وإذا أحيا الله ﵎ الناس كلهم قاموا عجلين ينظرون ما يراد بهم لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ (^٣).
وقد أخبر الله ﷿ عن الكفار أنهم يقولون: ﴿يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ (^٤).
وأنهم يقولون: ﴿هَذَا يَوْمُ الدينِ﴾.
فتقول لهم الملائكة: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَذِي كنْتُمْ بِهِ تكَذّبُونَ﴾ (^٥).
ثم يؤمر (^٦) بحشر الناس إلى موقف العرضْ والحساب وهو الساهرة فقال الله ﷿: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ. فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ (^٧).
قال البيهقي ﵀: وروينا عن وهب (^٨) بن منبه أنه قرأ هذه الآية وهو يومئذ ببيت المقدس فقال: ها هنا الساهرة يعني بيت المقدس.
_________________
(١) راجع "المنهاج" (١/ ٤٣٥ - ٤٣٧).
(٢) في الأصل فقط. وهو مطابق وجاء في "المنهاج" (١/ ٤٤٠).
(٣) سورة الزمر (٣٩/ ٦٨).
(٤) سورة يس (٣٦/ ٥٢).
(٥) سورة الصافات (٣٧/ ٢٠ - ٢١).
(٦) وفي (ن) والمطبوعة "يوم يحشر".
(٧) سورة النازعات (٧٩/ ١٣ - ١٤).
(٨) أخرجه عبد بن حميد وابن المنذر- راجع "الدر المنثور" (٨/ ٤٠٩).
[ ١ / ٥٤٣ ]
وروينا عن ابن عباس (^١) موقوفًا ومرفوعًا ما دل على أن الشام أرض المحشر. وقال الفراء (^٢): الساهرة وجه الأرض كأنها سميت بهذا الاسم لأن فيه الحيوان نومهم وسهرهم.
وروى بإسناده (^٣) عن ابن عباس قال: الساهرة الأرض.
قال الحليمي (^٤) ﵀: ومعناه فإذا هم قد صاروا على وجه الأرض بعد أن كانوا في جوفها.
وقيل: الساهرة صحراء قرب شفير جهنم والله أعلم.
وروينا في الحديث الثابت (^٥) عن سهل بن سعد عن النبي - ﷺ - قال: "يُحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النَّقِي".
وفي رواية: كقرصة النقي ليس فيها لأحد علم (^٦).
_________________
(١) ذكر السيوطي في "الدر المنثور" (٨/ ٨٩) عن ابن عباس قال: من شك أن المحشر بالشام فليقرأ هذه الآية ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ (الحشر ٥٩/ ٢). قالَ لهم رسول اللّه - ﷺ - "اخرجوا". قالوا إلى أين؟ قال: "إلى أرض المحشر". أخرجه البزار وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه والمؤلف في "البعث". وقال الهيثمي عن رواية البزار: فيه ضعف. (مجمع الزوائد ١٠/ ٣٤٣).
(٢) راجع "معاني القرآن" (٣/ ٢٣٢).
(٣) وهو عن حبان بن علي عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس (٣/ ٢٣٢). وراجع "الدر المنثور" (٨/ ٤٠٨).
(٤) راجع "المنهاج" (١/ ٤٤١).
(٥) وأخرجه البخاري في الرقاق (٧/ ١٩٤) ومسلم في صفة المنافقين (٣/ ٢١٥٠). وأخرجه ابن جرير في "تفسيره" (١٤/ ٢٥٠) والطبراني في "الكبير" (٦/ ١٩١ رقم ٥٨٣١، ٦/ ٢١٤ رقم ٥٩٥٨) والبغوي في "شرح السنة" (١٥/ ١١٢).
