العالم عبارة عن كل شيء غير الله، هو جملة الأجسام والأعراض وجميع ذلك موجود عن عدم بإيجاد الله ﷿ واختراعه إياه قال الله ﷿ (^٤): ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾.
_________________
(١) كذا في النسخ الموجودة لدينا والعبارة غير مستقيمة، وصوابه ما في "الاعتقاد" (٣٣)، "إما غيره أو ما لا يقال إنه هو، وذلك محال".
(٢) هو لبيد بن ربيعة العامري. وعجز البيت: ومن يبك حولًا كاملًا فقد اعتذر. راجع "العقد الفريد" (٢/ ٧٨، ٣/ ٥٧).
(٣) وفي (ن) والمطبوعة "إرادته السلام عليكما".
(٤) أبو عثمان سعيد بن إسماعيل بن سعيد بن منصور النيسابوري، الحيري، الصوفي (م ٢٩٨ هـ) الشيخ الإمام، المحدث، الواعظ، القدوة. كان مجاب الدعوة، ومجمع العباد والزهاد، يجله العلماء ويعظمونه. وقال الذهبي: إن الحاكم ذكر أخباره في ٢٥ ورقة. انظر ترجمته في "الحلية" (١٠/ ٢٤٤ - ٢٤٦)، "تاريخ بغداد" (٩/ ٩٩ - ١٠٢)، "وفيات ابن خلكان" (٢/ ٣٦٩ - ٣٧٠)، "الوافي" (١٥/ ٢٠٠)، "السير" (١٤/ ٦٢ - ٦٦)، "شذرات" (٢/ ٢٣٠)، "طبقات ابن المللقن" (٢٣٩ - ٢٤٣).
(٥) سورة الروم (٣٠/ ٢٧).
[ ١ / ٢٤٩ ]
وسئل نبينا - ﷺ - عن بدء هذا الأمر فقال: "كان الله ولم يكن شئ غيره، ثم ذكر الخلق" (^١).
فإن قال قائل (^٢): فهل في العقل دليل على حدث الأجسام؟
قيل: نعم وقد وجدنا الأجسام لا تنفك عن الحوادث المتعاقبة عليها كالاجتماع والافتراق، والسكون والحركة، والألوان، والطعوم، والأرايح (^٣) وما لم ينفك من الحوادث ولم يسبقها محدث مثلها …
وإن قال (^٤): وهل فيه دليل على حدث الأعراض؟
قيل: نعم قد وجدناها تتضاد في الوجود ولا يصبح وجود جميعها معا في محل فثبت (^٥) أن بعضها يبطل ببعض وما يجوز عليه البطلان لا يكون إلا حادثا لأن القديم لم يزل ولا يصح (^٦) عليه العدم.
فإن قال: فهل فيه دليل على أن الحوادث لابد لها من محدث؟
قيل: نعم. حقيقة المحدث ما وجد عن عدم، ولولا أن موجودا أوجده لم يكن وجوده أولى من عدمه؛ و(^٧) يتقدم بعضها على بعض، فلولا أن مقدما قدم ما تقدم منه لم يكن حدوثه متقدما أولى من حدوثه متاخرا وكذلك وجود بعضه على بعض الهيئات المخصوصة يدل على جاعل خصه بتلك (^٨)، لولاه لم يكن بعض الهيئات أولى من بعض ولأنا شاهد الأجسام ينتقل أسبابها وتتبدل أحوالها فلولا أن منقلا (^٩) نقلها، لم يكن انتقالها أولى من بقائها عليها وفي ذلك دليل على (^١٠) تعلقها بمن نقلها
_________________
(١) سيأتي الحديث بكامله في الخامس من شعب الإيمان، وهو باب في القدر خيره وشره من الله تعالى.
(٢) راجع لهذه المباحث "المنهاج" (١/ ٢١٠ - ٢٢٢)، "الاعتقاد" (٩/ ١٧).
(٣) سقطت من الأصل.
(٤) وفي (ن) والمطبوعة "وإن قيل".
(٥) وفي (ن) والطبوعة "فبدت".
(٦) كذا في الأصل وفي النسختين "فلا يصح".
(٧) وفي النسختين "وإنه تقدم".
(٨) وفي (ن) والطبوعة "بذلك".
(٩) وفي (ن) "فلولا أن مقلًّا يقلها".
(١٠) كذا في الأصل، وفي النسختين "على أن تعلقها من نقلها، وحاجتها أولى من غيرها".
[ ١ / ٢٥٠ ]
وحاجتها إلى من غيرها وأنها مصنوعة وأن لها صانعا غيرها ونحن نصوره في الإنسان الذي هو في غاية الكمال والتمام بأنه (^١) كان نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاما ولحما ودما، وقد علمنا أنه لم ينقل نفسه من حال إلى حال لأنا نراه في حال كمال قوته وتمام عقله لا يقدر على أن يحدث لنفسه سمعا ولا بصرا ولا أن يخلق لنفسه جارحة فدل ذلك على أنه قبل تكامله واجتماع قوته عن ذلك أعجز وقد رأيناه طفلا ثم شابا ثم كهلا ثم شيخا، وقد علمنا أنه لم ينقل نفسه من حال إلى حال (فدل على أن ناقلا نقله من حال إلى حال) (^٢) ودبره على ما هو عليه، ومما يبين ذلك: أن القطن لا يجوز أن يتحول غزلا مفتولا ثم ثوبا منسوجا من غير صانع ولا مدبر، والطين والماء لا يجوز أن يصيرا لَبِنا مشيدا من غير بان، وكما لا يجوز صانع (^٣) لا صنع له لا يجوز صنع إلا من صانع، وقد نبهنا الله تعالى يف غير موضع من كتابه العزيز على ما ذكرنا من العبر فقال ﷿ (^٤): ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ. وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا (^٥) لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ. وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ. وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ. وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ. وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾.
وان قال قائل: ومن لكم بأن أثر الصنع موجود في السماوات والأرض قال الحليمي رحمه الله تعالى (^٦):
قيل له إن السماء جسم محدود متناه فالمحدود المتناهي لا يجوز أن يكون قديما؛ لأن
_________________
(١) وفي (ن) والمطبوعة "فإنه".
(٢) العبارة بين العلامتين ساقطة في (ن).
(٣) في (ن) "صانع ولا صنع له".
(٤) سورة الروم (٣٠/ ٢٠ - ٢٥).
(٥) إلى هنا فقط في (ن) والطبرعة. وبعده "قرأ الخمس أيات وكتبها إلى قوله ﴿إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ ".
(٦) راجع "المنهاج" (١/ ٢١١).
[ ١ / ٢٥١ ]
القديم هو الموجود الذي لا سبب لوجوده وما لا سبب (^١) لوجوده، فلا جائز أن يكون له نهاية لأنه لا يكون وجوده إلى تلك النهاية أولى (^٢) من وجوده دونها أو ورائها ولأن المتناهي لا يكون خالص الوجود لأنه إلى نهايته يكون موجودا ثم يكون وراء نهايته معدوما، والقديم لا يعدم، فصح أن المتناهي لا يجوز أن يكون قديما والسماء متناهية فثبت أنهاليست بقديم.
فإن قيل: وما الدليل على أنها متناهية؟
قيل: الدليل على ذلك (^٣) أنها متناهية عيانا (^٣) من الجهة التي تلينا فدل ذلك على أنها متناهية من الجهات التي لا نراها ولا نشاهدها لأن تناهيها من هذه الجهة (^٤) قد أوجب أن لا يكون ما يلينا منها قديما موجودا إلا بسبب، فصح (^٥) أن ما لا تلينا منها فهي كذلك أيضا لأنه (^٦) لا يجوز أن يكون شيء واحد بعضه قديم (^٧) وبعضه غير قديم.
وأيضا فإن السماء جسم ذو أجزاء على جزء منه محدود متناه فدل ذلك على أن جميعها محدود متناه ثم ساق الكلام إلى أن قال (^٨): وما قلته في السماء فهو في الأرض مثله وأبين لأن أجزاء الأرض تقبل في العيان أنواعا من الاستحالة وكذلك الماء والهواء لأن أجزاء كل واحد من هذه الأشياء يجتمع مرة ويفترق (^٩) أخرى وينتقل من حال إلى حال فصار حكمها حكم غيرها من الأجسام (^١٠) التي ذكرنا في الحاجة إلى مغير غيرها وناقل نقلها وهو الله الواحد القهار.
