" في قول الله ﷿" ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا. ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ إلى قوله ﴿وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ (^٢).
اختلف أهل العلم بالتفسير في معنى هذا الورود فذهب عبد الله بن عباس (^٣) في أصح الروايتين عنه إلى أن المراد به الدخول واستشهد (^٤) بقوله ﷿: ﴿أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ. لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا﴾ (^٥).
وبقوله: ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ (^٦).
والمراد به في هذا الموضع الدخول، كذلك قوله: ﴿إِلَا وَارِدُهَا﴾ والمراد به الدخول وذلك حين جادله نافع بن الأزرق، قال لنافع بن الاْزرق (^٧): أما أنا وأنت فسندخلها فانظر هل نخرج أم لا؟
_________________
(١) راجع (٦١٥ - ٦٢٠).
(٢) سورة مريم (١٩/ ٦٨ - ٧٢).
(٣) أخرجه ابن جرير الطبري في " تفسيره" (١٦/ ١٠٨) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٥/ ٥٣٥) ونسبه إلى عبد الرزاق وسعيد بن منصور، وهناد، وعبد بن حميد، وابن المنذر وابن أبي حاتم، والبيهقي في البعث، وليس في النسخة المطبوعة للبعث. وهي ناقصة جدًا. وأخرجه ابن المبارك في "الزهد" (٤٩٩ رقم ١٤١٨) وانظر "الاعتقاد" (ص ١١٣ - ١١٤).
(٤) في النسخ "واستشهدوا".
(٥) سورة الأنبياء (٢١/ ٩٨ - ٩٩).
(٦) سورة هود (١١/ ٩٨).
(٧) في المطبوعة "لنافع ابن عباس". والأثر أخرجه عبد الرزاق وسعيد بن منصور، وهناد، وعبد بن حميد، وابن جرير (١٦/ ١١١) وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في "البعث". قاله السيوطي في "الدر المنثور" (٥/ ٥٣٥).
[ ١ / ٥٦٩ ]
وروي (^١) عن عبد الله بن السائب عمن سمع ابن عباس يقول: هم الكفار ولا يردها مؤمن. وهذا منقطع والرواية الأولى عن ابن عباس أكثر وأشهر، وروينا (^٢) عن عبد الله بن رواحة أنه بكى وبكت امرأته لبكائه وقال: إني أعلم أني وارد النار ولا أدري أناج منها أم لا؟
وروي (^٣) عن السدي عن مرة الهمداني عن عبد الله بن مسعود أنه حدثهم عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: "يرد الناس النار ثم يصدرون بأعمالهم".
وفي رواية أخرى (^٤) عنه عن مرة عن عبد الله قال: يدخلونها أو قال يلجونها ثم يصدرون منها بأعمالهم.
وفي رواية (^٥) أبي الأحوص عن عبد الله ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَأ وَارِدُهَا﴾ قال: الصراط على جهنم مثل حد السيف فتمر الطائفة الأولى كالبرق والثانية كالريح، والثالثة كاجود الخيل، والرابعة كأجواد الإبل والبهائم، يمرون والملائكة يقولون: رب سلم سلم. وقد ذكرنا أسانيد هذه الآثار في "كتاب البعث" (^٦).
وروينا عن سفيان عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال
_________________
(١) أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٦/ ١١٠).
(٢) وأخرجه ابن المبارك في "الزهد" (١٠٤ رقم ٣١٠) ووكيع في "زهده" (رقم ٣٢) وابن أبي شيبة في "مصنفه" (١٣/ ٣٥٧) وأحمد في "الزهد" (ص ٢٠٠) وابن جرير الطبري في "تفسيره" (١٦/ ١١٠) والحاكم في "المستدرك" (٤/ ٥٨٨) من طريق فيو بن أبي حازم عن عبد الله بن رواحة. وراجع "حلية الأولياء" (١/ ١١٨)، و"تفسير أبن كثير" (٣/ ١٣٢).