(٦) كذا في النسخ وفي رواية البخاري "معلم". والعلم والمعلم بمعنى واحد، وهو الشيء الذي يستدل به على الطريق، وقال القاضي عياض: المراد أنها ليس فيها علامة سكنى ولا بناء ولا أثر ولا شيء من العلامات التي يهتدى بها في الطرقات كالجبل والصخرة البارزة، وفيه تعريض بارض الدنِيا وأنها ذهبت وانقطعت العلاقة منها. راجع "فتح الباري" (١١/ ٣٧٥).
[ ١ / ٥٤٤ ]
والنقي: الخبز الحوّارَى وقوله: "ليس فيها علم" يريد أرضًا مستوية ليس فيها حدب ولا بناء.
وأما صفة الحشر فقد قال الله ﷿: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا. وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ (^١).
روينا عن (^٢) علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أنه قال في قوله ﴿وَفْدًا﴾ ركبانًا وفي قوله ﴿وِرْدَا﴾ عطاشًا.
وروينا عن النعمان بن سعد عن علي أنه قال في هذه الآية: أما والله ما يحشر الوفد على أرجلهم ولا يساقون سوقًا، ولكنهم يؤتون بنوق لم ير الخلائق مثلها، عليها رحال الذهب وأزمتها الزبرجد، فيركبون عليها، حتى يضربوا أبواب الجنة.
[٣٥٢] أخبرناه أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن عبد الوهاب، حدثنا يعلى بن عبيد، حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق، عن النعمان بن سعد، عن علي ﵁ فذكره.
_________________
(١) سورة مريم (١٩/ ٨٥ - ٨٦).
(٢) في "البعث والنشور" كما أشار إليه السيوطي في "الدرالمنثور" (٥/ ٥٣٨ - ٥٤٠). ونسبه أيضًا إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن جرير. وراجع "تفسير ابن جرير" (١٦/ ١٢٧).
(٣) إسناده: ضعيف. • عبد الرحمن بن إسحاق بن الحارث الواسطي، أبوشيبة. ضعيف من السادسة (د، ت). وراجع "الميزان" (٢/ ٥٤٨). • النعمان بن سعد بن حبتة. أنصاري، كوفي. مقبول من الثالثة (ت). وقال الذهبي في "الميزان" (٤ / هـ ٢٦): ما روى عنه غير عبد الرحمن بن إسحاق أحد الضعفاء وهو ابن أخته. والحديث أخرجه الحاكم في "المستدرك" (٢/ ٣٧٧) بنفس السند وقال صحيح على شرط مسلم وتعقبه الذهبي فقال: عبد الرحمن هذا لم يرو له مسلم ولالخاله النعمان- بل ضعفوه. والحديث أخرجه أيضًا ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١٣/ ١١٩) وعبد الله بن أحمد في "زوائد "المسند" (١/ ١٥٥) وابن جرير (١٦/ ١٢٦). ونسبه السيوطي أيضًا إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والمؤلف في "البعث". راجع "الدر المنثور" (٥٣٩١٥).
[ ١ / ٥٤٥ ]
[٣٥٣] أخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ، أخبرنا إبراهيم بن عصمة بن إبراهيم، حدثنا السري ابن خزيمة، حدثنا معلى بن أسد، حدثنا وهيب، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: "يُحشر الناس على ثلاث طرائق رَاغبينِ راهبين، اثنان على بعير، وثلاثة على بعير، وأربعة على لعير، وعشرة على بعير، وتَحْشُرُ بَقِيَّتَّهُم النّارُ، تَقِيلُ معهم حيث قالوا، وتَبِيت معهم حيث باتوا، وتُصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسي معهم حيث أمسوا".
رواه البخاري (^١) عن معلى بن أسد.
وأخرجه مسلم من وجه آخر عن وهيب.
