قال الله ﷿: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ (^٢)
وقال: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ (^٣).
وقال: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ (^٤).
وقد ورد عن النبي - ﷺ - في عدد الكبائر ما:
_________________
(١) زيادة في الأصل وهو في رواية أحمد والترمذي.
(٢) سورة الأعراف (٧/ ٣٧).
(٣) سورة النساء ٤١/ ٣١).
(٤) سورة النجم (٥٣/ ٣٢).
[ ١ / ٤٤٩ ]
[٢٨٠] أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق المزكي، أخبرنا أبو الحسين أحمد بن عثمان الأدمي، حدثنا أبو إسماعيل الترمذي، حدثنا الأويسي، حدثنا سليمان بن بلال، عن ثور بن زيد، عن أبي الغيث، عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: "اجْتَنِبوا السَّبعَ إلْمُوبِقاتِ قالوا: يا رسول اللّه وَمَا هُن قال: الشرْك بالله، والسحر، وقَتْل النفْس التي حرّم الله إلاّ بالحق، وَأَكْلُ الربَا، وأَكْلُ مال اليتيم، والتَوَلي يَومَ الزحفِ، وَقَذف المْحْصنَات المؤمِناتِ الْغَافلات".
رواه البخاري في الصحيح (^١) عن عبد العزيز بن عبد الله الأويسي.
وأخرجه مسلم (^٢) من وجه آخر عن سليمان.
_________________
(١) إسناده: رجاله ثقات. • أبو زكريا بن أبي إسحاق فو يحيى بن إبراهيم بن محمد بن يحيى. • أبو إسماعيل الترمذى، محمد بن إسماعيل بن يوسف السُلمي (م ٢٨٠ هـ). الإمام، الحافظ، الثقة، عُني بهذا الشأن وجمع وصنف، وطال عمره، ورحل الناس إليه. قال النسائي: ثقة، وقال الدارقطني، ثقة صدوق، تكلم فيه أبو حاتم. قال الذهبي: انبرم الحال على توثيقه وإمامته. ترجمته في "الجرح والتعديل" (٧/ ١٩٠ - ١٩١)، "تاريخ بغداد" (٢/ ٤٢ - ٤٤)، "طبقات الحنابلة" (١/ ٢٧٩ - ٢٨٠)، "السير" (١٣/ ٢٤٢)، "التذكرة" (٢/ ٦٠٤)، "الوافي" (٢/ ٢١٢)، "طبقات المفسرين" (٢/ ١٠٨)، "شذرات" (٢/ ١٧٦). • الأويسي، عبد العزيز بن عبد الله بن يحيى بن عمرو بن أويس، أبو القاسم المدني. ثقة. من كبار العاشرة (خ، دت، ق). • ثور بن زيد الديلي (بكسر المهملة بعدها تحتانية) المدني (م ١٣٥ هـ). ثقة. من السادسة (ع). • أبو الغيث، سالم مولى ابن مطيع، المدني. ثقة. من الثالثة (ع).
(٢) في الوصايا (٣/ ١٩٥)، وفي الحدود (٨/ ٣٣) وأخرجه في الطب (٧/ ٢٩) مختصرا.
(٣) في الإيمان (١/ ٩٢) عن هارون بن سعيد الأيلي حدثنا ابن وهب عن سليمان به. كما أخرجه أبو داود في الوصايا (٣/ ٢٩٤ رقم ٢٨٧٤) والنسائي في الوصايا أيضًا (٦/ ٢٥٧) والطحاوي في مشكل الأثار (١/ ٣٨٢) وابن منده في كتاب الإيمان (٢/ ٥٤٩) والسهمي في تاريخ جرجان (ص ٥٧٦) والمؤلف في سننه (٨/ ٢٠) وفي الاعتقاد (١٤٢ - ١٤٣) من طريق ابن وهب عن سليمان به. =
[ ١ / ٤٥٠ ]
قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: وليس في تقييده ذلك بالسبع منع الزيادة عليهن، وإنما فيه تأكيد اجتنابهن ثم قد ضم إليهن غيرهن.
روينا عن (^١) عبيد بن عمير عن أبيه عن النبي - ﷺ -: "الكَبَائِرَ تسع".
فذكرهن وذكر معهن: "عقوق الوالدين، واستحلال البيت الحرام".
وفي الحديث الثابت عن أنس بن مالك (^٢) ﵁ أن النبي - ﷺ - سئل عن الكبائر فقال: "الشرك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين، وقال: ألّا أُنبِّئكُمْ بأكبر الكبائر: قول الزور- أو قال- شهادة الزور بدل "قول الزور".
وروي في الحديث الثابت عن عبد الله بن عمرو قال: (جاء أعرابي إلى رسول الله - ﷺ - فقال: ما الكبائر؟ قال: "الإشراك بالله" قال: ثم ماذا؟ قال: "عقوق الوالدين". قال: ثم ماذا؟ قال:) (^٣) "اليمين الغموس".