(٣) أخرجه الترمذي في التفسير (٥/ ٣١٧ رقم ٣١٥٩) والدارمي (ص ٧٢٥) وأحمد (١/ ٤٣٥) والحاكم (٢/ ٣٧٥، ٤/ ٥٨٦) وصححه ووافقه الذهبي. وراجع "الصحيحة، للألباني (رقم ٣١١).
(٤) أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٦/ ١١١) والحاكم (٤/ ٥٨٧).
(٥) وأخرجه الطبري في "تفسيره" (١٦/ ١١٠) والحاكم (٢/ ٣٧٥). وانظر "تفسير ابن كثير" (٣/ ١٣٢).
(٦) هذا الباب غير موجود في الطبعة الموجودة لدينا
[ ١ / ٥٧٠ ]
قال رسول الله - ﷺ -: "لا يَمُوْتُ لِسلم ثَلاثَة مِنَ الْوَلد فَيَلِجَ النَّارَ إلَّا تَحِلةَ الْقَسم" ثم قرأ سفيان ﴿وَإنْ مِنْكُمْ إلَأ وَارِدُهَا﴾.
[٣٦٣] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أحمد بن جعفر، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثنا سفيان بهذا الحديث.
قال البيهقي ﵀: وهو مخرج في الصحيح وفي رواية مالك عن الزهري في هذا الحديث: "فتمسه النار إلآ تحلة القسم"، وهذا يؤكد قول منَ قال: المراد بالورود الدخول.
_________________
(١) إسناده: صحح. وأخرجه البخاري في الجنائز (٢/ ٧٢) عن علي ومسلم في البر (٣/ ٢٠٢٨) عن أبي بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد وزهير بن حرب كلهم عن سفيان عن الزهري به. ولم يسق مسلم لفظه. كما أخرجه البخاري في الإيمان (٧/ ٢٢٤) ومسلم من طريق مالك عن الزهري به. وهو عند مالك في "الموطأ" (١/ ٢٣٥) وأخرجه البخارى في الأدب المفردّ أيضًا (٤٧ رقم ١٤٣). ومن طريق سفيان أخرجه الحميدي في "مسنده" (٢/ ٤٤٤) وابن ماجه في الجنائز من "سننه" (١/ ٥١٢ رقم ١٦٠٣) وأحمد في "مسنده" (٢/ ٢٣٩) والبغوي في "شرح السنة" (١/ ٤٥٥) وابن أبي عاصم في "السنة" (١٥/ ٤٢ رقم ٨٦٢). ومن طريق مالك أخرجه الترمذي في الجنائز (٣/ ٢٧٤ رقم ١٠٦٠) والنسائي في الجنائز أيضًا (٤/ ٢٥) وأحمد (٢/ ٤٧٣) والبغوي في "شرح السنة" (٥/ ٤٥٠). وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢/ ٢٧٦) والطبري في "تفسيره" (٤/ ١١١٦) من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري به. وانظر "تفسير ابن كثير" (٣/ ١٣٣). وأخرجه المؤلف في "السنن" عن أبي عبد الله الحافظ قال حدثنا علي بن عيسى، حدثنا جعفر بن محمد وموسى بن محمد الذهلي وإبراهيم بن علي قالوا حدثنا يحيى بن يحيى فذكره عن مالك عن الزهري (٤/ ٦٧). ورواه عن أبي الحسين بن الفضل القطان حدثنا أبو سهل بن زياد القطان حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي حدثنا عمرو بن مرزوق وأبومصعب الزهري عن مالك فذكره (٧/ ٧٨). ورواه عن أبي عبد الله قال حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا الحسن بن علي بن عفان العامري حدثنا خالد بن مخلد حدثنا مالك عن الزهري (١٠/ ٦٤).
[ ١ / ٥٧١ ]
[٣٦٤] أخبرنا أبو علي بن أحمد بن إبراهيم بن شاذان البغدادي بها، أخبرنا عبد الله بن.