قال البيهقي (^١١) رحمه اللّه تعالى: فإن قال قائل: وهل في العقل دليل على أن محدثها
_________________
(١) سقط من الأصل.
(٢) في (ن) والمطبوعة "أولى به".
(٣) زيادة من "المنهاخ".
(٤) كذا في الأصل و"المنهاج". وفي (ن) والمطبوعة "الجهات".
(٥) وفي (ن) والمطبوعة "وصح".
(٦) سقط من الأصل.
(٧) وفي (ن) والمطبوعة "قديمًا".
(٨) "المنهاج" (١/ ٢١٤ - ٢٥١).
(٩) كذا في النسختين وهو الأنسب. وفي الأصل "يتفرق".
(١٠) وفي (ن) والمطبوعة "الذي".
(١١) في (ن) والمطبوعة "الإمام أحمد".
[ ١ / ٢٥٢ ]
واحد؟ قيل: نعم وهو استغناء الجميع في حدثه (^١) بمحدث واحد، والزيادة عليه لا ينفصل منها عدد من عدد ولأنه لو كان للعالم صانعان لكان لا يجري تدبيرهما على نظم (^٢) ولا يتسق (^٣) على أحكام، كما قال الله ﷿: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ (^٤) ولكان العجز يلحقهما أو أحدهما وذلك أنه لو أراد أحدهما إحياء جسم، أراد (^٥) الآخر إماتته كان لا يخلو من أن يتم مرادهما وهذا مستحيل أو لا يتم (مرادهما أو) (^٦) مراد أحدهما دون صاحبه ومن لم يتم مراده كان عاجزا والعاجز لا يكون إلها (^٧) ولا قديما. وبعبارة (^٨) أخرى وهي أن حال الاثنين لا يخلو من صحة المخالفة أو تعذر المنازعة، فإن صحت المخالفة (^٩) كان الممنوع من المراد موصوفا بالقهر وان تعذرت المنازعة كان على واحد منهما موصوفا بالنقص والعجز، وذلك يمنع من التشبيه وقد دعانا الله ﷿ إلى توحيده في غير موضع من كتابه بما أرانا من الآيات وأوضح لنا من الدلالات فقال ﷿ (^١٠): ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ قرأها إلى قوله ﴿الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. إلى سائر ما ورد في الكتاب من الدلالات (^١١) على صنعه وتوحيده.
[١٠٣] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا أحمد بن الفضل
_________________
(١) وفي (ن) والمطبوعة "حدوثه".
(٢) في (ن) والمطبوعة "نظام".
(٣) سقط غن الأصل.
(٤) سورة الأنبياء (٢١/ ٢٢). وليس في (ن) والمطبوعة قوله "فسبحان الله".
(٥) وفي (ن) والمطبوعة "وأراد".
(٦) سقطت العبارة بين القوسين من الأصل ففيه "أو لا يتم مراد أحدهما دون صاحبه".
(٧) في الأصل "إلهًا قديمًا".
(٨) وفي الأصول "وعبارة".
(٩) وفي (ن) والمطبوعة تكررت العبارة التالية: "وإن تعذرت المنازعة وان صحت المخالفة، كان الممنوع من المراد موصوفًا بالقهر".
(١٠) سورة البقرة (٢/ ١٦٣ - ١٦٤).
(١١) وفي الأصل "الدلالة".
(١٢) إسناده: لا بأس به. • أحمد بن الفضل الصايغ، أبو جعفر العسقلاني. قال ابن أبي حاتم: كتبنا عنه، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا. "الجرح والتعديل" (٢/ ٦٧). وقال ابن حجر: قال ابن حزم: مجهول "لسان الميزان" (١/ ٢٤٧). • وأدم هو ابن أبي إياس. ثقة عابد، توفي سنة ٢٢١ هـ (خ د ت س). =
[ ١ / ٢٥٣ ]
الصائغ، حدثنا آدم، حدثنا أبو جعفر الرازي، حدثنا سعيد بن مسروق، عن أبي الضحى (في قوله) (^١): ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾. لما نزلت هذه الآية عجب المشركون وقالوا: إن محمدا يقول: وإلهكم إله واحد فليأتنا باية إن كان من الصادقن فأنزل اللّه ﷿: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ الآية يقول: إن في هذه الآيات … ﴿الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
[١٠٤] حدثنا أبو عبد اللّه الحافظ، أخبرني محمد بن يوسف الدقيقي قال: وجدت في كتاب (^٢) للشافعي ﵀:
فيا عجبا كيف يعصى الإلـ … ـه أم كيف يجحده جاحد؟
وللّه في كل تحريكة … وتسكينة أبدا شاهد
وفي كل شيء له آية … تدل على أنه واحد
ويقال إن هذه الأبيات لأبي العتاهية (^٣).
[١٠٥] أخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ، قال: سمعت أبا الحسين عبد الواحد بن أبي عبد الرحمن ناقله أي القسم المذكور يقول: حكى جدي في كتبه، عن شيوخه أن
_________________
(١) =. وأبو جعفر الرازي هو عيسى بن أبي عيسى عبد اللّه بن ماهان. صدوق سيئ الحفظ. • وسعيد بن مسروق، هو الثوري والد سفيان، ثقة. من السادسة توفي سنة ١٢٦ هـ وقيل بعدها (ع). • أبو الضحى هو مسلم بن صبيح (مصغرًا) الهمداني، الكوفي (م ١٠٠ هـ). ثقة، فاضل، من الرابعة. (ع). والخبر أخرجه ابن جرير الطبري في "تفسيره" (٢/ ٦١ - ٦٢) من طريق سفيان الثوري عن أبيه، ومن طريق عبد الله بن أبي جعفر عن أبيه، والطريق إلى سفيان غير سليمة، وكذلك عبد اللّه ضعيف. ولكن الخبر يخرج من كونه ضعيفًا بمتابعة سفيان لأبي جعفر، ومتابعة آدم لعبد الله. وهو في تفسير سفيان الثوري (ص ١٤) وراجع "ابن كثير" (١/ ٢٠٢). ونسبه السيوطي في "الدر المنثور" (١/ ٣٩٥) إلى وكيع، وآدم بن أبي إياس، وسعيد بن منصور، وابن أبي حاتم وأبي الشيخ في "العظمة" والمؤلف.
(٢) زيادة يقتضيها السياق.
(٣) في (ن) والمطبوعة "كتابي".
(٤) وهي في ديوانه (١٢٢).
[ ١ / ٢٥٤ ]
أبا العتاهية (^١) إسماعيل بن قاسم جاء إلى دكان سقيفة الوراق فجلس وتحدث ثم ضرب
بيده إلى دفتر فكتب في ظهره:
فيا عجبا كيف يعصى الإ … له أم كيف يجحده الجاحد
ولله (^٢) في كل تحريكة … وتسكينة أبدا شاهد
وفي كل شيء له آية … تدل على أنه وأحد
ثم ألقاه ونهض فلما كان من الغد (^٣) أو بعد ذلك جاء أبونواس فجلس وتحدث وضرب بيده إلى ذلك الدفتر فقال: أحسن قاتله الله (^٤) والله لوددته لي بجميع ما قلته.
لمن هي؟ قلت: لأبي العتاهية. فقال هو أحق به.
ثم أخذ أبونواس الدفتر فكتب:
سبحان (^٥) من خلق … الخالق من ضعيف مهين
يسوقه من قرار … إلى قرار مكين
يحول (^٦) شيئا فشيئا … في الحجب دون العيون
حتى بدت حركات … مخلوقة من سكون
فلما عاد أبو العتاهية نظر فيه فقال: أحسن قاتله (^٧) الله والله لوددت أنهالي بجميع ما قلت وما أقول لمن هي؟ فقلنا: لأبي نواس.