قال الحليمي (^٢) ﵀: فيحتمل أن يكون قول النبي - ﷺ -:"يُحشر الناس على ثلاث طرائق" أشار إلى الأبرار والمخلطين والكفار، فالأبرار الراغبون إلى الله جل ثناؤه فيما أعد لهم من ثواب. والراهبون (^٣) الذين هم بين الخوف والرجاء، فأما الأبرار فإنهم يؤتون بالنجائب كما روي في حديث علي، وأما ألمخلطون فهم الذين أريدوا في هذا الحديث أنهم يحملون على الأبعرة، والأشبه أنها لا تكون من نجائب الجنة، لأن من هؤلاء من لا يغفر له ذنوبه حتى يعاقب بها بعض العقوبة، ومن أكرم بشيء من نعيم الجنة لم يهن بعده بالنار.
_________________
(١) إسناده: صحيح. "معلى بن أسد العمي (بفتح المهملة وتشديد الميم) أبوالهيثم البصري (م ٢١٨ هـ). ثقة ثبت، من كبار العاشرة (خ، م، س، ق). • وهيب بن خالد بن عجلان، أبو بكر البصري (م ١٦٥ هـ). ثقة ثبت. لكنه تغير قليلًا بأخرة. من السابعة (ع). وفي (ن) والمطبوعة "وهب بن عبد الله بن طاوس". • عبد الله بن طاوس بن كيسان، اليماني، أبو محمد (م ١٣٢ هـ). ثقة فاضل عابد. من السادسة (ع). وأبوه طاوس ثقة فقيه فاضل. من الثالثة (ع).
(٢) في الرقاق (٧/ ١٩٤). وأخرجه مسلم في الجنة (٣/ ٢١٩٥) عن أحمد بن إسحاق وبهز قالا حدثنا وهيب فذكره. وأخرجه النسائي في الجنائز (٤/ ١١٥) وابن أبي شيبة في "المصنف" (١٣/ ٢٤٨) وأخرجه البغوي في "شرح السنة" (١٥/ ١٢٤) من طريق البخاري.
(٣) راجع "المنهاج" (١/ ٤٤٢).
(٤) في النسخ "الراهبين".
[ ١ / ٥٤٦ ]
قال البيهقي ﵀: وروى علي بن زيد بن جدعان (^١) وليس بالقوي عن أوس ابن خالد عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: "يُحشر الناس يوالقيامة على ثلاثة أصناف: ركبانًا ومشاةً وعلى وجوههم" فقال رجل: يا رسول اللّه! وَيمشون على وجوههم؟ قال: "الذي أمشاهم على أقدامهم قادر أن يمشيهم على وجوههم".
وهذا الأصح فكأن بعض المخلطين من المؤمنين يكون راكبًا كما جاء في الحديث الأول، وبعضهم يكون ماشيًا كما جاء في الحديث، أو يركب في بعض الطريق، ويمشي في بعض (^٢).
وأما المشاة على وجوههم فهم الكفار. ويحتمل أن يكون بعضهم أعتى من بعض، فهؤلاء يحشرون على وجوههم والذين هم أتباع يمشون على أقدامهم، فإذا سيقوا من موقف الحساب إلى جهنم، سحبوا على وجوههم قال الله ﷿: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ (^٣).
وقال: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (^٤).
ويكونون في تلك الحالة عميًا وبكمًا وصمًا قال اللّه تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ (^٥).
_________________
(١) علي بن زيد بن جدعان. ضعيف. من الر ابعة (بخ، م- ٤) وراجع "الميزان" (٣/ ١٢٧ - ١٢٩). • أوس بن خالد أبي أوس، الحجازي. مجهول (ت، ق). والحديث أخرجه أبو داود الطيالسي في "مسنده" (ص ٣٣٤) والترمذي (٥/ ٣٠٥ رقم ٣١٤٢) وأحمد في "مسنده" (٢/ ٣٥٤، ٣٦٣) وابن جرير في "تفسيره" (١١/ ٢٩). وللحديث شاهد من حديث معاوية بن حيدة. أخرجه الترمذي (٥/ ٣٠٥ رقم ٣١٤٢) وأحمد في "مسنده" (٤/ ٤٤٦ - ٤٤٧) و(٥/ ٣، ٥) والحاكم (٤/ ٥٦٤) وابن أبي شيبة في "مصنفه" (١٤/ ١٤٢). ومن حديث أبي ذر أخرجه أحمد (٥/ ١٦٤ - ١٦٥) والنسائي (٤/ ١١٦) والحاكم (٢/ ٣٦٧، ٤/ ٥٦٤).
