عاش البيهقي في فترة كانت من أشد الفترات اضطرابًا، وأكثرها فتنًا وقلاقل. كانت بلاد المسلمين كلها تموج بالفتن، وكان الوضع السياسي غير مستقر، فضعف الخلافة المركزية في بغداد أتاح لكل مغامر فرصة للوثوب على الحكم، واقتطاع جزء من الأرض لإقامة دولة جديدة. وهكذا كثرت الدويلات في طول البلاد وعرضها، ولم تكن العلاقات بينها تقوم على مودة وصفاء، وتفاهم وتعاون، بل كان يجري بينها حروب متواصلة مما قضى على الأمن والسلام، وأصبح الناس يعيشون في خوف دائم وقلق مستمر. وصار بلاط الأمراء والوزراء مسرح مؤامرات ومكيدات. ولم يكن يهم الإمام البيهقي ما كان يجري في الدوائر السياسية، ولكن كان عصره يموج بنوع
_________________
(١) "السير" (١٨/ ١٦٤).
[ ١ / ١٢ ]
آخر من الفتن كان كل عالم مخلص يقلق لها. كانت الأمة الإسلامية انقسمت إلى معسكرات متناحرة متقاتلة (^١)، فهناك طائفة الشيعة في حرب مع أهل السنة، وهؤلاء في مناظرة مع المعتزلة، وأهل السنة أنفسهم لم يكونوا متوافقين فيما بينهم، مجتمعين على كلمة واحدة. فكانت العلاقات بينهم عبارة عن مطارحات ومناقشات كانت سرعان ما تتحول إلى قتال دامٍ. وكانت الوحدة التي دعا إليها الإسلام اختفت، والألفة بين الناس تلاشت، وعواطف الأخوة والمحبة انعدمت، ومات الشعور بالتعاون والتضامن، وحل مكانه الشعور بالأنانية، والتفرق والتشتت والكراهية والحقد، والاختلاف والتحازب. وكانت النتيجة أن ضعفت شوكة المسلمين، وانعدم ذلك الرعب الذي نصر الله به هذه الأمة، وذهبت ريح المسلمين طبقًا لما أنذر الله في كتابه حين قال: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (^٢).
وكان العلماء أهملوا واجبهم، فبدلًا من أن يعملوا على تأليف القلوب والإصلاح بين الناس، صاروا في مقدمة الذين يوقدون نيران الفتن، أو ينضمون للقائمن عليها.
وهذا التشتت في صفوف الأمة أدى إلى ضعف بين أدركه أعداء الإسلام الذين كانوا يتربصون بالمسلمين، فاغتنموا ذلك، وأعدوا عدتهم، وبدأوا حملاتهم، وأذاقوا المسلمين أنواعا من العذاب من القتل والأسر والتشريد.
وكان الخلفاء والأمراء والسلاطين يخوضون أحيانًا غمار هذه الفتن. وكان انحيازهم إلى طائفة ما يعني غلبتها وانتصارها من مخالفيهم الذين كانوا يتعرضون لأقصى المحن والبلايا على أيديهم. فمثلا كان هوى الخليفة القادر بالله مع أهل السنة وقام بنصرتهم في أكثر من موقع، ففي سنة ثمان وأربعمائة وقعت فتنة عظيمة في بغداد بين أهل السنة والشيعة قتل فيها عدد كبير من الخليقة، فتدخل الخليفة، وطرد زعماء الباطنية والجهمية والمشبهة، واستتاب فقهاء المعتزلة فأظهروا الرجوع، وتبرءوا من
_________________
(١) انظر "الكامل" لابن الأثير و"البداية والنهاية" لابن كثير و"شذرات الذهب" حوادث سنة ٤٠٨ هـ، ٤٢٠ هـ، ٤٥٨ هـ.
(٢) الأنفال (٨/ ٤٦).
[ ١ / ١٣ ]
الاعتزال والرفض والمقالات المخالفة للإسلام -وتبع السلطان محمود بن سبكتكين- وهو الحاكم على خراسان، خطوة الخليفة، فسعى في قتل المعتزلة والرافضة والإسماعيلية والقرامطة والجهمية والمشبهة، وصلبهم وحبسهم، ونفاهم وأمر بلعنهم على المنابر، وأبعد جميع طوائف أهل البدع، ونفاهم عن ديارهم.
ولم يكتف الخليفة على ما فعل من استتابة المعتزلة وطرد زعماء أهل البدع، فجمع كتابا في مظاهرة أهل السنة، فيه الرد على أهل البدع وتفسيق من قال بخلق القرآن، وأمر بجمع العلماء والأعيان من كل الفرق، وقرئ عليهم الكتاب، وأخذت عهودهم ومواثيقهم بالموافقة عليه.
ثم تقدم الخليفة خطوة أخرى فعزل خطباء الشيعة وولى خطباء السنة وعلى تشجيع من الخليفة اضطهد السلطان محمود بناحية من الري بطائفة من الباطنية، وأحل بهم قتلا ذريعا وصلبا شنيعا.