وفي الحديث الثابت (^٤) عن عبد الله بن عمرو عن النبي - ﷺ - قال: "من الكبائر شتمُ الرجل والديه وقالوا: يا رسول الله، وهل يشتمُ الرجلُ والدَيه؟ قال: نعم، يسُبّ أبا الرجل (^٥) فيسُب أباه، ويسُبّ أمه فيسُب أمّه".
_________________
(١) = وأخرجه المؤلف في المدخل بنفس السند (هـ ٢٣٩) وفي سننه (٦/ ٢٨٤، ٨/ ٢٤٩، ٩/ ٧٦) من وجه آخر عن عبد العزيز الأويسي به. وسيأتي هذا الحديث في الباب الثامن والعشرين في "الثبات للعدو". وفي الرابع والأربعين في "تحريم أعراض الناس".
(٢) أخرجه المؤلف في "السنن، (٣/ ٤٠٨ - ٤٠٩، ١٠/ ١٨٦). وأخرجه أبو داود (٣/ ٢٩٥) رقم ٢٨٧٥) والطحاوي في مشكل الآثار (١/ ٣٨٣ - ٣٨٤) والحاكم (١/ ٥٩، ٤/ ٢٥٩) والطبراني في الكبير (١٧/ ٤٧) وفي عبد الحميد بن سنان. قال البخاري: في حديثه نظر، راجع "الميزان" (٢/ ٥٤١ - ٥٤٢). وله شاهد من حديث ابن عمر أخرجه البيهقي في سننه (٣/ ٤٠٩) والطبري في تفسيره (٥/ ٣٩). وأخرجه النسائي (٧/ ٨٩) والطبراني في الكبير (١٧/ ٤٨) بلفظ "الكبائر سبع … ".
(٣) سيذكر المؤلف هذا الحديث في الباب الرابع والثلاثين في حفظ "اللسان".
(٤) ما بين القوسين سقط من (ن) والمطبوعة. وسيذكره المؤلف أيضًا في الباب الرابع والثلاثين.
(٥) سيأتي أيضًا في الباب (٣٤).
(٦) في الأصل و(ن) "أبي الرجل".
[ ١ / ٤٥١ ]
وفي الحديث الثابت (^١) عن عبد الله بن مسعود قال:
قلت يا رسول الله أي الذنوب (^٢) أعظم عند الله ﷿؟ قال: "أن تجعلَ لله ندًّا وهو خلقكَ" قلت: ثم ماذا؟ قال: "أن تقتل ولدك خشيهْ أنْ يطعم" قلت: ثم ماذا: قال: "أنْ تزاني حليلة جارك".
وفي الحديث الثابت عن عبادة بن الصامت (^٣) أن رسول الله - ﷺ - قال وحوله عصبة من أصحابه:"بَايَعُوني على أنْ لا تُشركوا بالله شيئًا، ولا تَسرقوا، ولا تزنوا، ولا تَقْتلُوا أولادكم، ولا تأتوا ببُهتان، ولا تعصُوْا في معروف".
وقد ورد في الكتاب تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير وسائر ما ذكر معهما، وورد فيه تحريم الخمر والميسر، وورد. فيه تحريم أكل مال اليتيم، وتحريم أكل الأموال بالباطل، وتحريم قتل النفس، وتحريم الزنا والسرقة، وغير ذلك. وهو في مواضعه مذكور.
وورد في السنة حديث جابر بن عبد الله عن النبي - ﷺ -: "ليس بين العبد وبين الشرك إلّا ترك الصلاة" (^٤).
إنما أراد والله أعلم تخصيص الصلاة بوجوب القتل بتركها.
وقد أورد الحليمي (^٥) ﵀ بعض ما أوردناه ثم قال: وإذا تتبع ما في الكتاب
والسنة من المحرمات كثر (^٦) وإنما أوردنا هذا لنبين الصغائر والكبائر بيانًا حاويًا نأتي به
على ما نحتاج إليه في هذا الباب بإذن الله.
_________________
(١) سيأتي في الباب السادس والثلاثين في تحريم النفوس والجنايات عليها.
(٢) في الأصل "الذنب".
(٣) سيأتي بسند كامل وسيأتي تخريجه هناك.
(٤) أخرجه مسلم (١/ ٨٨) وأبو داود (٥/ ٥٨ رقم ٤٦٧٨) والترمذي (٥/ ١٣ رقم ٢٦٢١) والنسائي (١/ ٢٣٢) وابن ماجه (١/ ٣٤٢ رقم ١٠٧٨) والدارمي (هـ ٢٨٠) وأحمد في "مسنده" (٣/ ٣٨٩) وأبو يعلى في مسنده (٣/ ٣١٨ رقم ١٧٨٣، ٤٥٦ رقم ١٩٥٣: ٤/ ٧٩ رقم ٢٩٠٢) والطبراني في الصغير (١/ ١٣٤، ٢/ ١٤) وابن منده في كتاب الإيمان (٢/ ٢٨٣) وهو عند المؤلف في السنن (٣/ ٣٦٦).
