[٨٥] أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، حدثنا أبو عبد الله بن يعقوب، حدثنا محمد بن شاذان، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللّه - ﷺ - قال: "كل إنسان تلده أمه على الفطرة وأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه فإن كانا مسلمين فمسلم".
"كل إنسان تلده أمه يلكزه الشيطان في حضنيه (^١) إلا مريم وابنها". رواه مسلم في الصحيح (^٢) عن قتيبة.
وقد حكينا عن الشافعي ﵀ تعالو أنه قال (^٣): "كل مولود يولد على الفطرة".
هي الفطرة التي فطر اللّه تعالى عليها الخلق فجعلهم رسول الله - ﷺ - ما لم يفضحوا بالقول فيختاروا أحد القولين الإيمان أو الكفر لا حكم لهم في أنفسهم إنما الحكم
_________________
(١) إسناده: صحيح. • أبو عبد الله بن يعقوب = محمد بن الاخرم. • محمد بن شاذان، لعله الجوهري، ثقة.
(٢) في (ن) والمطبوعة "خصيته".
(٣) في القدر (٣/ ٢٠٤٨ رقم ٢٥). وروى هو من طرق أخرى عن أبي هريرة الجزء الأول فقط (٣/ ٢٠٤٧ - ٢٠٤٨) وهو عند البخاري في الجنائز (٢/ ٩٧ - ١٠٤) وفي القدر (٧/ ٢١١) وفي التفسير (٥/ ٢٠). وأخرجه المؤلف في "سننه" (٦/ ٢٠٣) بنفس السند بكامله، ومن وجه آخر الجزء الاول (٦/ ٢٠٢). كما أخرج الجزء الاول فقط، وأخرجه الإمام مالك في "الموطأ" (٢٤١) وعنه أبو داود في السنة من "سننه" (٥/ ٨٦) وعنه المؤلف في "الاعتقاد" (ص ٨٨) كما أخرجه الطيالسي في "مسنده" (٣١١ رقم ٢٣٥٩) وأحمد في "مسنده" (٢/ ٢٣٣، ٢٧٥، ٣٩٣) وعبد الرزاق في "مصنفه" (١١/ ١١٩) والبغوي في "شرح السنة" (١/ ١٦١) وأبونعيم في "الحلية" (٩/ ٢٦، ٢٢٨) والخطيب في "تاريخه" (٧/ ٣٥٥). وراجع طرقه وشواهده في "إرواء الغليل" (رقم ١٢٢٠). وأما الجزء الاخير منه فجاء عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: "ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان فيستهل صارخًا من نخسة الشيطان إلا ابن مريم وأمه". أخرجه البخاري في الأنبياء (٤/ ١٣٨) وفي التفسير (٥/ ١٦٦). ومسلم في الفضائل (٢/ ١٨٣٨) كما أخرجه أحمد في "مسنده" (٢/ ٢٣٣، ٢٧٤) وابن أبي شيبة في "مصنفه" (١/ ٣٨٥١) وابن الجعد في "مسنده" (٢/ ١٠٠٤ رقم ٢٩٠٨) والطبري في "تفسيره" (٣/ ٢٤٠) والبغوي في "شرح السنة" (١٤/ ٤٠٦)، والمؤلف في "السنن" (٦/ ٢٥٧).
(٤) ذكره المؤلف في "كتاب الاعتقاد" أيضا (ص ٨٨)، وفي "السنن الكبرى" (٩/ ١٣٠).
[ ١ / ١٨٣ ]
لهم بآبائهم فما كان أباؤهم يوم يولدون فهم بحاله إما مؤمن فعلى إيمانه وإما (^١) كافر فعلى كفره.
فذهب الشافعي رحمه الله تعالى في هذا إلى أن الله تعالى خلق المولود لا حكم له في نفسه وإنما هو تبع لوالديه (^٢) في الدين في حكم الدنيا حتى يعرب (^٣) عن نفسه بعد البلوغ.
وأما في الاخرة فمنهم من ألحقهم بابائهم (^٤) في حكم الآخرة أيضا، ومنهم من ألحق ذراري المسلمين بهم وزعم أن أولاد المشركين خدم أهل الجنة ومنهم من توقف في الجميع ووكل أمرهم إلى الله ﷿. وهذا أشبه الأقاويل بالسنن الصحيحة واللّه تعالى أعلم.
وقد ذكرنا أقاويل السلف في ذلك وما احتج به كل فريق منهم في آخر "كتاب القدر" (^٥)، فمن أحب الوقوف عليه رجع إليه إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) كذا في النسختين. في الأصل "أو".
(٢) وفي النسختن "لأبويه".
(٣) في المطبوعة "يعذب".
(٤) وفي النسختين "بأيمانهم".