_________________
(١) في النسخ كلها "القاسم بن إسماعيل" ووأبوالعتاهة اسمه إسماعيل بن قاسم بن سويد بن كيسان العنزي. شاعر مجيد، سار شعر لجودته وحسنه وعدم تقعره. ترجمته في "الشعر والشعراء " (٧٩١ - ٧٩٥)، "الموشح" (٢٣٠ - ٢٣٨)، "الأغاني" (٤/ ١ - ١١٢). "تاريخ بغداد" (٦/ ٢٥٠ - ٢٦٠)، "وفيات الأعيان" (١/ ٢١٩ - ٢٢٦)، "السير" (١٠/ ١٩٥ - ١٩٨)، "شذرات" (٢/ ٢٥).
(٢) ترتيب البيتن الأخيرين في الأصل مختلف عما هنا. ففيه البيت الثالث مكان الثاني، والثاني مكان الثالث.
(٣) وفي (ن) والمطبوعة "من الغداة بعد ذلك".
(٤) وفي (ن) والمطبوعة "أحسن قائله".
(٥) الأبيات في ديوانه (٦٦٦).
(٦) في الديوان "يحور" أي ينتقل.
(٧) في (ن) والمطبوعة "أحسن قائله".
[ ١ / ٢٥٥ ]
فقال: الشيطان، ثم كتب أبو العتاهية:
فإن أك حالكا فالمسك أحوى … ومالسوادجلدي من بقاء
ولكني عن الفحشاء ناء … كبعد الأرض من جو السماء
[١٠٦] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو جعفر محمد بن صالح بن هانئ، حدثنا السري بن خزيمة، حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى (^١): ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ (^٢). قال: خلقوا في أصلاب الرجال ثم صوروا في أرحام النساء.
[١٠٧] حدثنا الإمام أبو الطيب سهل بن محمد بن سليمان، حدثنا عبد الله بن محمد ابن علي بن زياد الدقيقي، حدثنا عبد اللّه بن محمد بن عبد الرحمن المديني، حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، أخبرنا بقية بن الوليد، حدثنا بحير بن سعيد، عن خالد ابن معدان قال: قال أبوذر ﵁: قال رسول اللّه - ﷺ -: "قد أفلح من أخلص اللّه قلبه للإيمان، وجعل قلبه سليما ولسانه صادقا ونفسه مطمئنة وخليقته
_________________
(١) إسناده: صحيح، • المنهال بن عمرو الأسدي، مولاهم، الكوفي. صدوق ربما وهم، من الخامسة (خ-٤). • سعيد بن جبير الأسدي مولاهم، الكوفي (م ٩٥ هـ). ثقة، ثبت، فقيه. من الثالثة. روايته عن عائشة وأبي موسى ونحوهما مرسلة. (ع). والحديث عند الحاكم في "المستدرك" وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي (٢/ ٣١٩). ولكن المنهال ليس من رجال مسلم. ونسبه السيوطي إلى المؤلف، وإلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ. "الدر المنثور" (٣/ ٤٢٤). وهو في "تفسير الطبري" من قول عكرمة والأعمش (٨/ ١٢٧).
(٢) سقط من الأصل.
(٣) سورة الأعراف (٧/ ١١).
(٤) إسناده: قال الهيثمي: إسناده حسن، • أبو الطيب سهل بن محمد بن سليمان، العجلي، الحنفي، ثم الصعلوكي، النيسابوري الفقيه الشافعي (م ٤٠٤ هـ). شيخ الشافعية بخراسان، قال الحاكم: هو من أنظر من رأينا، تخرج به جماعة، وحدث وأملى، قال: وبلغني أنه كان في مجلسه أكثر من خمسمائة مجرة. وقال أبوي سحاق الشيرازي: كان أبو الطيب فقيهًا أديبًا، جمع رئاسة الدنيا والدين. ترجمته في "طبقات الشافعية" للشيرازي (١٠٠)، "وفيات ابن خلكان" (٢/ ٤٣٥ - ٤٣٦)، "السير" (٧/ ٢٠٧ - ٢٠٩)، "طبقات السبكي" (٣/ ١٦٩ - ١٧١)، "شذرات" (٣/ ١٧٢).
[ ١ / ٢٥٦ ]
مستقيمة (وجعل أذنه مستمعة) (^١) وعينه ناظرة فأما الأذن فقمع وأما العين فمقرة لما يوعى القلب وقد أفلح من جعل الله قلبه واعيا".
[١٠٨] أخبرنا أبو الحسن بن بشران، حدثنا إسماعيل بن محمد الصفار، حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ قال: "القلب ملك وله جنود فإذا صلح الملك صلحت جنوده وإذا فسد الملك فسدت جنوده والأذنان قمع والعينان مسلحة (^٢) واللسان ترجمان واليدان جناحان والرجلان بريدان (^٣) والكبد رحمة والطحال ضحك والكليتان مكر والرية نفس".
قال البيهقي (^٤) رحمه الله تعالى: هكذا (^٥) جاء موقوفا ومعناه في القلب جاء في حديث النعمان بن بشير مرفوعا (^٦). أخبرناه أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو سعيد أحمد بن محمد النسوى، حدثنا.
_________________
(١) الجملة بين القوسين سقطت من الأصل. والحديث أخرجه أحمد في "مسنده" عن إبراهيم بن أبي إسحاق حدثنا بقية به (٥/ ١٤٧). وقال المناوي: أخرجه ابن لال والبيهقي. وقال الهيثمي: إسناده حسن. "مجمع الزوائد" (١./ ٢٣٢). وقال المنذري: وفي إسناد أحمد احتمال للتحسين. "الترغيب" (١/ ٥٦). وقال المناوي: خص السمع والبصر لأن الأيات الدالة على وحدانية الله إما سمعية. فالأذن التي تجعل القلب وعاء لها. أو نظرية، والعين هي التي تقرها في القلب وتجعله وعاء لها. انظر "فيض القدير" (٤/ ٥٠٨). القمع: ما يوضع في فم السقاء ثم يصب فيه الماء والشراب أو اللبن.
(٢) إسناده: صحيح. • أحمد بن منصور الرمادي، البغدادي. أبو بكر (م ٢٦٥ هـ). ثقة، حافظ، طعن فيه أبو داود لمذهبه في الوقف في القرآن. من الحادية عشرة (ق). • وعاصم هو ابن بهدلة أبي النجود، المقرئ، صدوق، حديثه في الصحيحين مقرون، والحديث عند عبد الرزاق في "مصنفه" (١/ ٢٢).
(٣) المسلحة، كالثغر والمرقب. والمسلحة أيضًا القوم الذين يحفظون الثغور من العدو.
(٤) كذا في المصنف. وفي النسخ الموجودة لدينا "بريد".
(٥) في (ن) والمطبوعة "الإمام أحمد".
(٦) سقط من الأصل.
(٧) أما حديث النعمان بن بشير فهو: " ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب ". أخرجه البخاري في الإيمان (١/ ١٩) ومسلم في المساقاة (٢/ ١٢٢.) وابن ماجه (٢/ ١٣١٩ رقم ٣٩٨٤) والدارمي (٦٤١) وأحمد في "المسند" (٤/ ٢٧٠ - ٢٧٤) والحميدي في "مسنده" (٢/ ٤.٩) وعبد الرزاق في "المصنف" (١١/ ٢٢١).
[ ١ / ٢٥٧ ]
[١٠٩] وقد رواه عبد الله بن المبارك، عن معمر بإسناده وقال رفعه.
إسماعيل بن إبراهيم النيسابوري قال: سئل الحسن بن عيسى، عن حديث ابن المبارك فقال: حدثني أبو الأسود، حدثنا عبد الله، أخبرنا معمر، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ فذكره. ورواه أيضا الحكم بن فضيل وعن عطية، عن أبي سعيد (^١) مرفوعا.