(٥) راجع "المنهاج" (١/ ٣٩٧ - ٤٠٠).
(٦) في المطبوعة "كثيرة".
[ ١ / ٤٥٢ ]
فنقول: قتل النفس بغير حق كبيرة فإن كان المقتول أبا أو ابنًا أو ذا رحم من الجملة أو أجنبيًّا متحرمًا بالحرم وبالشهر الحرام فهو فاحشة.
وأما الخدشة والضربة بالعصا مرة أو مرتين فمن الصغائر.
والزنا كبيرة فإن كان (^١) بحليلة الجار أو بذات محرم أو لا بواحدة من هاتين ولكن يأتيه (^٢) في شهر رمضان أوفي البلد الحرام فهو فاحشة.
قال اللّه ﷿: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (^٣).
وأما ما دون الزنا الموجب للحد فإنه من الصغائر فإن كان مع امرأة الأب أو حليلة الابن أو مع أجنبية أثم (^٤)، لكن على سبيل القهر والإكراه كان كبيرة.
وقذف المحصنات كبيرة وإن كانت المقذوفة أمًّا أو أختًا أو امرأة زانية (^٥) كان فاحشة.
وقذف الصغيرة والمملوكة والحرة المتهتكة من الصغائر، وكذلك القذف بالخيانة والكذب والسرقة.
والفرار من الزحف كبيرة فإن كان من واحد أو اثنين ضعيفين وهو أقوى منهما، أو اثنين حملا عليه بلا سلاح وهو شاك السلاح فذلك فاحشة.
وعقوق الوالدين كبيرة فإن كان مع العقوق سب أو شتم أو ضرب فهو فاحشة، وإن كان العقوق بالاستثقال لأمرهما ونهيهما والعبوس فيوجوههما والتبرم بها مع بذل الطاعة ولزوم الصمت فهذا من الصغائر، فإن كان ما يأتيه من ذلك يلجئهما إلى أن ينقبضا عنه فلا يأمرانه ولا ينهيانه، ويلحقهما من ذلك ضرر، فهذا كبيرة.
والسرقة من الكبائر، وأما أخذ المال في قطع الطريق فاحشة، ولذلك تقطع يد السارق وتقطع يد المحارب ورجله من خلاف.
_________________
(١) وفي (ن) والمطبوعة "وإن كانت".
(٢) وفي (ن) والمطبوعة (الحربانه) وفي الأصل (ولكن يانه) وفي "المنهاج" "ولكن يأثم" ولعل ما أثبته هو الصواب.
(٣) سورة الحج (٢٢/ ٢٥).
(٤) وفي الأصل (أيم).
(٥) كذا في النسخ المتوفرة لدينا ولا وجه له. وفي "المنهاج" "أو امرأة فإنه" ولعله "أو امرأة لأبيه".
[ ١ / ٤٥٣ ]
وقتل النفس في قطع الطريق فاحشة، ولذلك لا يعمل عفو الوالي عنه إذا قدر عليه قبل التوبة.
وسرقة الشيء التافه صغيرة، فإن كان المسروق منه مسكينًا لا غنى به عما أخذ منه فذلك كبيرة، وإن لم يكن على السارق الحد.
وأخذ أموال الناس بغير حق كبيرة فإن كان المأخوذ ماله مفتقرًا، أو كان أبا الآخذ أو أمه، أو كان الآخذ بالاستكراه والقهر فهو فاحشة، وكذلك إن كان على سبيل القمار فإن كان المأخوذ شيئًا تافهًا والمأخوذ منه غنيًّا لا يتبين (^١) عليه من ذلك (ضرر) (^٢) فذلك صغيرة.
وشرب الخمر من الكبائر، فإن استكثر الشارب منه حتى سكر أو جاهر به فذلك من الفواحش فإن مزج خمرًا بمثلها من الماء، فذهبت شرتها وشدتها فذلك من الصغائر.
وترك الصلاة من الكبائر فإن صار عادهّ فهو من الفواحش، فإن كان أقامها ولم يؤتها حقها من الخشوع لكنه التفت فيها، أو فرقع أصابعه، أو استمع إلى حديث الناس، أو سوّى الحصى (أو أكثر من مس الحصى) (^٣) من غير عذر فذلك من الكبائر، فإن اتخذه عادة فهو من الفواحش.
وإن ترك إتيان الجماعة لغيرها فهو من الصغائر فإن اتخذ ذلك عادة وقصد به مباينة الجماعة والانفراد عنهم فذلك كبيرة، وإن اتفق على ذلك أهل قرية أو أهل بلد فهو من الفواحش.
