قال الله ﷿: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (^٢).
وفيما أخبرناه أبو عبد الرحمن السلمي قال قال الفارسي أبو الحسين هل وصف الله ﷿ أحدا من عباده بهذا الوصف من الشفقة والرحمة التي وصف بها حبيبه - ﷺ - ألا تراه في القيامة إذا اشتغل الناس بأنفسهم كيف يدع حديث نفسه، ويقول: أمتي أمتي، يرجع إلى الشفقة عليهم " ويقول: أنا أسلمت نفسي إليك فافعل بي ما شئت ولا تردني في شفاعتي في عبادك.
وهذا الحديث الذي ورد في شفاعته يوم القيامة فقد مضى ذكره في هذا الكتاب.
[١٣٧٣] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو محمد أحمد بن عبد الله المزني، أخبرنا علي ابن محمد بن عيسى، حدثنا أبو اليمان، أخبرني شعيب، عن الزهري، حدثني أبو سلمة ابن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال قال رسول الله - ﷺ -: "لِكُلّ نبي دعوة فاريدُ -إن شاء الله - أَن أَخْتَبِئَ دعوتي شفاعةً لأمتي يوم القيامة".
رواه البخاري في الصحيح (^٣) عن أبي اليمان.
_________________
(١) = وقوله "مات حتف أنفه": هو أن يموت على فراشه. والحتف: الهلاك. كانوا يتخيلون أن روح المريض تخرج من أنفه، فإن جُرح خرج من جراحته.
(٢) في "ن " "ألفاظا".
(٣) سورة براءة (٩/ ١٢٨).
(٤) إسناده: صحيح رجاله ثقات.
(٥) في التوحيد (٨/ ١٩٢)، وكذا الدارمي في "سننه" (ص ٧٢٤) وابن منده في كتاب "الإيمان" (٣/ ٨٣٧ رقم ٨٩٥) والخطيب في "تاريخه" (١١/ ١٤١).
[ ٣ / ٤٣ ]
وأخرجه مسلم (^١) من وجه آخر عن الزهري.
[١٣٧٤] أخبرنا علي بن محمد بن بشران، أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد المصري، حدثنا محمد بن زيدان بن سويد، حدثنا سلام بن سليمان أبو العباس الدمشقي، حدثنا شريك، عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله ﷿: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ (^٢)
قال: رضاه أن تدخل أمته كلهم الجنة.
وروينا (^٣) عن أبي صالح عن النبي - ﷺ - وقيل عنه عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - أنه
قال: "إنّما أنا رحمة مُهْداة".
_________________
(١) في الإيمان (١/ ١٨٨ رقم ٣٣٤) من طريق مالك بن أنس. و(١/ ١٨٩ رقم ٣٣٥ - ٣٣٦) من طريق ابن أخي الزهري- محمد بن عبد الله- كلاهما عن الزهري به. وأخرجه أحمد (٢/ ٣٨١، ٣٩٦) وابن خزيمة في "التوحيد" (٢٥٨ - ٢٥٩) وابن منده في كتاب "الإيمان" (٣/ ٨٣٦ - ٨٣٨ رقم ٨٩٢ - ٨٩٥) من طرق عن الزهري به. وأخرجه المؤلف في "الأسماء والصفات" (ص ٢١٣) بنفس المسند. وقد مرّ هذا الحديث برواية الأعمش عن أبي صالح، عن أبي هريرة برقم (٣٠٨) مع تخريجه مستوفى.
