قال: أبوعبد الله الحليمي (^٣) رحمه الله تعالى: "الإيمان مشتق من الأمن الذي هو ضد الخوف". كما قال الله ﷿ (^٤): ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ …﴾ والَاية، ومعناه والغرض الذي يراد له عند إطلاقه، هو التصديق والتحقيق، لأن الخبر هو القول الذي يدخله الصدق والكذب. والأمرُ والنهي كلُّ
_________________
(١) ليس في الأصل.
(٢) إسناده: رواته ثقات. • أبوعلي، الحسين بن محمد بن محمد بن علي بن حاتم الروذباري الطوسي، (م ٤٠٣ هـ) - كلمة الروذبار (بضم الراء وسكون الذال المعجمة) تطلق على المواضع عند الأنهار الكبيرة، منها موضع على باب الطابران بطوس، نسب إليها صاحب الترجمة- حدث سنن أبي داود بنيسابور، أكثر عنه البيهقي، راجع "السير" (١٧/ ٢١٩)، "الأنساب" (٦/ ١٨٧)، و"شذرات" (٣/ ١٦٨). • في الأصل "أبوبكر بن محمد" خطأ، وهو: أبوبكر محمد بن بكر بن محمد بن عبد الرزاق بن داسة البصري التمار (م ٣٤٦ هـ) راوي "سنن أبي داود"، وهو آخر من حدث بالسنن كاملَا عن أبي داود، راجع "السير" (١٥/ ٥٣٨)، "شذرات" (٢/ ٣٧٣). • أبوداود السجستاني، سليمان بن الأشعث صاحب السنن. • موسى بن إسماعيل، أبوسلمة التبوذكي البصري (م ٢٢٣ هـ)، ثقة ثبت من صغار التاسعة، ع. • حماد بن سلمة بن دينار البصري، أبوسلمة (م ١٦٧ هـ)، ثقة عابد، تغير حفظه بآخره، م ٤. والحديث أخرجه أبوداود في "سننه" (٥/ ٥٦)، وأحمد (٢/ ٤١٤)، وفيه "العظم" بدل "الأذى".
(٣) في (ن)، والمطبوعة "تقسيمه".
(٤) راجع المنهاج (١/ ١٩).
(٥) البقرة (٢/ ٢٣٩).
[ ١ / ٨٩ ]
واحد منهما قول يتردد بين أن يطاع قائله وبين أن يعصى فمن سمع خبرا فلم يستشعر في نفسه جوازَ أن يكون كذبا واعتقد أنه حق وصدق فكأنما آمن (^١) نفسه باعتقاد ما أعتقد فيما سمع من أن يكون مكذوبا أو ملبسا عليه، ومن سمع أمرا أو نهيا فاعتقد الطاعة له فكأنما آمن نفسه باعتقاد ما اعتقد فيما سمع من أن يكون مظلوما أو مستسخرا (^٢) أو محمولا على ما لا يلزمه قبوله والانقياد له، فمن ذهب إلى هذا أنزل قول القائل: أمنت بكذا. والمراد آمنت نفسي، منزلة قولهم (^٣) وطنت (^٤) نفسي أو حملت نفسي على كذا أو يكون تركهم ذكر النفس في قولهم: "آمنت" اختصارا لكثرة الاستعمال كما يقال: بسم الله بمعنى بدأت أو: أبدأ بسم الله.
قال (^٥): وفيه وجه آخر: وهو أن يكون معنى آمنت أي آمنت مخبري أو الداعي لي من التكذيب (^٦) والخلاف بما صرحت له به من التصديق والوفاق ثم الإيمان (^٧) الذي يراد به التصديق لا يعدى إلى من يضاف إليه ويلصق به إلا بصلة. وتلك الصلة قد تكون باء وقد تكون لاما وقد ورد الكتاب بكل واحد منهما.
فالإيمان (^٨) بالله ﷿ ثناؤه: إثباته والاعتراف بوجوده والإيمان له: القبول عنه
والطاعة له.
والإيمان بالنبي - ﷺ - إثباته والاعتراف بنبوته.
والإيمان للنبي - ﷺ - اتباعه وموافقته والطاعة له.
ثم إن (^٩) التصديق الذي هو معنى الإيمان بالله وبرسوله منقسم فيكون منه ما يخفى وينكتم وهو الواقع منه بالقلب ويسمى اعتقادا ويكون منه ما ينجلي ويظهر وهو الواقع باللسان ويسمى إقرارا وشهادة، وكذلك الإيمان لله (^١٠)
_________________
(١) في (ن) والمطبوعة "امن في نفسه".