ومنع الزكاة كبيرة ورد السائل صغيرة، فإن اجتمع على منعه، أو كان المنع من واحد إلا أنه زاد على المنع الانتهار والإغلاظ فذلك كبيرة، وهكذا إن أتى محتاج (^٤) رجلًا موسعًا على الطعام فرأه فتاقت إليه نفسه فسأله منه فرده فذلك كبيرة.
_________________
(١) كذا في النسخ ولعله "لا يتعين".
(٢) زيادة من "المنهاج" لا بد منها.
(٣) ما بين القوسين سقط من (ن) والمطبوعة.
(٤) كذا في "المنهاج". وفي النسخ "إن رأى محتاجًا رجلًا".
[ ١ / ٤٥٤ ]
قال: والأصل (^١) في هذا الباب أن على محرم بعينه منهي عنه لمعنى في نفسه فإن تعاطيه كبيرة، وتعاطيه على وجه يجمع وجهين أو أوجهَا من التحريم فاحشة، وتعاطيه على وجه يقصر به (^٢) عن رتبة المنصوص أو تعاطي ما دون النصوص الذي لا يستوفي معنى النصوص أو تعاطي المنصوص الذى نهي عنه لئلا يكون ذريعة إلى غيره فهذا كله من الصغائر.
_________________
(١) أي الحليمي في "المنهاج" (١/ ٣٩٩) وذكر قوله هذا الحافظ ابن حجر في فتح الباري حن ذكر أقوال العلماء في ضبط الكبيرة فقال: قال النووي: واختلفوا في ضبط الكبيرة اختلافَا كثيرًا منتشرَا فروي عن ابن عباس: أنها على ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب. قال: وجاء نحو هذا عن الحسن البصري وقال أخرون: هي ما أوعد الله عليه بنار في الآخرة أو أوجب فيه حدًا في الدنيا. قلت: وممن نص على هذا الأخير الإمام أحمد فيما نقله القاضي أبو يعلى، ومن الشافعية الماوردي ولفظه: الكبيرة ما وجبت فيه الحدود، أو توجه إليها الوعيد. والمنقول عن ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند لا بأس به إلا أن فيه انقطاعًا. وأخرج من وجه أخر متصل لا بأس برجاله أيضًا عن ابن عباس قال: على ما توعد الله عليه بالنار كبيرة. وقد ضبط كثير من الشافعيه الكبائر بضوابط أخرى منها قول إمام الحرمين: على جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين ورقة الديانة. وقول الحليمي: على محرم لعينه منهي عنه لمعنى في نفسه. وقال الرافعي: هي ما أوجب الحد. وقيل: ما يلحق الوعيد بصاحبه بنص كتاب أو سنة. وهذا أكثر ما يوجد للاصحاب، وهم إلى ترجيح الأول أميل. لكن الثاني أوفق وذكره عند تفصيل الكبائر. انتهى كلامه، وقد استشكل بأن كثيرًا مما وردت النصوص بكونه كبيرة لا حد فيه كالعقوق. وأجاب بعض الأئمة بأن مراد قائله ضبط ما لم يرد في نص بكونه كبيرة. وقال ابن عبد السلام في "القواعد" لم أقف لأحد من العلماء على ضابط للكبيرة، لا يسلم من الاعتراض والأول ضبطها بما يعر بتهاون مرتكبها بدينه إشعارًا دون الكبائر المنصوص عليها. قلت: وهو ضابط جيد. وقال القرطبي في المفهم: الراجح أن كل ذنب نص على كبره أو عظمه أو توعد عليه بالعقاب أو علق عليه حد أو شدد النكير عليه فهو كبيرة. انتهى كلام الحافظ في فتح الباري (١٠/ ٤١٠ - ٤١١).
(٢) في (ن) "وتعاطيه على وجه يقتضي تقصر به".
[ ١ / ٤٥٥ ]
وتعاطي الصغير على وجهه يجمع وجهين أو أوجهًا من التحريم كبيرة، ومثال ذلك موجود فيما مضى ذكره وأعاده هاهنا، وزاد فيما ذكره من الذريعة أن يدل رجلًا على مطلوب ليقتل ظلمًا، أو يحضره سكينًا وهذا يحرم لقوله: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (^١).
لكنه من الصغائر لأن النهي عنه لئلا يكون ذريعة للظالم إلى التمكن من ظلمه وكذلك سؤال الرجل لغيره الذي لا يلزمه طاعة أن يقتل آخر ليس من الكبائر لأنه ليس فيه إلا إرادة هلاكه من غير أن يكون معها فعل والله أعلم.
قال البيهقي ﵀: وقد نجد اسم الفاحشة واقعًا على الزنا وإن لم ينضم إليه
زيادة حرمة لكنه لما رأى الله ﷿ فرق بين الكبائر والفواحش في الذكر فرق هو أيضًا بينهما فكل ما كان (^٢) أفحش ذكرًا جعله زائدًا على الكبيرة والله أعلم.