جعفر النحوي، قال يعقوب بن سفيان، حدثنا سليمان بن حرب أبو أيوب الواشحي، حدثنا أبو صالح غالب بن سليمان، عن كثير بن زياد البرساني، عن أبي سمية قال:
اختلفنا في الورود بالبصرة فقال قوم: لا يدخلها مؤمن، وقال أخرون: يدخلونها جميعًا
ثم ينجي الله الذين اتقوا ويذر الظالمن فيها جثئا. فلقيت جابر بن عبد الله فسألته فقال:
يدخلونها جميعًا فقلت إنا اختلفنا فذكر اختلافهم، قال: فاهوى جابر بأصبعه إلى أذنه فقال: صمت إن لم أكن سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "الورود: الدخول لا يَبْقى بَرٌّ وَلا فَاجِرٌ إِلّا دَخَلها، فتكُوْن عَلى الْمؤمِنينَ بَردًا وسلامًا، كلما كانت على إبراهيم ﵇، حتى إن للنّار أو قال لجهَنَّم ضجيجَا من بردهم، ثم ينجِي الله الذِينَ اتَّقَوْا وَيَذَرُ الظَالمِينَ فِيهَا جِثِيَّا".
قال البيهقي ﵀: هذا إسناد حسن ذكره البخاري في التاريخ (^١) وشاهده في
_________________
(١) إسناده: حسن. • أبو علي بن أحمد هو الحسن بن أحمد بن إبراهيم. صدوق. مر. وفي (ن) والمطبوعة "أبو الحسن علي بن أحمد". • سليمان بن حرب أبو أيوب الواشحي (بالشين المعجمة وحاء مهملة) نسبة إلى واشح، بطن من الأزد- ثقة. (ع). • غالب بن سليمان العتكي، أبو صالح. ثقة. من السادسة (مد، فق). • كثير بن زياد، أبو سهل البرساني (بضم الموحدة وسكون الراء بعدها مهملة) نسبة إلى برسان، قبيلة من الأزد. ثقة، من السادسة (د، ت، ق). وفي (ن) "كثير بن دزد". • أبو سمية (مصغرًا). مقبول. من الرابعة (ق). والحديث أخرجه أحمد في "مسنده" (٣/ ٣٢٨ - ٣٢٩) والحاكم (٤/ ٥٨٧) (وفي النسخة المطبوعة تخليط في السند). وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٥/ ٥٣٥) ونسبه إلى عبد بن حميد، والحكيم الترمذي، وابن المنذر وابن أبي حاتم، وابن مردويه والبيهقي في "البعث". وليس في النسخة المطبوعة من "البعث".
(٢) لعله في ترجمة أبي سمية وهي ساقطة من النسخة المطبوعة المتوفرة لدينا، وأشار إليه ابن أبي حاتم في "الجرح التعديل" (٩/ ٣٨٨).
[ ١ / ٥٧٢ ]
الحديث الثابت عن أبي الزبير عن جابر عن أم مبشر (^١) عن النبي - ﷺ - مثله إلا أنه قال: "خامدة".
قال أبو عبيد (^٢): وإنما أراد تأويل قوله: ﴿وإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدها﴾.
فيقول وردوها ولم يصبهم من حرها شيء إلا ليبر الله قسمه.
[٣٦٥] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس بن يعقوب، حدثنا محمد بن إسحاق الصغاني، حدثنا حجاج بن محمد، قال قال ابن جريج، أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: أخبرتني أم مبشر أنها سمعت النبي - ﷺ - يقول عند حفصة: ولا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة الذين بايعوا تحتها". قالت: بلى يا رسول الله، فانتهرها فقالت حفصة: ﴿وإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدها﴾ (^٣) فقال النبي - ﷺ -: "فقد قال الله ﷿: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ (^٤) ".
رواه مسلم في الصحيح (^٥) عن هارون بن عبد الله عن حجاج بن محمد.
قال البيهقي ﵀: وهذا يحتمل أن يكون النبي - ﷺ - إنما نفى عن أصحاب
_________________
(١) في المطبوعة "أم مليكة".
(٢) راجع "غريب الحديث" (٤/ ٣٤٧).