[١١٠] أخبرنا أبو علي الروذباري، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، حدثنا عباس بن محمد، حدثنا عبيد الله بن موسى، حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن محمد بن
_________________
(١) إسناده: فيه من لم أعرفه. • أبو سعيد أحمد بن محمد النسوي، (وفي (ن) "النشوي " وهو خطأ)، هو أحمد بن محمد بن رميح (م ٣٥٧ هـ). قال الحاكم: حافظ ثقة، وقال الخطيب: كتب وصنف كثيرًا وكان معدودًا في حفاظ المحدثين. راجع "تاريخ بغداد" (٥/ ٦ - ٨)، " التذكرة" (٣/ ٩٣٠)، "التقييد" (١/ ٢٠١). • إسماعيل بن إبراهيم النيسابوري: لم أعرفه. • الحسن بن عيسى بن ماسرجس، أبو علي النيسابوري (م ٢٤٠ هـ). ثقة. من العاشرة (م دس). وهو مولى ابن المبارك يروي عنه بلا واسطة ولكن جاء هنال"حدثني أبو الأسود حدثنا عبد الله ولم أعرف "أبو الأسود" هذا.
(٢) ذكره ابن عدي في "الكامل" (٢/ ٦٣٣)، في ترجمة الحكم بن فضيل العبدي، وقال: وهذا الحديث لا أعلم يرويه عن عطية غير الحكم بن فضيل. والحكم هذا قد روى عن غير عطية مثل خالد الحذاء وغيره، وهو قليل الرواية. وما تفرد به لا يتابعه عليه الثقاتا. وأورده الذهبي في "الميزان" (١/ ٥٧٨). وأضاف: وثقه (أي الحكم) أبو داود وعطية واه. وذكر الخطيب أن ابن معين وأبا داود وثقاه (٨/ ٢٢٢) توفي ١٧٥ هـ.
(٣) إسناده: رجاله ثقات. • ابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي مولاهم، المكي (م ١٥٠ هـ)، ثقة، ففيه، فاضل، وكان يدلس ويرسل. من السادسة (ع). • ومحمد بن المرتفع، وثقه أحمد. راجع "الجرح والتعديل" (٩٨/ ٨). والأثر أخرجه الطبري من طريق سفيان. راجع "تفسيره" (٢٠٤/ ٢٦). ونسبه السيوطي في " الدر المنثور" (٧/ ٦١٩) للفريابي، وسعيد بن مصور وابن المنذر وابن أبي حاتم. وأخرجه المؤلف بنفس السند في "الاعتقاد" (١٢) إلا أن فيه "محمد بن المنكدر" مكان "محمد بن المرتفع". وهو خطأ.
[ ١ / ٢٥٨ ]
المرتفع، عن عبد الله بن الزبير ﵁: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ (^١).
قال: سبيل الخلاء والبول".
[١١١] أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أخبرنا أبو جعفر الرزاز، حدثنا أحمد بن الوليد الفحام، حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير، عن (^٢) عبد الله بن الزبير: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ قال: سبيل الخلاء والبول كذا قال.
[١١٢] وأخبرنا أبو طاهر الفقيه، أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر بن حفص التاجر، حدثنا السري بن خزيمة الأبيوردي، حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن محمد بن المرتفع، عن ابن الزبير فذكره.
[١١٣] أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق، حدثني محمد بن محمد بن عبيد الله
_________________
(١) سورة الذاريات (٥١/ ٢١)
(٢) إسناده: صحيح. • أبو جعفر الرزاز، محمد بن عمرو بن البختري بن مدرك، البغدادي (م ٣٣٩ هـ). مسند العراق، الثقة، المحدث، الإمام، قال الحاكم: كان ثقة مأمونًا. وقال الخطيب: كان ثقة، ثبتا. ترجمته في "تاريخ بغداد" (٣/ ١٣٢)، "السير" (١/ ٣٨٥٥ - ٣٨٦)، "الأنساب" (٦/ ١٠٩)، "الوافي" (٤/ ٢٩١)، "شذرات" (٢/ ٣٥٠). • أحمد بن الوليد بن أبي الوليد. أبو بكر الفحام (م ٢٧٣ هـ). ذكره الخطيب في "تاريخ بغداد" (٥/ ١٨٨) وقال: كان ثقة. وراجع "شذرات الذهب" (٢/ ١٦٤). • عبد الله بن كثير الداري، المكي، أبو معبد القارئ. (م ١٢٠ هـ)، أحد الأئمة، صدوق. من السادسة. (ع).
(٣) في الأصل "عن ابن الزبير".
(٤) إسناده: فيه من لم أعرفه. • محمد بن محمد بن عبيد الله الأديب، لم أعرفه. • محمود بن محمد، لم أعرفه. • عبد الله بن الهيثم بن عثمان، أبو محمد العبدي (م ٢٦١ هـ). من أهل البصرة. قدم بغداد وحدث بها. قال الخطيب: كان ثقة. راجع "تاريخ بغداد" (١٠/ ١٩٥). • الأصمعي هو عبد الملك بن قريب بن عبد الملك بن علي، أبو سعيد (م ٢١٥ هـ). الإمام، العلامة، الحافظ، حجة الأدب، لسان العرب، اللغوي الأخباري. كان من أعلم الناس في فنه. وكان بحرًا في اللغة. كتب شيئًا لا يحصى عن العرب، وكان ذا حفظ، وذكاء، =
[ ١ / ٢٥٩ ]
الأديب، حدثنا محمود بن محمد، حدثنا عبد الله بن الهيثم، حدثنا الأصمعي قال: سمعت ابن السماك يقول لرجل: "تبارك من خلقك فجعلك تبصر بشحم وتسمع بعظم وتتكلم بلحم".
[١١٤] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ في أخرين قالوا: حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا أبو أمية، حدثنا أبو عاصم، حدثنا صالح الناجي، عن ابن جريج، عن ابن شهاب في قوله تعالى (^١): ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ قال: حسن الصوت.
_________________
(١) = ولطف عبارة. له نوادر كثيرة. وروى الحديث، قال أبو داود: صدوق، وأثنى عليه أحمد بن حنبل في السنة. راجع ترجمته في "تاريخ بغداد" (١٠/ ٤١٠ - ٤٢٠)، "أنباه الرواة" (٢/ ١٩٧ - ٢٠٥)، "وفيات ابن خلكان" (٣/ ١٧٠ - ١٧٦)، "السير" (١٠/ ١٧٥ - ١٨١) "شذرات" (٢/ ٣٦ - ٣٨). • ابن السماك هو أبو العباس محمد بن صبيح العجلي مولاهم، الكوفي (م ١٨٣ هـ). الزاهد، القدوة، سيد الوعاظ. قال ابن نمير: صدوق. ليس له شيء في الكتب الستة. وله مواقف حسنة مع الرشيد. انظر ترجمته في "تاريخ بغداد" (٥/ ٣٦٨ - ٣٧٣)، "المعرفة والتاريخ" للفسوي (٢/ ٦٧١)،"الحلية" (٨/ ٢٠٣ - ٢٠٧) "وفيات ابن خلكان" (٤/ ٣٠١ - ٣٠٢)، "السير" (٨/ ٣٢٨ - ٣٢٠)، "شذرات" (١/ ٣٠٣). وساقه المؤلف بنفس الإسناد والمتن في "الاعتقاد" (ص ١٢).
(٢) إسناده: نيه من لم يذكر بجرح ولا تعديل. • أبو أمية محمد بن إبراهيم بن مسلم البغدادي، ثم الطرسوسي (م ٢٧٣ هـ). محدث طرسوس، وصاحب "المسند" والتصانيف. كان فهمًا حسن الحديث. قال أبو داود، ثقة. وقال الحاكم: صدوق، كثير الوهم. راجع ترجمته في "الجرح والتعديل" (٧/ ١٨٧)، "تاريخ بغداد" (١/ ٣٩٤ - ٣٩٦)، "طبقات الحنابلة" (١/ ٢٦٥ - ٢٦٦)، "السير" (١٣/ ٩١ - ٩٣)، "شذرات" (٢/ ١٦٤). • أبو عاصم هو النبيل، الضحاك بن مخلد. • صالح الناجي، قال ابن أبي حاتم: هو صالح بن زياد. ثم ذكر هذا الأثر."الجرح والتعديل" (٤/ ٤٠٤). وقال البخاري في "التاريخ الكبير" (٢/ ٢٩٢) بعد ما ذكر الأثر من رواية علي بن نصر عن أبي عاصم: قال علي سمعت أبي يقول: ذهبت أنا ومسلم إلى صالح فسألناه، فقال: لا أحفظ عن ابن جريج هذا، ولكن بلغني عن مقاتل بن سليمان. ونسبه السيوطي في "الدر المنثور" (٧/ ٤) لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. وقال ابن كثير في "تفسيره" (٣/ ٥٤٦): رواه عن الزهري البخاري في "الأدب"، وابن أو حاتم في "تفسيره".