وقد فسر مقاتل بن سليمان الكبائر بكل ذنب ختم بالنار، والفواحش ما يقام فيه الحد في الدنيا، ودل كلام الحليمي ﵀ وغيره من الأئمة على أن الإصرار على الصغيرة كبيرة (^٣).
وقد وردت أخبار وحكايات في (^٤) التحريض على اجتناب الصغائر خوفًا من الإصرار عليها فتصير من الكبائر.
[٢٨١] أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك ﵀، حدثنا عبد الله بن جعفر
_________________
(١) سورة المائدة (٥/ ٢).
(٢) في الأصل و(ن) "فكل مكان".
(٣) وذكر السيوطي في "الدر المنثور" (٣٢٩/ ٢) برواية ابن أبي الدنيا في التوبة والمؤلف عن ابن عباس قال: على ذنب أصر عليه العبد كبير، وليس بكبير ما تاب منه العبد. وروي عنه أنه قال: لا صغيرة مع إصرار. راجع "الدر المنثور" (٢/ ٥٠٠).
(٤) في (ن) والمطبوعة "على التحريض".
(٥) إسناده: حسن. • يونس بن حبيب: أبوب بشر الأصفهاني (م ٢٦٧ هـ). روى عن أبي داود الطيالسي "المسند". قال ابن أبي حاتم: كتبت عنه، وهو ثقة. وكان يونس محتشمًا عظيبم القدر بأصبهان، موصوفًا بالدين والصيانة والصلاح. ترجمته في"الجرح والتعديل" (٩/ ٢٣٧ - ٢٣٨)، "ذكر أخبار أصبهان" (٢/ ٣٤٥)، =
[ ١ / ٤٥٦ ]
الأصبهاني، حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود، حدثنا عمران القطان، عن قتادة، عن عبد ربه، عن أبي عياض عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله - ﷺ - قال: "إياكم ومحقرات الأعمال إنّهُن يجتمعن كل الرَّجُلِ حتّى يهلكنه (^١)، وإن رسول الله - ﷺ - ضرب لهن مثلًا كمثل قوم نزلُوا بارض فلاة فحضر صنيع القوم، فجعل الرجل يجيء بالعود، والرجل يجيء بالعويد حتى جمعوا من ذلك سوادَا، ثم أججوا نارًا فأنضجت ما قذف فيها".
_________________
(١) = "السير" (١٢/ ٥٩٦)، "شذرات" (٢/ ١٥٢). • وأبو داود هو الطيالسي صاحب "المسند" واسمه سليمان بن داود بن الجارود، البصري (م ٢٠٤ هـ). ثقة حافظ، غلط في أحاديث. من التاسعة (خت م-٤). • عمران القطان، عمران بن داور أيوالعوام، البصري. صدوق يهم، ورُمي برأي الخوارج من السابعة (خت-٤). • عبد ربه بن أبي يزيد- ويقال ابن يزيد. مستور من الرابعة (د، س). قال ابن المديني عبد ربه الذي روى عنه قتادة مجهول لم يرو عنه غير قتادة. وقال البخاري في "تاريخه": نسبه همام. • أبو عياض: عمرو بن الأسود العنسي. ثقة عابد من كبار التابعين مخضرم (خ، م، د، هـ، ق).
(٢) في (ن) تهلكه. والحديث أخرجه الطيالسي في "مسنده" (٥٣) ومن طريقه أحمد في "مسنده" (١/ ٤٠٢) وأبو الشيخ في "الأمثال" (٢١٥ رقم ٣١٩). وأخرجه الطبراني في "الكبير"، (١٠/ ٢٦١ رقم ١٠٥٠٠) وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح غير عمران القطان وقد وثقه جمع (مجمع الزوائد (١٠/ ١٨٩). (قلت) وفيه عبد ربه وهو مستور. وقال العراقي: إسناده جيد، وقال ابن حجر: سنده حسن، (راجع فيض القدير ٣/ ١٢٨) وكذا قال الألباني (صحيح الجامع الصغير ٢٦٨٤). وهو عند المؤلف في "سننه" (١٠/ ١٨٧ - ١٨٨) بنفس السند. وله شاهد من حديث سهل بن سعد ومن حديث عائشة سيذكرهما المؤلف بسنده في الباب (٤٧) في "فصل محقرات الأعمال".
[ ١ / ٤٥٧ ]
[٢٨٢] أخبرنا أبو الحسن بن بشران، أخبرنا دعلج بن أحمد بن دعلج، حدثنا محمد بن إسماعيل بن مهران الإسماعيلي، حدثنا عمرو بن عثمان، حدثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، قال سمعت بلال بن سعد يقول: "لا تَنظر إلى صِغَر الخَطيئة، ولكن انظرْ مَنْ عَصتَ".
