قال الحليمي (^٤) رحمه الله تعالى: وقد يجد الناس في أنفسهم الخوف من أشياء كثيرة، مثل خوف الوالد من موت ولده، أو ذهاب ماله، أو الغرق، أو الحرق، أو الهدم، أو ذهاب السمع والبصر، أو الوقوع بيد السلطان الجائر، أو الابتلاء بسبع، أو عدو من كان، وما يشبه ما ذكرنا من أصناف المكاره إلا أن هذا ينقسم إلى محمود ومذموم.
فالمحمود أن يكون الخوف من هذه الأمور لما يمكن أن يكون تحتها من سخط الله -﷿ ثناؤه- فإنها قد تكون عقوبات ومؤاخذات. فمن خافها، فامتنع لأجلها من المعاصي ولم يأمن أن تغير عليه، كانت منزلته منزلة من امتنع من المعاصي خيفة
_________________
(١) سورة النور (٢٤/ ٣٠).
(٢) سورة المطففين (٨٣/ ١).
(٣) سورة الحجرات (٤٩/ ١٢).
(٤) الحارث بن محمد هو ابن أبي أسامة. صاحب "المسند". • العباس بن أبان لم أعرفه.
(٥) راجع "المنهاج" (١/ ٥١١/ ٥١٢).
[ ٢ / ٣١٠ ]
النار وكذلك إن خشي أن يكون أخذ الله منه ما أعطاه ابتلاء له واختبارًا، حتى إن صبر واحتسب أثابه، وإن جزع واضطرب ولم يسلم لقضائه زاده سلبًا فخاف أن ذلك إن كان لم يملك نفسه، وكان منه بعض ما لا يحبه الله تعالى جده، ومن هذا الوجه كان إشفاقه وكراهيته لهذه الأمور فهذا أيضًا محمود. وهذا خوف ينشأ عن التعظيم والمحبة جميعًا.
وأما المذموم فهو أن يكون خوفه بعض هذه الأمور لحرصه على ما له فيها من المنافع الدنيوية، وشدة ركونه إليها، وميله إلى التكثر بما له منها، والتوصل بها إلى ما يريد ويهوى، كان في ذلك رضا الله أو سخطه. وإنما كان هذا مذمومًا للغرض الذي عنه ينشأ هذا الخوف ولأن جميع نعم الله عند العبد من مال وولد وما يشبههما إنما هي عوار، والركون إلى العواري ليس من فعل الفضلاء والمخلصين والله أعلم.
قال البيهقي ﵀: وقد جاء في الأخبار والآثار ما يؤكد صحة ما قاله الحليمي ﵀ في هذا الفصل وسياق جميع ذلك ها هنا يطول فمن ذلك ما:
[٩٦٣] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه، أخبرنا موسى بن الحسن، حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي-ح.
وأخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، حدثنا أحمد بن عبيد الصفار، حدثنا معاذ بن المثنى، حدثنا القعنبي، حدثنا سليمان بن بلال، عن جعفر بن محمد، عن عطاء بن أبي رباح أنه سمع عائشة زوج النبي - ﷺ - تقول: كان رسول الله - ﷺ - إذا كان يوم ذا ريح وغيم عرف ذلك في وجه رسول الله - ﷺ - فأقبل، وأدبر، فإذا مطرت سري عنه، وذهب عنه ذلك. قالت: فسألته، فقال: "إني خَشِيتُ أن يكون عذَابَا سُلِّط على أمَّتِي" ويقول:- إذا رأى المطر "رحمة الله "- وفي رواية موسى "رحمة" فقط. وقال عرف ذلك في وجهه.
رواه مسلم في الصحيح (^١) عن عبد الله بن مسلمة القعنبي.
وأخرجه البخاري (^٢) من حديث ابن جريج عن عطاء.
_________________
(١) إسناده: صحيح.
(٢) في الاستسقاء (١/ ٦١٦).
(٣) في بدء الخلق (٤/ ٧٦) عن مكي بن إبراهيم حدثنا ابن جريج فذكره وأخرجه مسلم في الاستسقاء (١/ ٦١٦) وابن ماجه في الدعاء (٢/ ١٢٨٠ رقم ٣٨٩١) وأحمد في "مسنده"=
[ ٢ / ٣١١ ]
[٩٦٤] أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار، حدثنا الكديمي، حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، حدثنا ابن عوف، عن ثمامة، عن أنس بن مالك قال: كنت أصنع خبزة لهم فسمعت نقيض الأرض فخرجت، فإذا الأرض قد تشققت، وإذا أصحاب رسول الله - ﷺ - يبكون ويدعون، حتى ذهبت.
[٩٦٥] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا العباس الدوري، حدثنا يونس بن محمد المؤدب، حدثنا عبيد الله يعني ابن النضر، حدثني أبي أنها كانت ظلمة على عهد أنس حتى كان النهار مثل الليل، قال فأتيته بعدما انجلت. فقلت يا أباحمزة هل كان يصيبكم مثل هذا على عهد رسول الله - ﷺ -؟ قال معاذ الله، إن كانت الريح لتشتد فنبتدر إلى المسجد أينا يدخله أولًا.