(٣) إسناده: صحيح.
(٤) سورة مريم (١٩/ ٧١).
(٥) أيضًا (١٩/ ٧٢).
(٦) في فضائل الصحابة (٢/ ١٩٤٢). وأخرجه أحمد في "مسنده" (٦/ ٣٦٢، ٤٢٠) والحسين المروزي في "زوائد الزهد" لابن المبارك (ص ٤٩٨ رقم ١٤١٧) والطبراني في "الكبير" (٢٥/ ١٠٢، ١٥٣) وابن جرير في "تفسيره" (١٦/ ١١٢). وأخرجه المؤلف في "الاعتقاد" (١٨٢) وفي "الأسماء والصفات" (٢١٤) بنفس السند. وأخرجه أحمد (٦/ ٢٨٥) والطبري (١٦/ ١١٢) عن جابر عن أم مبشر عن حفصة نحوه. وراجع "تفسير ابن كثير" (٦/ ١٣٢). وجاء في حديث عن الليث عن أبي الزبير عن جابر رفعه "لا يدخل النار من بايع تحت الشجرة". ورواه أبو داود (٥/ ٤١ رقم ٤٦٥٣) والترمذي (٥/ ٦٩٧ رقم ٣٨٦٠) وأحمد (٣/ ٣٥٠) والخطيب في "الجامع" (٢/ ٢٩٢).
[ ١ / ٥٧٣ ]
الشجرة دخول النار دخول البقاء فيها، أو دخولًا يمسهم (^١) منها أذى لا أصل الدخول ألا تراه احتج بقوله: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾.
وقد يكون المحفوظ في الحديث الأول رواية سفيان بن عيينة فيكون ذلك ولوجًا من غير مس نار وإصابة أذى. كما روينا (^٢) عن خالد بن معدان وهو من أكابر التابعين أنه قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة قالوا: يا رب ألم تعدنا أن نرد (^٣) النار؟ قال: بلى مررتم بها وهي خامد.
وروينا عن مقاتل بن سليمان أنه قال: يجعل الله النار على المؤمنين يومئذ بردًا وسلامًا كما جعلها على إبراهيم ﵇.
[٣٦٦] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو بكر أحمد بن علي بن محمد القاضي، حدثنا أحمد بن سلمة بن عبد الله البزار، حدثنا عمران بن موسى القزاز، حدثنا عبد الوارث، حدثنا الجريري، عن أبي السليل، عن عقبة بن عامر، قال (قال) (^٤): تمسك النار يوم القيامة حتى تبيض، كأنها متن إهالة فإذا استوت عليها أقدام الخلائق برهم وفاجرهم، نادى مناد: أن خذي أصحابك، ودعي أصحابي، قال: فلهي أعرف بهم من الرجل
_________________
(١) في (ن) " أو دخولًا لا يمسهم".
(٢) وأخرجه الطبري في "تفسيره" (١٦/ ١٠٩) وأبوعبيد في "غريب الحديث" (٤/ ٣٤٦ - ٣٤٧) وسيأتي بسنده.
(٣) وفي النسخ "أن تردنا النار".
(٤) إساده: فيه من لم أعرفه. • أبو بكر أحمد بن علي بن محمد القاضي لم أجده. • عمران بن موسى القزاز، أبو عمرو البصري. صدوق. من العاشرة. • عبد الوارث هو ابن سعيد بن ذكوان (ع). • الجريري (بضم الجيم) هو سعيد بن إياس، أبو مسعود البصري (م ١٤٤ هـ). ثقة. من الخامسة. اختلط قبل موته بثلاث سنين (ع). • أبو السليل (بفتح المهملة وكسر اللام) ضريب (مصغرًا) ابن نقير (بنون وقاف مصغرًا) القيسي الجريري. ثقة. من السادسة (م- ٤).
(٥) كذا في (ن) والمطبوعة. وانظر أخر الأثر.