_________________
(١) إسناده: حسن. • دعلج بن أحمد بن دعلج بن عبد الرحمن، أبو محمد السجستاني (م ٣٥١ هـ). التاجر، ذو الأموال العظيمة. سمع ما لا يوصف كثرة بالحرمين، والعراق وخراسان، والنواحي حال جولانه في التجارة. كانت له صدقات جارية على أهل الحديث، وهو ثقة صدوق. قال الدارقطني: ما رأيت في مشايخنا أثبت من دعلج. ترجمته في "تاريخ بغداد" (٨/ ٣٨٧ - ٣٩٢)، "وفيات الأعيان" (٢/ ٢٧١ - ٢٧٢)، "التقييد" (١/ ٣٢٢)، "السير" (١٦/ ٣٠ - ٣٥)، "التذكرة" (٣/ ٨٨١ - ٨٨٢)، ""شذرات" (٣/ ٨). • محمد بن إسماعيل بن مهران، أبو بكر النيسابوري المعروف بالإسماعيلي (م ٣٩٥ هـ). الإمام الحافظ الرحال الثقة، وهو أقدم من شيخ الشافعية بجرجان أبي بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي. قال الحاكم: هو أحد أركان الحديث بنيسابور، كثرة ورحلة واشتهارًا وهو مجّود عن المصريين والشاميين، ثقة، مأمون. ترجمته في "السير" (١٤/ ١١٧ - ١١٨)، "التذكرة" (٢/ ٦٨٢ - ٦٨٣)، و"الميزان" (٣/ ٤٨٥)، "لسان الميزان" (٥/ ٨١ - ٨٢)، "شذرات" (٢/ ٢٢١). • عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار، أبوحفص الحمصي (م ٢٥٠ هـ). صدوق، من العاشرة (د، س، ق). • الأوزاعي، عبد الرحمن بن عمرو، أبو عمرو الإمام (م ١٥٧ هـ). ثقة، جليل، من الأئمة الفقهاء. من السابعة (ع). • بلال بن سعيد بن تيم. الأشعري، أو الكندي، أبو عمرو، أو أبو زرعة الدمشقي ثقة، عابد فاضل. من الثالثة (بخ، قد، س). له ترجمة فى "حلية الأولياء" (١/ ٢٥٢ - ٢٣٤)، و"سير أعلام النبلاء" (٥/ ٩٠ - ٩٢) وانظر مصادر ترجمته هناك. وانظر قوله في "الحلية" (٥/ ٢٢٣)، "السير" (٥/ ٩١).
[ ١ / ٤٥٨ ]
[٢٨٣] أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال سمعت منصور بن عبد الله، يقول سمعت أبا العباس بن عطاء يقول: "تَولدَ ورعُ المتورعين من ذكر الذرَّة والخردلة (^١) وإنّ ربّنا (الذي) يحاسب على اللحظة والهَمْزَة واللمْزَة لمستقص في المحاسبة، وأشدُ منه أن يُحاسِبه على مقادير الذَّزَّة وأوزان الخردلة ومن يكون هكذا (^٢) حسابه لحريُّ أن يُتقى".
[٢٨٤] أخبرنا أبو الحسن بن الفضل القطان، حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا يعقوب بن سفيان، حدثنا زيد بن بشر، أخبرنا وهب، حدثنا ابن زيد وذكر عمر وأبا بكر ابني المنكدر (^٣) قال: فلما حضر أحدهما الوفاة بكى فقيل له: ما يبكيك؟ إن كنا لنغبطك لهذا اليوم! قال: أما والله ما أبكي أن أكون أتيت شيئًا ركبته من معاصي الله اجتراء على الله، ولكني أخاف أن أكون أتيت شيئًا أحسبه هيّنَا وهو عند الله
_________________
(١) إسناده: شيخ البيهقي تكلم فيه. • أبو العباس بن عطاء هو أحمد بن محمد بن سهل بن عطاء الأدمي، من مشايخ الصوفية وعلمائهم. مّر.
(٢) في الأصل والمطبوعة "الخردة".
(٣) وفى (ن) "هذا"
(٤) إسناده: لم أعرف بعض رجاله. • زيد بن بشر، أبوالبشر الأزدي- ويقال الحضرمي- المالكىِ (م ٢٤٢ هـ). كان من أكبر تلامذة ابن وهب. قال أبو زرعة: رجل صالح عاقل، خرج إلى المغرب فمات هناك وهو ثقة. راجع "الجرح والتعديل" (٣/ ٥٥٧)، "السير" (١١/ ٥٢١). • ابن وهب. عبد الله، أبو محمد المصري، مرّ (ع). • ابن زيد، لم أهتد إلى تعيينه فهناك عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (ت، ق)، وأخوه أسامة بن زيد بن أسلم (ق)، وأسامة بن زيد الليثي (خت م-٤)، وعمر بن محمد بن زيد العدوي (خ، م، دس، ق). وكلهم يروي عنه ابن وهب. • وأبو بكر وعمر هما أخوا محمد بن المنكدر بن عبد الله بن الهدير، التيمي، المدني. ثقة فاضل من الثالثة (ع). وله ترجمة في "المعرفة والتاريخ" (١/ ٦٥٦ - ٦٦٠)، "والحلية" (٣/ ١٤٦ - ١٥٨)، و"السير" (٥/ ٣٥٣ - ٣٥٦) وانظر مصادر أخرى لترجمته هناك. والخبر ذكره الفسوي في "المعرفة والتاريخ" (١/ ٦٥٦).