(٢) إسناده: ضعيف. • محمد بن زيدان بن سويد. لم أجد له ترجمة، وقد روى عنه العقيلي في "الضعفاء". • سلام بن سليمان بن سورا الثقفي مولاهم، أبو العباس الدمشقي (م ٢١٥ هـ) أصله خراساني وسكن دمشق بآخره ومات بها. قال العقيلي في حديثه عن الثقات مناكير. وقال ابن عدي: هو عندي منكر الحديث. وعامة ما يرويه حسان إلا أنه لا يتابع عليه. وقال أبو حاتم: ليس بالقوي. راجع "الضعفاء" (٢/ ٦١١) وأخرج له حديثا برواية محمد بن زيدان الكوفي عنه و"الكامل" لابن عدي (٣/ ١١٥٦ - ١١٥٩) وساق له مناكير. و"الجرح والتعديل" (٤/ ٢٥٩) و"الميزان" (٢/ ١٧٨ - ١٧٩). • وشريك هو ابن عبد الله النخعي، صدوق يخطئ كثيرا. • سالم الأفطس هو ابن عجلان، أبو محمد الحزاتي (م ١٣٢ هـ). ثقة. رُمي بالإرجاء (خ دس ق). والحديث ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٨/ ٥٤٣) ونسبه للمؤلف فقط.
(٣) سورة الضحى (٩٣/ ٥).
(٤) مرّ برقم (١٣٣٩).
[ ٣ / ٤٤ ]
[١٣٧٥] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد ابن عبد الجبار، حدثنا يونس بن بكير، عن عبيد الله بن الوليد، عن عبد الله بن عبيد قال لما كسرت رباعية رسول الله - ﷺ - وشج في جبهته فجعلت الدماء تسايل على وجهه، قيل يا رسول الله، ادع الله عليهم فقال - ﷺ -: "إنّ الله تعالى لم يَبْعَثني طعانا ولا لعَانا، ولكن بَعَثَني داعية ورحمة. اللهمّ اهْدِ قَومي فإنَهُم لا يعلَمُون " هذا مرسل.
[١٣٧٦] وقد حدثنا أبو عبد الرحمن السلمي، أخبرنا أحمد بن محمد بن عبدوس، حدثنا أبو منصور يحيى بن أحمد بن زياد الهروي، حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، حدثنا محمد بن فليح، عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب، عن سهل بن سعد قال قال رسول الله - ﷺ -: "اللهُم اغفِر لقومي فإنهم لا يعلمون "
قال الحليمي (^١) ﵀: وجاء (^٢) عن النبي - ﷺ - أنه ضحى بكبشين فقال في
_________________
(١) إسناده: ضعيف. • أحمد بن عبد الجبار هو العطاردي، ضعيف. • عبيد الله بن الوليد الوضافي (بفتح الواو وتشديد المهملة)، أبو إسماعيل الكوفي، العجلي. ضعيف. من السادسة (بخ ت ق). • عبد الله بن عبيد بن عمير الليثي، المكي. ثقة. من الثالثة.
(٢) إسناده: فيه من لم أعرفه. • أبو عبد الرحمن السلمى، شيخ البيهقي. فيه كلام. • أبو منصرر يحيى بن أحمد بن زياد الهروي، لم أعرفه. وبقية رجاله ثقات. والحديث أخرجه الطحاوي في "مشكل الآثار" (٣/ ١٨٩) والطبراني في "الكبير" (٦/ ١٤٦ رقم ٥٦٩٤) من طريق إبراهيم بن المنذر الحزامي. وقال الهيثمي في "المجمع" (٦/ ١١٧): رجاله رجال الصحيح.
(٣) "المنهاج" (٢/ ٧٥).
(٤) وروى أبو يعلى عن أنس قال: ضحى رسول الله - ﷺ - بكبشين أقرنين أملحين، فقرب أحدهما فقال: "بسم الله، اللهم منك ولك هذا عن محمد وأهل بيته". وقرّب الآخر فقال: "بسم الله، اللهم منك ولك هذا عمّن وحّدك من أمتي". راجع "السند"، (٥/ ٤٢٧ رقم ٣١١٨) وفيه الحجاج بن أرطاة وهو مدلس وقد عنعن. وأخرج أحمد عن جابر قال صليت مع رسول الله - ﷺ - عيد الأضحى، فلما انصرف أتى بكبش فذبحه فقال: "بسم الله والله أكبر، اللهم إن هذا عني وعمن لم يضح من أمتي". راجع "المسند" (٣/ ٣٥٦، ٣٦٢). =
[ ٣ / ٤٥ ]
أولهما: "اللّهم عن محمد وال محمد". وقال في آخرهما: "اللّهم عن محمد وعمن لم يضح من أمّة محمد".