(٣) سورة فاطر (٣٥/ ١).
[ ١ / ٢٦٠ ]
[١١٥] قال: وحدثنا أبو أمية الطرسوسي، حدثنا محمد بن سليمان البصري، حدثنا إبراهيم بن الجنيد، عن عمر بن حفص العسقلاني، عن خليد بن دعلج، عن قتادة في قوله: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾. قال: الملاحة في العينين.
[١١٦] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا محمد بن إسحاق قال: سمعت أبا عثمان الخياط يقول: حدثنا ذو النون بن إبراهيم المصري قال: "إن الله ﷿ خلق القلوب أوعية للعلم، ولولا أن الله سبحانه وبحمده أنطق اللسان بالبيان وافتتحه بالكلام ما كان الإنسان إلا بمنزلة البهيمة يومئ بالرأس ويشير باليد".
[١١٧] أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، حدثنا سعدان
_________________
(١) إسناده: ضعيف. • محمد بن سليمان البصري. لم أعرفه. • إبراهيم بن الجنيد هو إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد، الختلي، أبو إسحاق. وثقه الخطيب وقال: له كتب في الزهد والرقائق. قال الذهبي في "التذكرة": لم أظفر له بوفاة وكأنها في حدود الستين ومائتين. راجع "التذكرة" (٢/ ٥٨٦)، "السير" (١٢/ ٦٣١)، "تاريخ بغداد" (٦/ ١٢٥)، "طبقات الحنابلة" (١/ ٩٦). • خليد بن دعلج، أبو عمر السدوسي (م ١٦٠ هـ). ضعفه أحمد، ويحيي. وقال أبو حاتم: ليس بالمتين في الحديث وهو صالح. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال الدارقطني: متروك. وفي (ن) والمطبوعة "حالد". وهذا الأثر ذكره ابن عدي في "الكامل" (٣/ ٩١٧) وعنه الذهبي في "الميزان" (١/ ٦٦٤) وفي "السير" (٧/ ١٩٦).
(٢) أبو عثمان الخياط هو سعيد بن عثمان بن عياش، (وفي تاريخ بغداد"الحناط") (م ٢٩٤ هـ). راجع "تاريخ بغداد" (٩/ ٩٩). • ذو النون بن إبراهيم المصري الإخميمي، أبوالفيض (م ٢٤٥ هـ). "ذو النون" لقب، واسمه ثوبان. أحد أعلام التصوف. كان عالمًا، فصيحًا، حكيمًا، واعظًا. له كلام جميل في الحكم والمواعظ. قال الدارقطني، روى عن مالك أحاديث فيها نظر. انظر ترجمته في "طبقات الصوفية" (١٥ - ٢٦)، "طبقات الأولياء" (٢١٨ - ٢٢٣)، "الحلية" (٩/ ٣٣١ - ١٠،٣٩١/ ٣ - ٤)،"تاريخ بغداد" (٨/ ٣٩٣)، "السير" (١١/ ٥٣٢ - ٥٣٦).
(٣) إسناده: رجاله ثقات. • أبو معاوية هو محمد بن خازم (بمعجمتين) الضرير، الكوفي (م ١٩٥ هـ). عمي وهو صغير، ثقة، أحفظ الناس لحديث الأعمش. وقد يهم في حديث غيره. من كبار التاسعة (ع) • أم الدرداء هي زوجة أبي الدرداء. اسمها هجيمة، وقيل جهيمة، الأوصابية الدمشقية. =
[ ١ / ٢٦١ ]
ابن نصر، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سالم بن أبي الجعد، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء (^١) قال: "تفكر ساعة خير من قيام ليلة".
[١١٨] وأخبرنا أبو الحسين بن بشران، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار قال: حدثنا سعدان بن نصر، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سالم بن أبي الجعد: "قيل لأم الدرداء: ما كان أفضل أعمال أبي الدرداء؟ قالت: التفكر".
[١١٩] أخبرنا حمزة بن عبد العزيز، أخبرنا أبوالفضل عبدوس بن الحسين بن منصور،
_________________
(١) = قال ابن حجر: وهي الصغرى. وأما الكبرى فاسمها خيرة. ولا رواية لها في هذه الكتب. والصغرى ثقة فقيهة. من الثالثة (ع). أخرجه ابن سعد في "طبقاته" عن أبي معاوية به (٧/ ٣٩٢) وكذا أحمد في "الزهد" (١٣٩)، ورواه أبو نعيم في "الحلية" (١/ ٢٠٩) من طريق قيس ابن عمار الدهني عن سالم بن أبي الجعد به.
(٢) سقط من (ن) والمطبوعة.
(٣) إسناده: صحيح. • أخرجه أبو نعيم في "الحلية" من طريق أحمد بن حنبل ثنا أبو معاوية به (١/ ٢٠٨)، وأخرج وكيع في "زهده" (رقم ٢٢٤) عن مالك بن مغول والمسعودي عن عون بن عبد الله بن عتبة، قال: سألت أم الدرداء: ما كان أفضل عبادة أبي الدرداء؟ قالت: التفكر والاعتبار. ومن طريق وكيع أخرجه أحمد في "الزهد" (١٣٥) وأخرجه أبو نعيم في "الحلية" (١/ ٢٥٨) من طريق عمرو بن مرزوق عن المسعودي. وقال: ورواه وكيع عن المسعودي وانظر الكلام عليه في "الزهد" لوكيع.
(٤) إسناده: ضعيف. • حمزة بن عبد العزيز، وشيخه أبوالفضل عبدوس بن الحسين بن منصور، لم أجد لهما ترجمة. • أبو حاتم محمد بن إدريس بن المنذر بن داود بن مهران الرازي (م ٢٧٧ هـ)، الإمام، الحافظ، الناقد، كان من بحور العلم، طوف البلاد، وبرع في المتن والإسناد، وجمع وصنف، وجرح وعدل، وصحح وعلل. كان ثقة من أهل الأمانة والمعرفة. يبلغ عدد شيوخه زهاء ثلاثة آلاف. انظر ترجمته في "الجرح والتعديل" (١/ ٣٤٩ - ٣٧٢)، "تاريخ بغداد" (٢/ ٧٣ - ٧٧)، "طبقات الحنابلة" (١/ ٢٨٤ - ٢٨٦)، "التذكرة" (٢/ ٥٦٧ - ٥٦٩)، "السير" (١٣/ ٢٤٧ - ٢٦٢) "الوافي" (٢/ ١٨٣)، "شذرات" (٢/ ١٧١). • محمد بن حاتم الزمي (بكسر الزاي وتشديد الميم) المؤدب الخراساني (م ٢٤٦ هـ)، ثقة. من العاشرة. (ت س). • علي بن ثابت الجزري، أبو أحمد، الهاشمي مولاهم، صدوق. ربما أخطأ. قد ضعفه الأزدي بلا حجة. من التاسعة (د ت). • الوازع بن نافع العقيلي الجزري. قال أحمد ويحيى: ليس بثقة، وقال البخاري: منكر الحديث. وقال النسائي: متروك.
[ ١ / ٢٦٢ ]
حدثنا أبو حاتم محمد بن إدريس الرازي، حدثنا محمد بن حاتم الزمي المؤدب، أخبرنا علي بن ثابت، عن الوازع بن نافع، (عن سالم) (^١)، عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "تفكروا في آلاء الله يعني عظمته ولا تتفكروا في الله" هذا إسناد فيه نظر.
[١٢٠] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا علي بن محمد المروزي، حدثنا محمد بن إبراهيم الرازي، حدثنا يحيى بن معاذ قال: "جملة التوحيد في كلمة واحدة وهي أن لا تتصور في وهمك شيئا (^٢) إلا واعتقدت أن الله ﷿ (^٣) مالكه من جميع الجهات".