(٥) وفي (ن) "ابني المنذر".
[ ١ / ٤٥٩ ]
عظيمٌ. قال: وبكى الآخر عند الموت فقيل له مثل ذلك، فقال إني سمعت الله يقول لقوم: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ (^١).
فأنا أنظر (^٢) ما ترون والله ما أدري ما يبدو لي، قال: وكان يقال: محمد أخوهم أدناهم في العبادة وأي شيء كان محمد في زمانه!.
[٢٨٥] أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أخبرنا أبو الحسن أحمد بن إسحاق الطيبي، حدثنا إبراهيم بن الحسين الهمداني، حدثنا آدم بنِ أبي إياس، حدثنا ضمرة. بن ربيعة، عن سفيان الثوري في قوله ﷿: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ (^٣).
قال: يغفر لمن يشاءالعظيم ويعذب من يشاء على الصغير.
وروي عن ابن عباس الفرق بين الصغائر والكبائر ويروى عنه أنه لم يفرق بينهما.
[٢٨٦] أخبرنا أبو زكريا (^٤) بن أبي إسحاق المزكي، حدثنا (أبو) (^٥) الحسن الطرائفي، حدثنا عثمان بن سعيد الدارمي، حدثنا عبد الله بن صالح (عن معاوية بن صالح) (^٦) عن
_________________
(١) سورة الزمر (٣٩/ ٤٧).
(٢) في (ن) والمطبوعة "فإنا لننتظر".
(٣) إسناده، رجاله ثقات. * أبو الحسن أحمد بن إسحاق بن نيخاب الطيني (بكسر الطاء وسكون الياء). قال الخطيب: لم نسمع فيه إلا خيرًا. راجع "تاريخ بغداد" (٤/ ٣٥ - ٣٦)، "السير" (٥/ ٥٣٠)، "الأنساب" (٩/ ١٢٠). * إبراهيم بن الحسين الهمداني هو أبو إسحاق بن ديزيل، مرّ. * ضمرة بن ربيعة الفلسطيني، أبو عبد الله الرملي. ثقة. (٤). وفي النسخ المتوفرة لدينا "ضمرة بن سعيد" ولم أجد فيمن يروي عن سفيان أحدًا بهذا الاسم.
(٤) سورة البقرة (٢/ ٢٨٤).
(٥) إسناده: منقطع. * علي بن أبي طلحة لم يدرك ابن عباس.
(٦) في (ن) والمطبوعة "أخبرنا أبو زكريا حدثنا ابن أبي إسحاق".
(٧) سقط من النسخ.
(٨) سقط من (ن) والمطبوعة. والأثر أخرجه ابن جرير الطبري في "تفسيره" (٥/ ٤١).
[ ١ / ٤٦٠ ]
علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ﴾ (^١).
قال: الكبائر كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو عذاب أو لعنة.
[٢٨٧] وبهذا الإسناد عن ابن عباس قال: أكبر الكبائر الشرك بالله لأن الله يقول: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ (^٢).
واليأس من روح الله لأن الله يقول: ﴿لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ (^٣).
والأمن لمكر الله لأن الله يقول: ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (^٤).
ومنها عقوق الوالدين لأن الله تعالى جعل العاق جبارًا شقيًّا عصيًّا (^٥)
وقتل النفس التي حرم الله لأن الله سبحانه يقول، ﴿جَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ (^٦).
وقذف المحصنات لأن الله يقول: ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (^٧).
وأكل مال اليتيم لأن الله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ (^٨).
_________________
(١) سورة النساء (٤/ ٣١).
(٢) إسناد: كإسناد سابقه. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١٢/ ٢٥٢ - ٢٥٤ رقم ١٣٠٢٣) وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١١٦). وقال: إسناده حسن. وقد رأينا أن هذا السند فيه انقطاع. وأورده السيوطي الدر المنثور (٢/ ٥٠٤) ونسبه لابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه أيضًا.
(٣) سورة المائدة (٥/ ٧٢).
(٤) سورة يوسف (١٢/ ٨٧).
(٥) سورة الأعراف (٧/ ٩٩).
(٦) وذلك قول الله تعالى حكاية لقول عيسى بن مريم: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ (سورة مريم ١٩/ ٣٢). وقوله تعالى لا يحيى بن زكريا: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾ (٩ الم ١٤).