(٢) بعده في (ن) والمطبوعة "فهؤلاء يحشر".
(٣) سورة القمر (٥٤/ ٤٨).
(٤) سورهَ الفرقان (٢٥/ ٣٤).
(٥) سورة الإسراء (١٧/ ٩٧).
[ ١ / ٥٤٧ ]
وقبل ذلك يكونوا كاملي الحواس والجوارح لقوله تعالى: ﴿يَتَعَارَفُونَ بينَهُمْ﴾ (^١).
وقوله: ﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا﴾ (^٢).
وسائر ما أخبر الله ﷿ عنهم وأقوالهم ونظرهم وسمعهم فإذا دخلوا النار ردت إليهم حواسهم، ليشاهدوا النار وما أعد لهم فيها من العذاب قال الله تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ. قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾ (^٣).
وسائر ما أخبر الله عنهم من أقوالهم وسمعهم ونظرهم. فإذا نودوا بالخلود سلبوا أسماعهم قال الله ﷿: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾ (^٤).
وقد قيل إنهم يسلبون أيضًا الكلام لقوله تعالى: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ (^٥).
وروينا (^٦) عن ابن عباس أن النبي - ﷺ - قام في الناس فوعظهم فقال: "أيها الناسُ انكم تُحشرون إلى الله حُفاةً عُراةً غُرلًا" ثم قرأ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ (^٧).
وإن أول من يكسى يوم القيامة إبراهيم ﵇.
_________________
(١) سورة يونس (١٠/ ٤٥).
(٢) سورة طه (٢٠/ ١٠٣).
(٣) سورة الملك (٦٧/ ٨ - ٩).
(٤) سورة الأنبياء (٢١/ ١٠٠).
(٥) سورة المؤمنون (٢٣/ ١٠٨).
(٦) وأخرجه البخاري في الأنبياء (٤/ ١١٠، ١٤٢) وفي التفسير (٥/ ١٩١) وفي الرقاق (٧/ ١٩٥) ومسلم في صفة الجنة (٣/ ٢١٩٤) من طريق المغيرة، بن النعمان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس به. وأخرجه أيضًا الترمذي في صفة القيامة (٤/ ٦١٥ رقم ٣٤٢٣) وفي التفسير (٥/ ٤٣٢ رقم ٣٣٣٢) والنسائي في الجنائز (٤/ ١١٤، ١١٧) وأحمد في "مسنده" (١/ ٢٢٠، ٢٢٣، ٢٢٩، ٢٣٥، ٢٥٣) والدارمي (ص ٧٢٢) وابن المبارك في "الزهد" (ص ٤٦٢) والحميدي في "مسنده" (١/ ٢٢٦ رقم ٤٨٣) وابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢٤٦/ ١٣ - ٢٤٧) وأبو يعلى في "مسنده" (٤/ ٢٨٥ رقم ٢٣٩٦، ٤٥٢ رقم ٢٥٧٨) والطبراني في "الكبير" (١٢/ ٩ رقم ١٢٣١٢، ٤٩ رقم ١٢٤٣٩، ٨٣ رقم ١٢٥٥١) والخطيب في "تاريخه" (١٥/ ١٠٩، ١٣/ ١١٩) والبغوي في "شرح السنة" (١٥/ ١٢٣). وأخرجه المؤلف في "الأسماء والصفات" (٥٠٠).
(٧) سورة الأنبياء (٢١/ ١٠٤).