[ ١ / ٥٧٤ ]
بولده، قال: فيخسف بهم ويخرج المؤمنون منها ندية ثيابهم. كذا في الكتاب "قال قال" ولم يذكر قائله وهو معروف بكعب الأحبار.
[٣٦٧] أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، أنبأنا أبو الحسن الكارزي، أخبرنا علي بن عبد العزيز، عن أبي عبيد، حدثنا يزيد، عن الجريري، عن أبي السليل، عن غنيم بن قيس، عن أبي العوام، عن كعب قال: "يُجَاءُ بِجَهَنَمَ يَومَ القِيَامة كأنّها متنُ إهالة حتى إذا استوت عليها أقدامُ الخلائق، نادى مُنادٍ: خُذِي أصحابك ودعي أصحابي، قال: فيُخْسَفُ بأُولئكَ".
قال أبو عبيد (^١): "الإهالة": ما أذيب من الإلية والشحم و"متن الإهالة": ظهرها إذا سكن الذائب منها في الإناء. فإنما شبه كعب سكون جهنم قبل أن يصير الكافر في جوفها بذلك.
ومما يبينه حديث خالد بن معدان قال أبو عبيد: حدثنا مروان بن معاوية، حدثنا بكار بن أبي مروان، عن خالد بن معدان قال: وأدخل أهل الجنة الجنة قالوا: يارب ألم تكن وعدتنا الورود؟ قال: نعم ولكنكم مررتم بجهنم وهي جامدة.
قال أبو عبيد: وحدثنا الأشجعي (^٢) عن سفيان، عن ثور، عن خالد بن معدان مثله إلا أنه قال: خامدة.
_________________
(١) إسناده، نيه من لم أعرف حاله. • أبو عبيد هو القاسم بن سلام صاحب "غريب الحديث". • يزيد هو ابن هارون (ع). • غنيم بن قيس المازني، أبوالعنبري، البصرفي (م ٩٠ هـ). مخضرم. ثقة. من الثالثة (م- ٤). • أبو العوام سادن بيت المقدس، لا يعرف اسمه. وذكره ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٩/ ٤١٥) ولم يبين حاله. والأثر ذكره أبو عبيد في "غريب الحديث" (٤/ ٣٤٦).
(٢) راجع "غريب الحديث" (٤/ ٣٤٦). وأثر خالد بن معدان فيه بكار بن أبي مروان ولم أجد له ترجمة.
(٣) الأشجعي= عبيد الله بن عبيد الرحمن، أبو عبد الرحمن الكوفي، ثقة، مر. وسفيان هو الثوري. وثور هو ابن يزيد الكلاعي. ثقة ثبت إلا أنه يرى القدر. من السابعة (خ- ٤). =
[ ١ / ٥٧٥ ]
قال أبو عبيد: وإنما أراد تأويل قوله تعالى: ﴿وإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدها﴾.
فيقول: وردوها ولم يصبهم من حرها شيء إلا ليبر الله قسمه.
قال البيهقي ﵀: وقد يكون هذا الورود من وراء الصراط، كما قال أبو الأحوص، عن عبد الله بن مسعود، وسماه باسم النار لأنه جسر جهنم، ومنه يلقى فيها من يلقى، ومنه تخطف الكلاليب من تخطف وعليه الحسك وألوان العذاب ما عليه، إلا أن اللّه تعالى ينجي الذين اتقوا يعني بالجواز عنه ويذر الظالمين فيها جثيًّا أي في جهنم جثيًّا على الركب بعدما يلقى فيها من الصراط. والله أعلم. وقد روينا في الحديث الثابت (^١) عن أبي سعيد الخدري عن النبي - ﷺ - في حديث الرؤية قال: فينصب الجسر على جهنم، ويقولون: اللهم سلم سلم، قيل: يا رسول اللّه وما الجسر؟ قال: "دحض مزلة عليه خطاطيف وكلاليب وحسك- يكون بنجد فيه شوك يقال له السعدان- فيمرّ المؤمن كطرف العين، والرق، وكالريح، وكأجاويد الخيل، فناج مسلم ومخدوش مرسل (^٢) ومكدوس (^٣) ونار جهنَّم حتى إذا
خلص المؤمنون من النار".