وهكذا تمتع أهل السنة بنوع من حماية الدولة وأفادوا منها وانتفعوا بها في تنكيل معارضيهم، ولكن لم تدم هذه الحماية، ودالت الدولة عليهم فمات الخليفة المنتصر لهم، وزالت دولة بني سبكتكين، واستولى آل سلجوق على الملك في خراسان، ووجدت أهل التشيع والرفض والاعتزال الفرصة فانتصروا من أهل السنة، وكالوا لهم الكيل، وأشعلوا بمساعدة الحكام نيرانا للفتن اصطلى فيها البيهقي نفسه مع غيره من العلماء فعُذّبوا، وطُردوا من ديارهم، وسُجنوا ونُهبت بيوتهم، وأُبعدوا عن الوظائف ولا سيما الخطابة، وأُحل غيرهم محلهم.
حدث ذلك في سنة خمس وأربعين وأربعمائة وكان طغرلبك سلطان الوقت وكان رجلًا سنيا حنفيا. والأحناف كانوا معروفين بلين الجانب مع المعتزلة بخاصة (^١) فانتهز هؤلاء الفرصة وتقربوا إلى وزيره عميد الملك أبي نصر محمد بن نصر الكندري الذي يقول عنه السبكي (^٢) الذي ذكر هذه الفتنة بإسهاب -إنه كان معتزليا، رافضيا،
_________________
(١) انظر "السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي" (ص ٢٤٢).
(٢) "طبقات الشافعية" (٢/ ٢٧٠) وانظر فيه خبر هذه الفتنة.
[ ١ / ١٤ ]
خبيث العقيدة. كان جمع أنواعا من النقائص والنقائض، فكان يقول بخلق الأفعال وغيره من قبائح القدرية، وسبّ الشيخين وسائر الصحابة وغير ذلك من قبائح شر الروافض، وتشبيه الله بخلقه وغير ذلك من قبائح الكرامية والمجسمة.
فاجتمع حوله طوائف من القدرية والباطنية وتظاهروا بالانتساب إلى المذهب الحنفي. وتقربوا إليه، وما زالوا يمكرون ويدبرون حتى أغروه بالتوسل لدى السلطان، إقناعه بسب المبتدعة على المنابر في أيام الجمع، فأصدر أمره بذلك. فاتخذ الكندري ومعارضو الأشعريين ذلك وسيلة إلى سبّ أبي الحسن الأشعري على المنابر وأحلوا بأصحابة من الشافعية أنواعا من النكال بالإهانة والأذى، والضرب والسجن، والمنع من الوعظ والتدريس، والإقصاء عن الوظائف ولا سيما الخطابة وإحلال الأحناف محلهم. ونسبوا إلى الأشعري أقوالًا لم يقلها، فقالوا إنه يقول إن نبوة النبي - ﷺ - انتهت بموته، إن الله تعالى لا يجازي المطيعين على إيمانهم وطاعتهم، ولا يعذب الكفار والعصاة على كفرهم ومعاصيهم، إن موسى ﵇ لم يسمع كلام الله ﷿، وإن القرآن لم يكن بين الدفتين، وليس القرآن في المصحف. واتهموا الأشعري أيضًا بأنه يقول بتكفير العوام.
وقد ردّ على هذه الاتهامات الباطلة أبو القاسم القشيري في رسالة وجهها إلى علماء البلاد وسماها "شكاية أهل السنة بحكاية ما نالهم من الفتنة" (^١) وأثارت الرسالة مشاعر العلماء فكتبوا إلى الوزير يطلبون منه إخماد نيران هذه الفتنة التي طار شررها في الآفاق في خراسان والشام والعراق والحجاز ومن الذين كتبوا إليه أبو إسحاق الشيرازي، والقاضي الدامغاني. والبيهقي، ولم يكن لهذه الرسائل أثر في نفس الكندري وعملائه. وسدروا في غيهم، وتمادوا في عدوانهم حتى ضاقت على أهل السنة الأرض بما رحبت، واضطروا إلى الفرار بأنفسهم وأهاليهم فمنهم من خرج إلى العراق، ومنهم من ذهب إلى الحجاز وكان فيمن ذهب إلى الحج الحافظ أبو بكر البيهقي، والأستاذ أبو القاسم القشيري، وإمام الحرمين أبو المعالي الجويني. ويقال
_________________
(١) انظر نص هذه الرسالة في المرجع المذكور (٢/ ٢٧٥ - ٢٨٨).
[ ١ / ١٥ ]
جمعت تلك السنة أربعمائة قاض من قضاة المسلمين من الشافعية والحنفية (^١) هجروا بلادهم بسبب عدوان الوزير الكندري وعملائه.
وقدر الله أن يموت السلطان طغرلبك في عام ٤٥٥ هـ وأن يتولى الملك بعده ابنه ألب أرسلان، ولم يمض شهور حتى نقم السلطان الجديد على الكندري وعزله وولى الوزارة مكانه نظام الملك، وأمره بالقبض على الكندري، وسجنه ومصادرة أمواله ثم قتله. وأبطل الوزير الجديد ما كان بدأ الكندري من سبّ الأشاعرة على المنابر، وانتصر للشافعية وأكرم علمائهم.
في هذا العصر المليء بالمحن والفتن عاش الإمام البيهقي، وجاهد وكافح في سبيل مناصرة السنة. وألف كتبا في علوم الحديث والفقه وأصول الدين والزهد. وهذه النواحي الأربعة هي أبرز ما عنده ولذلك نود أن نخصص كل واحد منها بالكلام على وجه الاختصار.