(٧) سورة النساء (٤/ ٩٢).
(٨) سورة النور (٢٤/ ٢٣).
(٩) سورة النساء (٤/ ١٠).
[ ١ / ٤٦١ ]
والفرار من الزحف لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ (^١) الآية.
وأكل الربا لأن اللّه يقول: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ (^٢)
والسحر لأن الله يقول: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ (^٣).
والزنا لأن الله يقول: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا. يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ (^٤)
واليمين والغموس الفاجرة لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ (^٥).
والغلول لأن الله يقول: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (^٦).
ومنع الزكاة المفروضة لأن الله يقول ﴿فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ﴾ (^٧).
وشهادة الزور وكتمان الشهادة فإن الله يقول: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ (^٨).
وشرب الخمر لأن الله عدل بها الأوثان، وترك الصلاة متعمدًا، وأشياء مما فرض الله تعالى لأن رسول الله - ﷺ - قَال: "ومَنْ تَرك الصَلاةَ مُتعَمِّدَا فقدْ برئَ مِنْ ذمَّة الله ورسوله".
ونقض العهد، وقطيعة الرحم لأن الله تعالى يقول: ﴿لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ (^٩).
قال البيهقي ﵀: وأما ترك الفرق بينهما ففيما:
[٢٨٨] أخبرنا أبو نصر بن قتادة، أخبرنا أبو عمرو بن نجيد، أخبرنا أبو مسلم الكجي،
_________________
(١) سورة الأنفال (٨/ ١٦).
(٢) سورة البقرة (٢/ ٢٧٥).
(٣) سورة البقرة (٢/ ١٠٢).
(٤) سورة الفرقان (٢٥/ ٦٩).
(٥) سورة ال عمران (٣/ ٧٧).
(٦) أيضًا (٣/ ١٦١).
(٧) سورة التوبة (١٠/ ٣٥).
(٨) سورة البقرة (٢/ ٢٨٣).
(٩) سورة الرعد (١٣/ ٢٥).
(١٠) إسناده: حسن. • عبد الرحمن بن حماد بن شعيث، الشعيثي (بمعجمة وأخره ثاء مثلثة) أبو سلمة العنبري (م ٢١٢ هـ). =
[ ١ / ٤٦٢ ]
أخبرنا عبد الرحمن بن حماد الشعيثي، حدثنا ابن عون، عن محمد، عن ابن عباس قال:
"على ما نهى الله عنه كبيرة".
هكذا قال وكذا قال يحيى (^١) بن عتيق وهشام، عن محمد بن سيرين، عن ابن عباس.
[٢٨٩] وأخبرنا أبو الحسين بن بشران، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، حدثنا أحمد ابن منصور، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة قال: "كل ما عصي الله به فهو كبيرة".
وقد ذكر الطرفة فقال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ (^٢).
[٢٩٠] وبإسناده حدثنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: قيل لابن عباس: الكبائر سبع؟ فقال: هي إلى السبعين أقرب.
_________________
(١) = صدوق ربما أخطأ، من صغار التاسعة (خ، ت). • ابن عون هو عبد الله، أبوعون البصري (ع)، •ومحمد هو ابن سيرين الأنصاري، أبو بكر، البصري (م ١١٠ هـ). ثقة ثبت عابد، كبير القدر، من الثالثة (ع). والأثر أخرجه الطبري في تفسيره" (٥/ ٤٠) وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١/ ١٠٣) وقال: رواه الطبر اني في "الكبير" ورجاله ثقات إلا أن الحسن مدلس وعنعنه. ونسبه السيوطي في "الدر المنثور" (٢/ ٤٩٩) إلى عبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي أيضًا.
(٢) في (ن) "محبا" وفي المطبوعة "ليجا" وغير واضح في الأصل، ولعله يحيى بن عتيق وهو الطفاوي، ثقة. من السادسة. • وهشام هو ابن حسان.
(٣) إسناده: رجاله ثقات. أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (١٠/ ٤٦٠) وفيه "عن ابن سيرين عن عمرة"! وقال محققه الفاضل كذا في "ص" والظاهر "قالت" وانظر هل الصواب "عن عمرة"؟ أخرجه ابن جرير الطبري عن ابن عباس (٥/ ٤٠ - ٤١).
(٤) سورة النور (٣٤/ ٣٠).
(٥) إسناده: كسابقه. أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (١٠/ ٤٦٠ رقم ١٩٧٠٢). وابن جرير في "تفسيره" (٥/ ٤١).
[ ١ / ٤٦٣ ]
قال البيهقي ﵀: فيحتمل أن يكون هذا في تعظيم حرمات الله والترهيب عن
ارتكابها، فأما الفرق بين الصغائر والكبائر (^١) فلابد منه في أحكام الدنيا والآخرة على
ما جاء به الكتاب والسنة.