وفي رواية (^٤) عبد الله بن مسعود: فيمرون على قدر أعمالهم حتى يمر الذي نوره
_________________
(١) = وأخرجه أبو نعيم في "الحلية" (٥/ ٢١٢) من طريق عيسى بن يونس عن ثور بن يزيد به. وأخرجه الطبري في "تفسيره" (١٦/ ١٠٩). وفي النسخ عندنا "وحدثنا الأشجعي عن بدر، عن خالد" والتصحيح من "غريب الحديث".
(٢) هو حديث أبي سعيد الطويل في الرؤية. أخرجه البخاري في "التوحيد" (٨/ ١٨١ - ١٨٤)، ومسلم في الإيمان (١/ ١٦٧ - ١٧١).
(٣) في (ن) "من سلم".
(٤) في النسخ عندنا "مكدوش في النار جهنم".
(٥) أخرجه الحاكم (٢/ ٣٧٦ - ٣٧٧) موقوفًا و(٤/ ٥٨٩ - ٥٩٢) مرفوعًا، والطبراني في"المعجم الكبير" (٩/ ٤١٦ - ٤٢١ رقم ٩٧٦٣) وقال الهيثمي في "المجمع" (١٠/ ٣٤٣) إسناد أحد طرق الطبراني رجاله رجال الصحيح غير أبي خالد الدالاني وهو ثقة. وصححه الحاكم وقال الذهبي: ما أنكره حديثًا مع جودة إسناده وأبوخالد شيعي منحرف، وأخرج ابن جرير (٢٧/ ٢٢٣) والحاكم (٢/ ٤٧٨) بنحوه.
[ ١ / ٥٧٦ ]
على إبهام قدمه تجر يد وتعلق يد وتجر رجل وتصيب جوانبه النار فيخلصون فإذا خلصوا قالوا الحمد لله الذى نجانا منك بعد الذي أراناك.
وقد ذكرنا إسنادهما مع ما يشهد لهما في الخامس (^١) من كتاب "البعث". والله أعلم.
وذلك يبين ما قلناه في الورود أنه يحتمل أن يكون المراد به المرور على الصراط.
والله أعلم.
[٣٦٨] أخبرنا محمد بن موسى بن الفضل، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا أحمد بن عبد الحميد الحارثي، حدثنا عبد الرحمن بن أبي حماد، عن يحيى بن يمان، عن عثمان بن الأسود، عن مجاهد في قول الله ﷿: ﴿وإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدها﴾.
قال: من حم من المسلمين فقد وردها.
[٣٦٩] أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق، حدثنا أبو محمد أحمد بن عبد الله المزني، حدثنا
_________________
(١) هذا الجزء ناقص في النسخة المطبوعة.
(٢) إسناده: حسن. • أحمد بن عبد الحميد بن خالد، أبو جعفر، الحارثي، الكوفي (م ٢٦٩ هـ). وصفه الذهبي بالمحدث الصدوق. راجع "السير" (١٢/ ٥٠٨). وفي الأصل والمطبوعة "محمد بن عبد الحميد". وعبد الرحمن بن حماد الشعيثي. صدوق، ربما أخطأ وفي النسخ عندنا "عبد الرحمن بن أبي حماد". وأخرج الطبري في "تِفسيره" (١٦/ ١١١) عن مجاهد قال: الحمى حظ كل مؤمن من النار ثم تلا ﴿وإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدها﴾.