(٢) "مستسخرًا" كذا في الأصل وهو مطابق وفي "المنهاج" واستسخر: استهزأ، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ (الصافات ٣٧/ ١٤)، وفي المطبوعة: "متحسرًا" أي متلهفًا، وفي (ن) (مستحسرا" (بالحاء المهملة) وهو استفعال من حسر: إذا أعليى وكلّ.
(٣) في (ن) والطبوعة "قوله".
(٤) في (ن) "وظننت".
(٥) أي الحليمي في "المنهاج" (١/ ١٩).
(٦) في (ن) والمطبوعة "من الكذب".
(٧) راجع "المنهاج" (١/ ٢٠).
(٨) أيضا (١/ ٢١).
(٩) أيضًا (١/ ٢٥).
(١٠) في المطبوعة "بالله" وهو خطا.
[ ١ / ٩٠ ]
ولرسوله ينقسم إلى جلي وخفي:
والخفي منه هو النيات والعزائم التي لا تجوز العبادات إلا بها واعتقاد الواجب واجبا والمباح مباحا والرخصة رخصة والمحظور محظورا والعبادة عبادة والحد حدا ونحو ذلك.
والجلي منها ما يقام بالجوارح إقامة ظاهرة وهو عدة أمور منها الطهارة ومنها الصلاة ومنها الزكاة ومنها الصيام (^١) ومنها الحج والعمرة ومنها الجهاد في سبيل الله، وأمور سواها ستذكر في مواضعها إن شاء الله تعالى.
وكل ذلك إيمان وإسلام وطاعة لله ﷿ ولرسوله - ﷺ -، إلا أنه إيمان لله بمعنى أنه عبادة له وإيمان للرسول بمعنى أنه قبول عنه دون أن يكون عبادة له إذ العبادة لا تجوز إلا لله ﷿.
قال (^٢): والإيمان بالله ورسوله أصل وهو الذي ينقل من الكفر، والإيمان لله ورسوله فرع وهو الذي يكمل بكماله الإيمان، وينقص بنقصانه الإيمان ومعنى هذا أن أصل الإيمان إذا حصل ثم تبعته (^٣) طاعة زائدة زاد الإيمان المتقدم بها لأنه (^٤) إيمان انضم إليه إيمان كان يقتضيه، ثم إذا تبعت تلك الطاعة طاعة أخرى ازداد الأصل المتقدم، والطاعة التي تليه بها وعلى هذا إلى أن تكمل شعب الإيمان.
قال (^٥): ونقصان الإيمان هو انفراد أصله عن بعض (^٦) فروعه، أو انفراد أصله وبعض فروعه عما بقي منها مما اشتمل عليه الخطاب والتكليف، لأن النقصان خلاف (^٧) الزيادة فإذا قيل لمن آمن وصلى زاد إيمانه وجب أن يقال لمن آمن ووجبت عليه الصلاة فلم يصل: إنه ناقص الإيمان وإنه صار بتركها مع القدرة عليها فاسقا عاصيا، وعلى هذا سائر الأركان.
_________________
(١) سقط من المطبوعة.
(٢) أي الحليمي في المصدر المذكور (١/ ٦٥).
(٣) في الأصل "ثم تبعه طاعة زاد الإيمان".
(٤) في (ن) "كان".
(٥) راجع "المنهاج" (١/ ٦٦).
(٦) في (ن) والمطبوعة "عن فروعه".
(٧) في (ن) والمطبوعة "خلف".
[ ١ / ٩١ ]
فأما ما يتطوع به الإنسان مما ليس بواجب عليه بمعنى تصديق العقد والقول بالفعل موجود فيه فيزداد به الإيمان وتركه بالإضافة إلى من لم يتركه يجوز أن يسمى نقصانا لكن لا يوجب لتاركه عصيانا وهذا معنى قوله.
قال (^١): واذا أوجبنا أن تكون الطاعات كلها إيمانا لم نوجب أن تكون المعاصي الواقعة من المؤمنين كفرا، وذلك أن الكفر بالله أو برسوله مقابل للإيمان به فإذا كان الإيمان بالله أو برسوله الاعتراف به والإثبات له كان الكفر جحوده والنفي له والتكذيب به، وأما الأعمال فإنها إيمان لله وللرسول بعد وجود الإيمان به والمراد به: (إقامة الطاعة على شرط الاعتراف المتقدم فكان الذي يقابله هو) (^٢) الشقاق والعصيان دون الكفر.
وقد ذكرت في "كتاب الإيمان" من الأخبار والَاثار ما يكشف عن صحة هذه الجملة، فانا أشير في هذا الكتاب إلى طرف (^٣) منها بمشيئة الله ﷿.