قال البيهقي (^٤) رحمه الله تعالى: فإن قال قائل: وأين (^٥) الدليل على أنه سبحانه موجود؟
_________________
(١) سقط من (ن) والمطبوعة. والحديث بهذا الإسناد ضعيف. أورده ابن عدي في "الكامل" (٧/ ٢٥٥٦) وعنه الذهبي في "الميزان" (٤/ ٣٢٧) وابن حجر في "لسان الميزان" (٦/ ٢١٣). وراجع العقيلي في "الضعفاء" (٤/ ٣٣٠). وأخرجه الطبراني في الاوسط "مجمع الزوائد" (١/ ٨١)، ونسبه الألباني أيضًا إلى أبي الشيخ واللالكائي في "شرح السنة" (٢/ ٥٢٥ رقم ٩٢٧) وحسنه لشواهد ذكرها في "الصحيحة (رقم ١٧٨٨).
(٢) سنده: ضعيف جدا. • علي بن محمد بن عبد الله بن محمد بن حبيب، أبو أحمد، الحبيبي، المروزي (م ٣٥١ هـ) قال الحاكم: يكذب مثل السكر. الحسنوي أحسن حالا منه. راجع "السير" (١٦/ ٤٨)، "الميزان" (٣/ ١٥٥)، "لسان الميزان" (٤/ ٢٥٨)، "الأنساب" (٤/ ٥٦)، "شذرات" (٣/ ٨). • محمد بن إبراهيم بن زياد الرازي، أبو عبد الله، الطيالسي (م ٣١٣ هـ). ضعفه أبو أحمد الحاكم، وقال الدارقطني: متروك الحديث. وكان من المعمرين. راجع "تاريخ بغداد" (١/ ٤٠٤ - ٤٠٧)، "السير" (١٤/ ٤٥٨)، ""الميزان" (٣/ ٤٤٨)، "لسان الميزان" (٥/ ٢٢ - ٢٣) "شذرات" (٢/ ٢٦٨). • يحيى بن معاذ الرازي، أبو زكريا (م ٢٥٨ هـ) من كبار مشايخ الصوفية، ومن الواعظين المعروفين. كان أوحد وقته في فنه. له كلام جيد ومواعظ مشهورة. انظر ترجمته في "طبقات الصوفية" (١٠٧ - ١١٤)، الحلية" (١٠/ ٥١ - ٧٠)، "طبقات الأولياء" (٣٢١ - ٣٢٦)، "السير" (١٣/ ١٥)، "وفيات ابن خلكان" (٦/ ١٦٥ - ١٦٨)، "تاريخ بغداد" (١٤/ ٢٠٨ - ٢١٢)، "شذرات" في (٢/ ١٣٨ - ١٣٩).
(٣) في الأصل وفي (ن) "شيء".
(٤) في (ن) والطبوعة "أن الله ﷿ هو مالكه".
(٥) في (ن) والمطبوعة "الإمام أحمد".
(٦) في الأصل "وأيش".
[ ١ / ٢٦٣ ]
قيل: قد بينا أنه أوجد العالم وأحدثه والفعل لا يصح وقوعه إلا من ذوي قدرة والقدرة (^١) لا تقوم بنفسها فوجب أنها تقوم بقادر موجود.
ولأن استحالة وقوع (^٢) الفعل من معدوم كاستحالة وقوعه لا من فاعل (فلما استحال فعل لا من فاعل استحال) (^٣) فعل من معدوم وفى ذلك دليل على وجوده.
فإن قال قائل: وما الدليل على أنه سبحانه قديم لم يزل؟
قيل: قد ثبت (^٤) أنه موجود ولو كان محدثا لتعلق بغيره لا إلى نهاية، فالموجود (^٥) لا ينفك من أن يكون قديما أو محدثا فلما فسد كونه محدثا ثبت أنه قديم.
وإن شئت قلت قد بينا احتياج المحدثات إلى مقدم يقدم ما تقدم منها ومؤخر يؤخر ما تأخر منها ومخصص يخصص بعضها ببعض الهيئات دون بعض، فلو كان الذى يفعل ذلك بها مشاركا لها فى الحدوث لشاركها في الحاجة إلى المقدم والمؤخر والمخصص ولو كان بهذا الوصف لاقتضى على محدثا قبله ويستحيل وجود محدثات واحد قبل واحد لا إلى أول لاستحالة الجمع بين الحدوث ونفي الابتداء فثبت أنه قديم لم يزل.
فإن قال قائل: فما الدليل على أنه ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض؟
قيل: لأنه لو كان جسما لكان مؤلفا والمؤلف شيئان وهو سبحانه شيء واحد ولا يحتمل التأليف. وليس بجوهر، لأن الجوهر هو الحامل للأعراض المقابل للمتضادات، ولو كان
كذلك لكان ذلك دليلا على حدوثه وهو سبحانه تعالى قديم لم يزل.
وليس بعرض لأن العرض لا يصح بقاؤه ولا يقوم بنفسه وهو سبحانه قائم بنفسه لم يزل موجودا فلا يصح عدمه.
_________________
(١) سقط من الأصل.
(٢) في (ن) والمطبوعة وجود.
(٣) العبارة بين القوسين ساقطة في الأصل.
(٤) في (ن) والمطبوعة "بينا".
(٥) في (ن) والمطبوعة "والموجود".
[ ١ / ٢٦٤ ]
فإن قال قائل: فإذا كان القديم سبحانه شيئا لا كالأشياء ما أنكرتم أن يكون جسما لا كالأجسام؟
قيل له: لو لزم ذلك للزم أن يكون صورة لا كالصور وجسدا لا كالأجساد وجوهرا لا كالجواهر فلما لم يلزم ذلك لم يلزم هذا.
وبعد: فإن الشيء سمة لكل موجود وقد سمى الله سبحانه نفسه شيئا قال الله ﷿ (^١): ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ ولم يسم نفسه جسما (ولا سماه رسول الله - ﷺ - ولا اتفق المسلمون عليه) (^٢) قال الله عز وجلا (^٣): ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
فإن قال قائل: وما (^٤) الدليل على أنه لا يشبه المصنوعات ولا يتصور في الوهم؟
قيل: لأنه لو أشبهها لجاز عليه جميع (^٥) ما يجوز على المصنوعات من سمات النقص
_________________
(١) سورة الأنعام (٦/ ١٩). وفي (ن) والمطبوعة "قال ﷿".
(٢) العبارة بين المعقوفتين تكررت في الأصل. هذا هو القول الفصل في هذا الباب وهو منهج السلف من أئمة السنة والجماعة، المعتصمين بالكتاب والسنة، المتبعين ما أنزل إليهم من ربهم وهو- كما ترر شيخ الإسلام ابن تيمية- "أن ننظر فما وجدناه الرب قد أثبته لنفسه في كتابه، أثبتناه، وما وجدناه قد نفاه عن نفسه نفيناه. وكل لفظ وجد في الكتاب والسنة بالإثبات، أثبت ذلك اللفظ، وكل لفظ وجد منفيا نفى ذلك اللفظ، وأما الألفاظ التي لا توجد في الكتاب والسنة بل ولا في كلام الصحابة والتابعين لهم باحسان، وسائر أمة المسلمن لا إثباتها ولا نفيها. وقد تنازع فيها الناس، فهذه الألفاظ لا تثبت ولا تنفى إلا بعد الاستفسار عن معانيها. فإن وجدت معانيها مما أثبته الرب لنفسه، أثبتت، وإن وجدت مما نفاه الرب عن نفسه نفيت. وإن وجدنا اللفظ أثبت به حق وباطل، أو نفي به حق وباطل، أو كان مجملا يراد به حق وباطل، وصاحبه أراد به بعضها لكنه عند الإطلاق يوهم الناس أو يفهمهم ما أراد وغير ما أراد، فهذه الألفاظ لا يطلق إثباتها ولا نفيها كلفظ "الجوهر" و"الجسم" و"التحيز" و"الجهه" ونحو ذلك من الألفاظ التي تدخل في هذا المعنى. فقل من تكلم بها نفيا أو إثباتا إلا وأدخل فيها باطلا، وإن أراد بها حقا. والسلف والأئمة كرهوا هذا الكلام المحدث لاشتماله على باطل وكذب وقول على الله ﷿". (تفسير سورة الإخلاص طبعة الدار السلفية ص ١٢٠).
