النبي ﷺ إيمانا، فقد وجب أن يكون حبّ الله الموجب له إيمانا، وقال الله ﷿:
﴿قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ﴾ [التوبة:٢٤].
قال البيهقي ﵀: فأبان بهذا أنّ حبّ الله وحبّ رسوله والجهاد في سبيله فرض، وأنّه لا ينبغي أن يكون شيء سواه أحبّ إليهم منه، وبمثل ذلك جاءت السنّة.
٤٠٤ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الكبير (٥/ ٤٤) وأحمد (٤/ ١٦) وابن حبان (٩ موارد) وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٢٨٦) وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٤٠٨) رواه الطبراني والبزار بأسانيد ورجال بعضها عند الطبراني والبزار رجال الصحيح.
[ ١ / ٣٦٣ ]
محمد بن الوليد بن مزيد البيروتي، أخبرني أبي، قال: سمعت الأوزاعي:
حدثني يحيى بن أبي كثير، حدثني هلال بن أبي ميمونة، حدثني عطاء بن يسار، حدثني رفاعة بن عرابة الجهني قال: صدرنا مع رسول الله ﷺ من مكة فجعل الناس يستأذنون رسول الله ﷺ فجعل يأذن لهم؛ قال: فقال رسول الله ﷺ:
«ما بال شقّ الشّجرة الّتي تلي رسول الله ﷺ أبغض إليكم من الشّقّ الآخر؟ قال: فلا نرى من القوم إلاّ باكيا قال: فيقول أبو بكر الصديق ﵁: أنّ الذي يستأذنك في نفسي بعد هذا لسفيه، قال: فقام رسول الله ﷺ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أشهد عند الله-وكان إذا حلف قال: والذي نفسي بيده-ما منكم من أحد يؤمن بالله، ثمّ يسدد إلا سلك به في الجنة، وقد وعدني ربّي أن يّدخل من أمّتي الجنّة سبعين ألفا لا حساب عليهم ولا عذاب، وأنّي لأرجو أن لا تدخلوها حتّى تتبوؤا أنتم ومن صلح من أزواجكم وذرياتكم مساكن في الجنة» وذكر الحديث.
٤٠٥ - أخبرنا أبو صالح بن أبي طاهر العنبري، أخبرنا جدّي يحيى بن منصور القاضي، ثنا أحمد بن سلمة، ثنا إسحاق بن إبراهيم، ومحمد بن بشار العبدي، عن عبد الوهاب، ثنا أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك أنّ رسول الله ﷺ قال:
«ثلاث من كنّ فيه وجد بهنّ حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحبّ إليه ممّا سواهما، وأن يحبّ المرء لا يحبّه إلاّ الله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يوقد له نار فيقذف فيها».
لفظ حديث محمد بن بشار رواه البخاري في الصحيح عن محمد بن المثنّى عن عبد الوهاب الثقفي.
ورواه مسلم عن محمد بن بشار وغيره.
_________________
(١) أخرجه البخاري (١/ ١٠) عن محمد بن المثنى-به وأخرجه مسلم (١/ ٦٦) عن محمد بن بشار وإسحاق بن إبراهيم ومحمد بن يحيى بن أبي عمر كلهم عن الثقفي عبد الوهاب-به.
[ ١ / ٣٦٤ ]
قال البيهقي ﵀: فأبان المصطفى ﷺ بهذا أنّ حبّ الله وحبّ رسوله من الإيمان؛ وأبان بما قبله أنّ ترك متابعته تدل على خلاف المحبّة، وفي ذلك دلالة على وجوب المحبة ووجوب ما تقتضيه المحبّة من المتابعة والموافقة.
٤٠٦ - أخبرنا أبو سعد أحمد بن محمد الماليني، قال: سمعت عبد الرحمن بن أحمد يقول سمعت أبا عبد الله بن خفيف يقول دخل البصري على أبي عباس بن سريج فقال له ابن سريج: أين تعرف في نصّ الكتاب أنّ محبة الله فرض؟ فقال: لا أدري ولكن يقول القاضي. فقال له: قوله ﷿:
﴿قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ﴾ -إلى قوله - ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا﴾ [التوبة:٢٤].
والوعيد لا يكون إلاّ على ترك فرض.
٤٠٧ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا الحسن بن محمد بن إسحاق ثنا أبو عثمان سعيد بن عثمان الخيّاط، ثنا أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: والله لا تبلغوا ذروة هذا الأمر حتى لا يكون شيء أحبّ إليكم من الله ﷿، ومن أحبّ القرآن فقد أحبّ الله ﷿.