[ ١ / ٥٤٨ ]
وعن عائشة ﵂ (^١) عن النبي - ﷺ - قال: "تُحْشرون يوم القيامة حُفَاةَ عُراةَ غُرلًا" فقلت: يا رسول الله الرجال من النساء؟ "فقال: يا عائشة، الأمرُ يومئذٍ أشد من ذلك".
والذي يدل عليه ما قدمنا ذكره أن ذلك يكون حال خروجهم من قبورهم، ثم
يكرم المتقون، ومن شاء من المخلطين المؤمنين بالكسوة والركوب كما قدمنا ذكره والله
أعلم.
والذي روي في حديث أبي سعيد الخدري (^٢) عن النبي - ﷺ -: "يبعَثُ المَيِّتُ في ثيابه التي يموت فيها" يحتمل أن يكون المراد في أعماله التي عليها من خير أو شر كقوله - ﷺ - في رواية جابر (^٣) "يُبعَثُ كُلّ عبدٍ على ما مات عليها".
وقد يحتمل أن يبعث في ثيابه التي يموت فيها ثم تتناثر عنه أو عن بعضهم، ثم
يحشر إلى موقف الحساب عاريًا ثم يكسى بعد ذلك من ثياب الجنة والله أعلم.
وأما قول الله ﷿ في صفة الكفار يوم القيامة ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾ (^٤) وقوله:
﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ﴾ (^٥) فإن المراد بذلك والله أعلم حال مضيهم إلى الموقف وقوله:
﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ (^٦).
_________________
(١) حديث عائشة أخرجه البخاري في الرقاق (٧/ ١٩٥) ومسلم في صفة الجنة (٣/ ٢١٩٤) وابن ماجه في الزهد (٢/ ١٤٢٩ رقم ٤٢٧٦) وأحمد في "مسنده" (٦/ ٥٣، ٩٠) وابن أبي شيبة في "المصنف" (١٣/ ٢٤٦) والبغوي في"شرح السنة" (١٥/ ١٢٤) وابن جرير في "تفسيره" (١٧/ ٢٠٥).
(٢) أخرجه أبو داود (٣/ ٤٨٥ رقم ٣١١٤) وابن حبان في "صحيحه" (٢٥٧٥ - موارد) والحاكم (١/ ٣٤٠) وعنه البيهقي في "سننه" (٣/ ٢٨٤) وذكرها الألباني في "الصحيحة" (١٦٧١).
(٣) أخرجه مسلم (٣/ ٢٢٠٦) وعبد الرزاق في "مصنفه" (٣/ ٥٨٦) وأحمد (٣/ ٣٣١) والحاكم (١/ ٣٤٠، ٢/ ٤٥٢) والمؤلف في "سننه" (٣/ ٣٨٤). وأخرجه أبو يعلى في "مسنده" (٣/ ٤١٥ رقم ١٩٠١) و(٤/ ١٨٤ رقم ٢٢٦٩) والبغوي في "شرح السنة" (١٤/ ٤٠٢).
(٤) سورة القلم (٦٨/ ٤٣).
(٥) سورة القمر (٥٤/ ٧). وفي النسخ "خاشعًا".
(٦) سورة إبراهيم (١٤/ ٤٣).
[ ١ / ٥٤٩ ]
وإنما هو إذا طال القيام عليهم في الموقف، فيصيرون من الحيرة كأنه لا قلوب لهم، ويرفعون رءوسهم فينظرون النظر الطويل الدائم، ولا يرتد إليهم طرفهم كأنهم قد نسوا الغمض أو جهلوه، والناس في القيامة لهم أحوال ومواقف، واختلف الإخبار عنهم لاختلاف مواقفهم وأحوالهم، وأما قول الله ﷿: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ (^١).
فقد روينا (^٢) عن ابن عباس أنه قال هذا في النفخة الأولى ينفخ في الصور فيصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله (فلا أنساب بينهم عند ذلك ولا يتساءلون) ثم إذا نفخ في النفخة الأخرى قاموا" ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾.