" الجامع لشعب الإيمان"
وهو سفر جليل في بيان شعب الإيمان التي أشار إليها رسول الله - ﷺ - في حديثه
حين قال: "الإيْمان بِضْعٌ وسبْعُون شُعْبةً، فأرفعُها قول لا إله إلا الله، وأدْناها إماطة الأذى عنِ الطرِيقِ. والحياءُ شُعْبةٌ مِن الإيْمانِ".
وقد ورد ذكر هذا الكتاب في مؤلفات البيهقي. وقد اختصر القدماء اسمه فقالوا "شعب الإيمان" (^١)، وجاء في "منتخب سياق نيسابور" (^٢): "الجامع لشعب الإيمان".
أما المتأخرون فذكروه باسمه الكامل "الجامع المصنف في شعب الإيمان" (^٣).
والبيهقي نفسه أشار إليه باسم "الجامع" (^٤).
ونفهم من قراءة الكتاب أن الإمام البيهقي ألفه بعد تأليف كتبه التالية:
١ - السنن الكبرى.
٢ - المدخل.
٣ - الأسماء والصفات.
٤ - الإيمان.
٥ - القدر.
٦ - الرؤية.
٧ - دلائل النبوة.
٨ - البعث والنشور.
٩ - إثبات عذاب القبر.
١٠ - الدعوات.
١١ - الآداب.
١٢ - فضائل الصحابة.
_________________
(١) راجع "وفيات الأعيان" (١/ ٧٦)، "الأنساب" (٢/ ٤١٢)،" السير" (١/ ١٦٦)، "الوافي" (٦/ ٣٥٤)، "البداية" (١٢/ ٩٤)، وغير ذلك.
(٢) "منتخب سياق نيسابور" (٣٠/ أ).
(٣) راجع "كشف الظنون" (١/ ٥٧٤)، "الأعلام" (١/ ١١٦)، "معجم المؤلفين" (١/ ٢٠٦)، "تاريخ الأدب العربي" (٦/ ٢٣١).
(٤) انظر "الاعتقاد" (ص ١١٤،٩٦،٩١،٣٠)، "والزهد" (٨٥).
[ ١ / ٥٦ ]
كما يشير إلى كتبه "المخرجة في السنن على ترتيب مختصر أبي إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني" وهو يشير بهذا إلى كتابه "المبسوط في نصوص الشافعي" فإنه يقول في مقدمة كتابه "معرفة السنن والآثار".
"وخرّجتُ -بتوفيق الله تعالى- مبسوط كلامه (أي الشافعي) في كتبه بدلائله وحججه على مختصر أبي إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني" (^١).
وقد بنى كتابه "الزهد" على بعض أبواب "شعب الإيمان" فإنه يقول في مقدمة "الزهد": "وقد ذكرت في كتاب "الجامع" في باب الزهد بعض ما حضرني من الأخبار والآثار في الزهد وقصر الأمل. وذكرت في كتاب "دلائل النبوة" وغيره كيف كان عيش النبي - ﷺ -. ووجدت أقاويل السلف والخلف -﵃- في فضيلة الزهد، وكيفية قصر الأمل، والمبادرة بالعمل كثيرة، فذكرت في هذه الأجزاء ما حضرني من ذلك مستعينا بالله فيه وفي جميع أموري، فنعم المولى ونعم النصير" (^٢).
سبب تأليفه: كان الدافع لتأليف هذا الكتاب هو أن الإمام البيهقي اطلع على كتاب في شعب الإيمان للفقيه الشافعي أبي عبد الله الحليمي فأعجب به وأدرك ضرورة توفير مثله نظرا لما كان يشهد عصره من مناقشات ومناظرات حول أصول الدين الأساسية من معنى الإيمان وكيفية زيادة الإيمان ونقصانه وكون القرآن مخلوقا أو غير مخلوق وما إلى ذلك. يقول: " … فإن الله -جل ثناؤه وتقدست أسماؤه- بفضله ولطفه وفقني لتصنيف كتب مشتملة على أخبار مستعملة في أصول الدين و"فروعه"، والحمد لله على ذلك كثيرًا. ثم إني أحببت تصنيف كتاب جامعٍ أصل الإيمان وفروعه، وما جاء من الأخبار في بيانه وحسن القيام به لما ورد في ذلك من الترغيب والترهيب، فوجدت الحاكم أبا عبد الله الحسين بن الحسن الحليمي -رحمنا الله وإياه- أورد في كتاب "المنهاج" المصنف في بيان شعب الإيمان المشار إليها
_________________
(١) "معرفة السنن والآثار" (١/ ١٤٢).
(٢) "الزهد" (ص ٨٥).
[ ١ / ٥٧ ]
في حديث رسول الله - ﷺ - من حقيقة كل واحدة من شعبه، وبيان ما يحتاج إليه مستعمله من فرضه وسننه وأدبه، وما جاء في معناه من الأخبار والآثار ما فيه كفاية، فاقتديت به في تقسيم الأحاديث على الأبواب، وحكيتُ من كلامه ما تبين به المقصود من كل باب" (^١).
الحليمي: أبو عبد الله الحسين بن الحسن الحليمي (^٢)، البخاري، هو شيخ الشافعية، ورئيس المحدثين والمتكلمن بما وراء النهر. ولد في سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة، كان من العلماء المجتهدين الموصوفين بالذكاء والفهم، خبيرا بالمسائل في الفقه الشافعي، له آراء منفردة في المذهب (^٣)، وكان طويل الباع في الأدب والبيان، ساهم بالكتابة في فنون مختلفة، ونبغ واشتهر بتبحره في علم الكلام ومباحث التوحيد.
أخذ الفقه عن الأستاذ أبي بكر محمد بن علي القفال، والإمام أبي بكر الأوْدني وروى الحديث عن خلف بن محمد الخيام، وأبي بكر محمد بن أحمد بن خنب وجماعة.
حدث عنه أبو عبد الله الحاكم -وهو أكبر منه- والحافظ أبو زكريا عبد الرحيم بن أحمد البخاري، وأبو سعد الكنجروذي وجماعة.
المنهاج: ألف الحليمي كتابه "المنهاج" لما رأى من سيطرة الجهل والغفلة على عقول الناس ووقوع الإعراض عن العلوم بالجملة، والتهافت في الحلال والحرام، والتنافس في رتب الدنيا، والتغافل عن درج الأخرى، والانقياد لدواعي الهوى، والميل في عامة الأمور إلى الحفظ والدعة، وفساد النيات والدخل، وفتور العزائم والهمم، حتى أصبحت طاعة الله -تعالى جده- تقام فيما تدعو إليه الضرورات الحاصلة، وتترك فيما
_________________
(١) "شعب الإيمان" (١/ ٩٤).
(٢) انظر ترجمته في "تاريخ جرجان" (ص ١٩٨)، "الأنساب" (٤/ ٢٢٢)، "وفيات الأعيان" (٢/ ١٣٧، ١٣٨)، "السير" (١٧/ ٢٣١، ٢٣٢)، "الوافي" (١٢/ ٣٥١)، "طبقات السبكي" (٣/ ١٤٧ - ١٥٠)، "البداية والنهاية" (١١/ ٣٤٩)، "شذرات" (٣/ ١٦٧، ١٦٨). ولم يذكر أحد ممن ترجم للبيهقي أنه أخذ عن الحليمي ولكن ذكره بعض المعاصرين ضمن شيوخ البيهقي.
(٣) راجع "طبقات السبكي" (٣/ ١٥٠).
[ ١ / ٥٨ ]