وهذا أبلغ ما يكون من البر والشفقة، وعنه - ﷺ - أنه قال (^١) "لولا أن أشقّ على أمتي لأمرتُهم بتأخير العشاء والسواك عند كل صلاة".
قال: وامتنع من الخروج في الليلة الثالثة من رمضان لما كثر الناس وقال: "قد رأيتُ الذي صنعتم ولم يمنعني من الخروج إليكم إلا أنّي خشيتُ أن يُفرض عليكم " (^٢).
قال الحليمي (^٣) ﵀: والمعنى خفت أن يفرض عليكم فلا ترعوه حق رعايته فتصيروا في استيجاب الذم أسوة من قبلكم وهذا كله رأفة ورحمة - ﷺ -، وجزاه عنا أفضل ما جزى رسولًا ونبيا عن أمته.
وسمى الله نبينا - ﷺ - كتابه: ﴿سِرَاجًا مُنِيرًا﴾ (^٤).
وذلك على معنى أنه أخرج الناس به من ظلمات الكفر إلى نور الهدى والتبيان كما قال الله ﷿: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (^٥).
_________________
(١) = وأخرجه أبود أود (٣/ ٢٤٠ رقم ٢٨١٠) والترمذي (٤/ ١٠٥ رقم ١٥٢١) والحاكم (٤/ ٢٢٩) والمؤلف في "السنن" (٩/ ٢٦٤) وفي سنده كلام. وأخرج المؤلف في "السنن" (٩/ ٢٦٨) بسنده عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله، عن أبيه أن النبي - ﷺ - أتى بكبشين أملحين أقرنين عظيمين موجوءين، فاضجع أحدهما فقال: "بسم الله والله أكبر، اللهم هذا عن محمد" ثم أضجع الآخر فقال: "بسم الله والله أكبر، اللهم هذا عن محمد وأمته ممن شهد لك بالتوحيد، وشهد لي بالبلاغ " فذبحه. وأخرجه أبو يعلى في ""مسنده" (٣/ ٣٢٧ رقم ١٧٩٢). وعبد الله بن محمد بن عقيل مختلف فيه. وحسن الهيثمي حديثه. راجع "مجمع الزوائد" (٤/ ٢٢). وقد اختلف على عبد الله في رواية هذا الحديث وسيأتي بيانه عند التعليق على الحديث (١٢٤٢).
(٢) أخرجه المؤلف في "سننه" (١/ ٣٥ - ٣٧) من حديث أبي هريرة. وسيأتي في هذا الكتاب في الطهارات مع تخريجه.
(٣) أخرجه البخاري في التهجد (٢/ ٤٤) ومسلم في صلاة المسافرين (١/ ٥٢٤) والمؤلف في "سننه" (٢/ ٤٩٢) من طريق الزهري عن عروة عن عائشة.
(٤) " "المنهاج" (٢/ ٧٥).
(٥) سورة الأحزاب (٣٣/ ٤٦).
(٦) سورة إبراهيم (١٤/ ١).
[ ٣ / ٤٦ ]
ثم ساق الحليمي ﵀ الكلام إلى أن قال (^١): فإذا تأمل العاقل مواقع الخيرات التي ساقها الله تعالى إلى عباده بالنبي - ﷺ - (في الدنيا) (^٢) وما هو سابقه إليهم بفضله من شفاعته لهم في الأخرى، علم أنه لا حق بعد حقوق الله تعالى أوجب من حق النبي - ﷺ -.
وبسط الكلام في ذلك.