(٣) سورة الأعراف (٧/ ١٨٥).
(٤) في (ن) والمطبوعة "فما".
(٥) سقطت كلمة "جميع" من النسختين.
[ ١ / ٢٦٥ ]
وأمارات الحدث والحاجة إلى محدث غيره وذلك يقتضي نفيه فوجب أنه كما وصف نفسه (^١): ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ولأنا نجد كل صنعة فيما بيننا لا تشبه (^٢) صانعها كالكتابة لا تشبه الكاتب والبناء لا يشبه الباني فدل ما ظهر لنا من ذلك على ما غاب عنا وعلمنا أن صنعة الباري لا تشبهه.
فإن قال قائل: وما الدليل على أنه قائم بنفسه، مستغن عن غيره؟
قيل: لأن خلاف (^٣) هذا الوصف يوجب حاجته إلى غيره والحاجة دليل الحدث لأنها تكون إلى وقت ثم تبطل بحدوو ضدها وما جاز دخول الحوادث عليه كان محدثا مثلها وقد قامت الدلالة على قدمه.
فإن قال قائل: وما الدليل على أنه حي عالم قادر؟
قيل: ظهور فعله دليل على حياته وقدرته وعلمه لأن ذلك لا يصح وقوعه من ميت ولا عاجز ولا جاهل به (^٤) فدل ذلك على أنه بخلاف وصف من لا يتأتى ذلك منه ولا يكون بخلاف ذلك إلا وهو حي قادر عالم.
فإن قال قائل: وما الدليل على أنه مريد؟
قيل: لأنه حي عالم ليس بمكره ولا مغلوب ولا به آفة تمنعه من ذلك وكل حي
خلا مما يضاد العلم ولم يكن به آفة تخرجه من الإرادة كان مريدا مختارا قاصدا.
فإن قال قائل: وما الدليل على أنه سميع بصير؟
قيل: لأنه حي ويستحيل وجود حي يتعرى (^٥) عن الوصف بما يدرك المسموع والمرئي أو بالآفة المانعة منه ويستحيل تخصيصه من أحد هذين الوصفين بالآفة لأنها منع والمنع يقتضي مانعا وممنوعا ومن كان ممنوعا كان مغلوبا، وذلك صفة الحدث والباري قديم لم يزل فهو سميع بصير لم يزل ولا يزال.
_________________
(١) سورة الشورى (٤٢/ ١١).
(٢) في (ن) والمطبوعة "لا يشبه".
(٣) في الأصل "خالق".
(٤) في الأصل بعده "وإذا وقع في (كذا) شيء لم يصح وقوعه من ميت ولا عاجز ولا جاهل، دل ذلك على أنه بخلاف".
(٥) في (ن) والمطبوعة "متغيري".
[ ١ / ٢٦٦ ]
فإن قال قائل: وما الدليل على أنه متكلم؟
قيل: لأنه حي ليس بساكت ولا به أفة تمنعه من الكلام وكل حي كان كذلك كان متكلما ولأنه (^١) يستحيل لزوم الخطاب ووجود الأمر عمن لا يصح منه الكلام فوجب أن يكون متكلما.
فإن قال قائل: فما (^٢) الدليل على أنه لم يزل حيا قادرا عالما مريدا سميعا بصيرا متكلما؟
قيل: لأنه لو لم يكن كذلك لكان موصوفا باضدادها من موت أو عجز أو آفة ولو كان كذلك لاستحال أن يقع منه فعل وفي صحة الفعل منه دليل على أنه لم يزل كذلك ولا يزال كذلك.
فإن قال قائل: وما الدليل على أنه حي قادر عالم مريد سميع بصير متكلم له الحياة والقدرة والعلم والإرادة والسمع والبصر والكلام؟
قيل: لأنه يستحيل إثبات موجود بهذه الأوصاف مع نفي هذه الصفات عنه، وحين لزم إثباته بهذه الأوصاف لزم إثبات هذه الصفات له قال الله ﷿ (^٣): ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ وقال تعالى (^٤): ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ وقال (^٥): ﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾. أي علمه قد أحاط بالمعلومات كلها إلى سائر الآيات التي وردت في هذا المعنى. وقال (^٦): ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾. فأثبت القوة لنفسه وهي القدرة وأثبت العلم فدل على أنه عالم بعلم قادر بقدرة ولأنه لو جاز عالم لا علم له لجاز علم ل العالم (^٧) به كما أنه لو جاز فاعل لا فعل له لجاز فعل لا لفاعل (^٨) فلما استحال فاعل لا فعل له كما استحال فعل لا فاعل له كذلك يستحيل عالم لا علم له كما يستحيل علم لا العالم (^٩).
_________________
(١) وفي (ن) والمطبوعة "ولا يستحيل".
(٢) في (ن) والمطبوعة "وما".
(٣) سورة البقرة (٢/ ٢٥٥).
(٤) سورة طه (٢٠/ ٩٨).
(٥) سورة الطلاق (٦٥/ ١٢).
(٦) سورة الذاريات (٥١/ ٥٨).
(٧) في الأصل "لا عالم".
(٨) في الأصل "لا فاعل".
(٩) في الأصل "لا عالم".
[ ١ / ٢٦٧ ]
ولأن العلم لو لم يكن شرطا في كون العالم عالما لم يضر عدمه في كل عالم حتى يصح على عالم أن يكون عالما مع عدم العلم وحين كان شرطا في كون بعضهم (^١) عالما وجب ذلك في كل عالم لامتناع اختلاف الحقائق في الموصوفين.
ولأن إحكام الفعل يمتنع مع عدم العلم منا به كما يمتنع (مع) (^٢) كوننا غير عالمين به، فكما وجب استواء جميع المحكمين في كونهم علماء كذلك يجب استواؤهم في كون العلم لهم لاستحالة وقوعه من غير ذي علم به منا كاستحالة وقوعه من غير عالم به منا.
ولأن حقيقة العلم ما يعلم به العالم وبعدمه يخرج عن كونه عالما فلو كان القديم عالما بنفسه كانت نفسه علما له ولا يجوز أن يكون العالم (^٣) في معنى العلم.
فإن عارضوا ما ذكرنا من الآيات بقول الله ﷿ (^٤): ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾. قلنا: لسنا نقول إن الله ذو علم على التنكير (^٥) وإنما نقول: إنه ذو العلم على التعريف كما نقول إنه ذو الجلال والإكرام على التعريف ولا نقول إنه ذو جلال واكرام على التنكير. فمعنى الآية إذا "وفوق على ذي علم محدث من هو أعلم منه".
فإن قالوا: فيقولون: إن علمه قديم وهو قديم؟ قيل: من أصحابنا من لا يقول ذلك مع إثباته له أزليا ومنهم من يقول ذلك ولا يجب به الاشتباه، لأن القديم هو المتقدم في وجوده بشرط المبالغة والتقدم في الوجود هو الوجود، والوجود لا يوجب (^٦) الاشتباه عند أحد فكذلك التقدم في الوجود لا يوجب الاشتباه ولأن القدم وصف مشترك (^٧) يقال "شيخ قديم" و"بناء قديم" و"عرجون قديم". فالاشتباه لا يقع بالاشتراك في الوصف المشترك. ولأنه لو كان الاشتباه يقع بالاشتراك في القدم لكان يقع بالاشتراك في الحدث فلما لم قع بالاشتراك في الحدث لم قع بالاشتراك في القدم.
_________________
(١) في الأصل "في كون العالم عالما".
(٢) سقط من الأصل.
(٣) في (ن) والمطبوعة "العامل".
(٤) سورة يوسف (١٢/ ٧٦). وفي (ن) والطبوع "بقوله ﷿".
(٥) انظر "الأسماء والصفات" (١٥٢).
(٦) في الأصل "لا تجب".
(٧) في (ن) والمطبوعة "وصف اسم مشترك".