(٥) وراجع "الاعتقاد" (ص ٨٨ - ٩٣). قال الحافظ ابن حجر: اختلف العلماء قديما وحديثا في هذه المسألة على أقوال: الأول: أنهم في مشيئة الله تعالى، وهو منقول عن الحمادين، وابن المبارك وإسحاق. ونقله البيهقي في "الاعتقاد" عن الشافعي في حق أولاد الكفار خاصة. وقال ابن عبد البر وهو مقتضى صنيع مالك. وليس عنده في هذه المسألة شيء منصوص. إلا أن أصحابه صرحوا بأن أطفال المسلمين في الجنة، وأطفال الكفار خاصة في المشيئة. والحجة فيه حديث: "الله أعلم بما كانوا عاملين" (أخرجه البخاري ٢/ ١٠٤، ومسلم ٣/ ٢٠٤٩) وغيرهما. الثاني: أنهم تبع لَابائهم، فاولاد المسلمين في الجنة، وأولاد الكفار في النار، وحكاه ابن حزم عن الأزارقة من الخوارج. واحتجوا بقوله تعالي: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ (سورة نوح ٧١/ ٢٦). وتعقبه بان المراد قوم نوح خاصة. وإنما دعا بذلك وأوحى الله إليه. ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ (هود ١١/ ٣٦). وأما حديث "هم من آبائهم أو منهم" (مسلم ٢/ ١٣٦٥، أبو داود ٣/ ١٢٢). فذاك ورد في حكم الحرب وروى أحمد من حديث عائشة، سالت رسول الله - ﷺ - عن ولدان المسلمين: قال: "في الجنة" وعن أولاد المشركين، قال: "في النار". فقلت: يا رسول الله! لم دركوا الأعمال. قال: ربك أعلم بما =
[ ١ / ١٨٤ ]
ومتى ما أسلم الأبوان أو أحدهما صار الولد مسلما بإسلام أبويه (^١) أو أحدهما.
وقد ذكرنا في "كتاب السنن" (^٢) إسلام من صار مسلما بإسلام أبويه أو أحدهما من أولاد الصحابة.
_________________
(١) = كانوا عاملين لو شئت أسمعتك تضاغيهم في النار. وهو حديث ضعيف جدًا لأن في إسناده أبا عقيل مولى بهية وهو متروك. الثالث: أنهم يكرنون في برزخ بين الجنة والنار، لأنهم لم يعملوا حسنات يدخلون بها الجنة، ولا سيئات يدخلون بها النار. الرابع: خدم أهل الجنة. وفيه حديث عن أنس ضعيف أخرجه أبو داود الطيالسي (ص ٢٨٢) وأبو يعلى وكذا البزار- راجع "مجمع الزوائد" (٧/ ٢١٩) والطبراني والبزار من حديث سمرة مرفوعا: "مجمع الزوائد" (٧/ ٢١٩) ٠ "أولاد المشركين خدم أهل الجنة" إسناده ضعيف. الخامس: أنهم يصيرون ترابا. روي عن ثمامة بن أشرس. السادس: هم في النار، حكاه عياض عن أحمد. وغلطه ابن تيمية بأنه قول لبعض أصحابه، ولا يحفظ عن الإمام أصلًا. السابع: أنهم يمتحنون في الآخرة بان ترفع لهم نار، فمن دخلها كانت عليه بردا وسلاما، ومن أبى عذب. أخرجه البزار من حديث أنس وأبي سعيد ("مجمع الزوائد"٧/ ٢١٦). وأخرجه الطبراني من حديث معاذ بن جبل (مجمع الزوائد ٧/ ٢١٦ - ٢١٧). وقد صحت مسالة الامتحان في حق المجنون ومن مات في الفترة من طرق صحيحة، وحكى البيهقي في "كتاب الاعتقاد" أنه المذهب الصحيح. وتعقب بان الأخرة ليست دار تكليف فلا عمل فيها ولا ابتلاء وأجيب بان ذلك بعد أن يقع الاستقرار في الجنة أو النار وأما في عرصات القيامة فلا مانع من ذلك. وقد قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ (القلم ٦٨/ ٤٢). وفي الصحيحين:" أن الناس يؤمرون بالسجود فيصير ظهر المنافق طبقا، فلا يستطيع أن يسجد" (البخاري في التفسير ٦/ ٧٢) وفي التوحيد، في حديث طويل (٨/ ١٨٧ - ١٨٩) ومسلم في الإيمان (١/ ١٦٧ - ١٧١) ورواه أحمد في "مسنده" (٣/ ١٧). الثامن: أنهم في الجنة. قال النووي: وهو المذهب الصحيح المختار الذي صار إليه المحققون. لقوله تعالي: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء ١٧/ ١٥). وإذا كان لا يعذب العاقل لكونه لم تبلغه الدعوة فلأن لا يعذب غير العاقل من باب الأولى. ولحديث سمرة، وعمة خنساء، وعائشة (أخرجها البخاري في الجنائز). التاسع: الوقف. العاشر: الإمساك. وفي الفرق بينهما دقة. (فتح الباري ٣/ ٢٤٦ - ٢٤٧).
(٢) وفي (ن) والمطبوعة "بإسلامهما أو إسلامه".
(٣) في كتاب اللقطة (٦/ ٢٠٤ - ٢٠٥).
[ ١ / ١٨٥ ]
وإذا سبي الصغير من دار الحرب ومعه أبواه أو أحدهما فدينه دين من (^١) معه من أبويه وإن سبي وحده فدينه دين السابي (^٢) لأنه وليه الذي أولى به منه فقام في دينه مقام أبويه كما قام في الولاية والكفالة مقامهما والله تعالى أعلم.