(٣) إسناده: ضعيف. • أبو الحسن أحمد بن الحسين إسحاق، البغدادي، الصوفي الصغير (م ٣٠٢ هـ). له رحلة ومعرفة. وثقه الحاكم وغيره. وبعضهم لينه. راجع "تاريخ بغداد" (٤/ ٩٨ - ٩٩)، "السير" (١٤/ ١٥٣)، "الميزان" (١/ ٩٢، ٩٣)، "لسان الميزان" (١/ ١٥٥ - ١٥٦)، "شذرات" (٢/ ٢٤١). • سليم بن منصور بن عمار، أبو الحسن. ذكره ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٤/ ٢١٦) وفي كلامه ما يدل على توثيقه. • وأبوه منصور بن عمار الواعظ، أبو السري، خراساني، وقيل: بصري، زاهد شهير، وكان إليه المنتهى في بلاغة الوعظ، وترقيق القلوب، وتحريك الهمم. قال أبو حاتم: ليس =
[ ١ / ٥٧٧ ]
أبو الحسن أحمد بن الحسين الصوفي، سمعت سليم بن منصور بن عمار، يقول حدثني أبي، عن الهقل بن زياد، عن خالد الدريك، عن بشير بن طلحة، عن يعلى بن منية قال قال النبي - ﷺ -:"إن النار تقول يوم القِيَامة، يَا مُؤمنُ! جُزْ فقد أطفأ نُوْرُك لَهبى".
تفرد به سليم (^١) بن منصور وهو منكر.
_________________
(١) = بالقوي، وقال ابن عدي: منكر الحديث. وقال العقيلي: فيه تجهم. وقال الدارقطني: يروي عن ضعفاء أحاديث لا يتابع عليها. وذكر ابن عدي هذا الحديث من منكراته. راجع "الكامل" (٦/ ٢٣٨٩ - ٢٣٩١)، و"الضعفاء والمتروكين" للعقيلي (٤/ ١٩٣ - ١٩٤). • هقل (بكسر الهاء وسكون القاف) ابن زياد، السكسكي. كان كاتب الأوزاعي. ثقة. من التاسعة. (م- ٤). • خالد بن دريك (بالمهملة والراء مصغرًا). ثقة، يرسل. من الثالثة (ع). • بشير بن طلحة. قال الذهبي في "الميزان" (١/ ٣٢٩): من التابعين. روى عنه خالد بن دريك. قال الموصلي: ليس بالقوي. واستدرك عليه الحافظ ابن حجر في "السان الميزان" (٢/ ٣٩) فقال: وهذا من أغلاظ أبي الفتح فإن ابن أبي حاتم ذكره فقال: الخشني، شامي روى عن خالد بن دريك. وروى عنه بقية ومنصور بن عمار وأبومرية والهيثم بن خارجة. قال: وروى هو عن عطاء الخراساني والعباس بن عبد الله بن يزيد، ويزيد بن يزيد بن جابر. سألت أبي عنه فقال: ليس به بأس. حدث عنه حمزة. (الجرح والتعديل ٢/ ٣٧٥). وذكره ابن يسار في الطبقة الثالثة من الثقات. فقال: يروي عن خالد بن دريك عن يعلى بن منية روى عنه بقية بن الوليد. وأعاده في الطبقة الرابعة فقال: الخشني من أهل الشام، روى عن خالد بن دريك روى عنه الهيثم بن خارجة. فقد تبين أن خالد بن دريك شيخه لا الراوي عنه، وأنه ليس من التابعين وأنه ليس بضعيف. (قلت) فيكون السند هنا مقلوبًا، كما سيظهر في التخريج. • يعلى بن منية (بضم الميم وسكون النون) وهي أمه وقيل أم أبيه. أما أبوه فهو أمية بن أبي عبيدة بن همام بن الحارث التميمي، الحنظلي. ذكره ابن حجر في "الإصابة" (٣/ ٦٣٠). والحديث أخرجه الطبراني في "الكبير" (٢٢/ ٢٥٨) وابن عدي في "كامله" (٦/ ٢٣٩٠) وعنه الذهبي في "الميزان" (٤/ ١٨٧)، وأبو نعيم في "الحلية" (٩/ ٣٢٩) من طريق بشير بن طلحة عن خالد بن دريك عن يعلى بن منية. وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ٣٦٠) فيه سليم بن منصور بن عمار وهو ضعيف.
(٢) في (ن) والمطبوعة "سليمان بن منصور".
[ ١ / ٥٧٨ ]