_________________
(١) = (٦/ ٢٤٠) من طريق ابن جريج عن عطاء بنحوه. وأخرجه أبو نعيم في "الحلية" (٣/ ٢٥٠) من طريق إسماعيل بن عبد الله ومعاذ بن المثنى عن القعنبي وعن يحيى بن عبد الحميد عن سليمان به. وأخرجه السهمي في "تاريخ جرجان" (٤١٠) من طريق محمد بن جعفر بن محمد عن أبيه عن عطاء. وأخرجه المؤلف في "سننه" (٣/ ٣٦١) عن علي بن أحمد بن عبدان، ومن وجه آخر عن القعنبي. وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (١١/ ٨٨). وأخرج البخاري في التفسير (٦/ ٤٢) ومسلم في الاستسقاء (١/ ٦١٦) من طريق أبي نضر عن سليمان بن يسار عن عائشة قالت: ما رأيت رسول الله - ﷺ - مستجمعًا ضاحكًا قط حتى أرى منه لهواته إنما كان يتبسم. قالت وكان إذا رأى غيمًا أو ريحًا عرف ذلك في وجهه فقالت: يا رسول الله! أرى الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيته عرفت في وجهك الكراهية. قالت فقال: "يا عائشة! ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب؟ قد عذب قوم بالريح. وقد رأى قوم العذاب فقالوا: هذا عارض ممطرنا". وأخرجه أبو داود في الأدب (٥/ ٣٢٩ رقم ٥٠٩٨) وأحمد في "المسند" (٦/ ٦٦).
(٢) إسناده: ضعيف لأجل الكديمي وهو محمد بن يونس. • محمد بن عبد الله بن المثنى الأنصاري، أبو عبد الله البصري القاضي (م ٢٥١ هـ) ثقة. من التاسعة (ع). • ابن عون هو عبد الله. • ثمامة بن عبد الله بن أنس بن مالك، الأنصاري، البصري. صدوق. من الرابعة (ع).
(٣) إسناده: لا بأس به. • عبيد الله بن النضر بن عبد الله بن مطر القيسى، أبو النضر البصري لا بأس به. من السابعة (د). • وأبوه النضر بن عبد الله مستور. من الخاممتة (د). وذكره ابن حبان في "الثقات" (٥/ ٤٧٥). والخبر أخرجه أبو داود في الصلاة (١/ ٧٠٦ رقم ١١٩٦) من طريق حرمي بن عمارة عن عبيد الله به.
[ ٢ / ٣١٢ ]
[٩٦٦] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا الحسن بن محمد بن إسحاق، حدثنا أبو عثمان الحناط، حدثنا أحمد بن أبي الحواري، حدثنا أبو زكريا الخلقاني الهمداني، قال: كنا عند علي بن بكار فمرت سحابة فسألته عن شيء فقال لي، اسكت حتى تجوز هذه السحابة أما تخشى أن يكون فيها حجارة نرمى بها؟.
[٩٦٧] أخبرنا أبو أسامة محمد بن أحمد بن محمد بن القاسم المقرئ الهروي بمكة، حدثنا الحسن بن رشميق، حدثني أبو علي الروذباري، قال سمعت أبا أحمد الزهيري يقول سمعت أبا بكر بن هارون الحمال: يقول سمعت الحارث المحاسبي يقول:- وذكر البلاء- فقال: هو للمخلطين عقوبات، وللتائبين طهارات، وللطاهرين درجات.
[٩٦٨] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا علي بن حمشاذ قال سمعت أحمد بن سلمة يقول سمعت الحسين بن منصور يقول كثيًرا ما كنت أسمع علي بن عثام يقول: اللهم لا تبل أخبارنا.
قال البيهقي ﵀ وهذا كقوله تعالى: ﴿وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ (^١).
وذلك فيما يبتليهم به في الجهاد وغيره لينظر كيف صبرهم فخاف علي بن عثام أن لا يقوم بصبره فقال: اللهم لا تبل أخبارنا.
آخر كتاب الخوف.
_________________
(١) أبو زكريا الخلقاني لم أعرفه. • علي بن بكار البصري، الزاهد. صدوق عابد. من التاسعة (س) له ترجمة في "الحلية" (٩/ ٣١٧). والقول أخرجه أبو نعيم في "الحلية" (١٠/ ٧) مختصرًا من طريق أبي حاتم عن أحمد بن أبي الحواري عن يحيى بن زكريا.
(٢) أبو أسامة، محمد بن أحمد بن محمد بن القاسم، الهروي، المقرئ (م ٤١٧ هـ). حدث بمكة ودمشق. قال أبو عمرو الداني: رأيته يُقرئ بمكة، وربما أملى الحديث من حفظه، فقلب الأسانيد، وغير المتون. راجع "السير" (١٧/ ٣٦٤) "الميزان" (٣/ ٤٦٤) "لسان الميزان" (٥/ ٥٥) "غاية النهاية" (٢/ ٨٧). • أبو علي الروذباري هو محمد بن أحمد بن القاسم (م ٣٢٢ هـ). من كبار الصوفية، سكن مصر، وكان من أهل الفضل والفهم وله تصانيف حسان. وكان لزم الجنيد وصحبه. راجع "تاريخ بغداد" (١/ ٣٢٩ - ٣٣٣) "الأنساب" (٦/ ٨٨).
(٣) الحسين بن منصور بن جعفر بن عبد الله السلمي، أبو علي النيسابوري (م ٢٣٨ هـ). ثقة فقيه. من العاشرة (خ س).
(٤) سورة محمد (٤٧/ ٣١).
[ ٢ / ٣١٣ ]