[ ١ / ٢٦٨ ]
ولأن عندنا حقيقة المشتبهين هما الغيران اللذان يجوز على أحدهما جميع ما يجوز على صاحبه وينوب منابه وصفات الله تعالى ليست بأغيار له.
فإن قالوا: لو كان له علم لم يخل من أن يكون هو أو غيره أو بعضه؟
قيل: هذه دعوى بل ما ينكر من علم لا يجوز أن يقال هو هو لاستحالة أن يكون العلم عالما، ولا يجوز أن يقال غيره لاستحالة مفارقته له ومعنى الغيرين ما لا يستحيل مفارقة أحدهما لصاحبه بوجه ولا يجوز أن يقال بعضه إذ ليس الموصوف به متبعضا.
فإن قال (^١): لو كان له علم لكان عرضا مكتسبا أو مضطرا إليه وكان اعتقادا من جنس علومنا (^٢) لأن ذلك حكم (^٣) العلم المعقول.
قيل: ليس الأمر كذلك لأن العلم لم يكن علما لأنه عرض أو بصفة (^٤) مما ذكرتم وإنما كان (^٥) علما لأن العالم به (^٦) يعلم ثم ينظر (^٧) فإن كان العلم محدثا كان علمه عرضا مكتسبا أو مضطرا إليه. وإن لم يكن محدثا لم يصح وصفه بما يوجب الحدث ولما وجب أن يكون عالما غير معتقد ولا مكتسب ولا مضطر وجب أن يكون له علم لا يصح وصفه بشيء مما ذكرتم.
فإن قالوا: لو كان عالما بعلم لكان محتاجا إلى علمه.
قيل: لا تجوز عليه الحاجة لأنه غني ليس علمه ولا سائر صفاته الذاتية أغيارا له ولا أبعاضا- حتى يصح وصفه بالحاجة إلى غيره أو إلى بعضه. فإن قالوا: فيقولون إن علمه علم بكل ما يصح أن يعلم.
قيل: كذلك نقول، ولذلك وصف الله تعالى علمه فقال (^٨): ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ
_________________
(١) وقبله في (ن) والمطبوعة: وأخبرنا الشيخ الإمام أبو بكر أحمد بن الشيخ الحسين بن علي البيهقي ﵁، قال".
(٢) وفي (ن) والمطبوعة "فإن قيل".
(٣) في (ن) والمطبوعة "جنس العلم".
(٤) كذا في الأصل. وفي النسختين "نصفه".
(٥) وفي (ن) والمطبوعة "وإن كان".
(٦) في الأصل "العلم".
(٧) في الأصل "يضطر".
(٨) سورة الطلاق (٦٥/ ١٢).
[ ١ / ٢٦٩ ]
﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ وأما غير الله ﷿ فإنه لا يصح أن يكون عالما بكل معلوم فلم يصح أن يكون له علم بذلك، فالله ﷾ يجب كونه عالما بكل معلوم وكذلك يجب أن يكون علمه علما بكل ما يصح أن يعلم. والكلام في سائر الصفات الذاتية كالكلام في العلم، ولا يجوز في شيء من ذلك أن يقال إنه يجاوره (^١) لأن المجاورة تقتيها المماسة أو القاربة في المكان، وذلك (^٢) صفة للأجسام التي هي محل الحوادث، ولا يقال إنها تحله، لأن الحلول يقتضي المجاورة وقد قامت الدلالة على بطلانها، ولا يقال إنها تخالفه أو تفارقه، لأن المفارقة والمخالفة فرع للغيرية والتغاير بينه وبين صفاته محال، ولا يقال إنه ملكه، لأن ما يملك يصح أن يفعل، وصفاته أزلية لا يصح أن تفعل، ولا يقال في صفات ذاته إنها في أنفسها مختلفة لا متفقة لأنها ليست بمتغايرة.
ولا يقال إنها مع الله أو في الله بل هي مختصة بذاته قائمة به لم يزل كان (^٣) موصوفا بها ولا يزال هو موصوفا بها. وللّه تعالى صفات خبرية (^٤) منها الوجه واليد وطريق إثباتها ورود خبر الصادق بها فنثبتها ولا نكيفها، وأما صفات الفعل كالخلق والرزق فإنها أغيار (^٥) وهي فيما لا يزال ولا يصح وصفه بها في الأزل، وأبى المحققون من أصحابنا أن يقولوا (فى) (^٦) اللّه جل ثناؤه أنه لم يزل خالقا ورازقا، ولكن يقولون: خالقنا لم يزل ورازقنا لم يزل قادرا على الخلق والرزق، لأنه لم يخلق في الأزل ثم خلق، وإذا سمي خالقا بعد وجود الخلق لم يوجب ذلك تغيرا في ذاته كما أن الرجل إذا سمي أبا بعد أن لم يسم أبا لم يوجب ذلك تغيرا في نفسه ومن أصحابنا من قال: يجوز القول بأنه لم يزل خالقا رازقا على معنى أنه سيخلق وسيرزق وبالله التوفيق.
_________________
(١) كذا في الأصل. و(ن) وفي المطبوعة "يحاوزه".
(٢) في الأصل "كذلك".
(٣) زيادة من الأصل.
(٤) راجع "الاعتقاد" (ص ٤٠).
(٥) في المطبوعة "اعتبار".
(٦) زيادة يقتضيها السياق.
[ ١ / ٢٧٠ ]
[١٢١] أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق، أخبرنا أبو الحسن الطرائفي، حدثنا عثمان بن سعيد الدارمي، حدثنا عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵁ في قوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ (^١) هل تعلم للرب (^٢) ﷿ مثلا أو شبها.
[١٢٢] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب "ح" وأخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان، حدثنا علي بن عبد الرحمن بن عيسى بن ماتي قالا: حدثنا أحمد بن حازم بن أبى غرزة الغفاري، حدثنا خالد بن يزيد، حدثنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵁ في قوله ﷿ ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾. قال: ليس أحد يسمى الرحمن غيره.
_________________
(١) إسناده: لا بأس به. وفيه انقطاع. • عبد الله بن صالح بن محمد بن مسلم، الجهني، أبو صالح المصرى، (م ٢٢٢ هـ). كاتب الليث. صدوق، كثير الغلط، ثبت في كتابه، وكانت فيه غفلة. من العاشرة (خت د ت ق) • معاوية بن صالح بن حدير (بالمهملة مصغرا) الحضرمي، أبو عمرو أو أبو عبد الرحمن الحمصي (م ١٥٨ هـ). قاضي الأندلس. صدوق، له أوهام. من السابعة (م-٤). • علي بن أبي طلحة سالم. مولى بني العباس (م ١٤٣ هـ). أرسل عن ابن عباس ولم يره. صدوق، قد يخطئ. من السادسة (م د س ق). والحديث في "الأسماء والصفات" (٣٥٥)، وفي "الاعتقاد" (١٥) بنفس السند، وإسناده حسن لا بأس به. عبد الله بن صالح تكلم فيه واحتج به البخاري. ومن طريقه أخرج ابن جرير الطبري هذا الخبر في "تفسيره" (١٦/ ١٠٦).
(٢) سورة مريم (١٩/ ٦٥).
(٣) في (ن) والمطبوعة "للذات".
(٤) إسناده: رجاله ثقات. • أبو الحسن بن الفضل القطان هو محمد بن الحسن بن محمد بن الفضل، البغدادي (م ٤١٥ هـ). الشيخ العالم المسند، مجمع على ثقته. ترجمته في "تاريخ بغداد" (٢/ ٢٤٩ - ٢٥٠)، "السير" (١٧/ ٣٣١)، "شذرات" (٣/ ٢٠٣). • خالد بن يزيد بن زياد الأسدي، الكاهلي، أبوالهيثم، الطبيب الكوفي (م ٢١٢ أو ٢١٥ هـ) صدوق، مقرئ، له أوهام. من العاشرة (خ). والأثر رجال إسناده ثقات، وقد أخرجه المؤلف من طريق الحاكم في كتابه "الأسماء والصفات" (٧٢) وهو في "المستدرك" (٢/ ٣٧٥)، وقال الحاكم: صحمِح الإسناد. وأقره الذهبي.
[ ١ / ٢٧١ ]