وآيات القرآن في البعث كثيرة، فمنها قول الله ﷿:
﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ (^١).
وقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ (^٢) الآية.
وقوله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ (^٣).
وروينا عن مطر الوراق، عن عبد الله بن بريدة، عن يحيى بن يعمر، عن ابن عمر، عن عمر بن الخطاب، عن النبي - ﷺ - قال يا رسول الله ما الإيمان؟ قال: "أنْ تُؤمِنَ باللّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَبِالْبعث من بعد المَوت وَبِالقَدركلّه"
[٢٥٣] أخبرناه أبو بكر أحمد بن محمد الأشناني، أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبدوس، حدثنا عثمان بن سعيد الدارمي، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن مطر فذكره.
وهو مخرج في كتاب مسلم.
والإيمان بالبعث هو أن يؤمن بأن (^٤) الله تعالى يعيد الرفات من أبدان الأموات،
_________________
(١) سورة التغابن (٦٤/ ٧).
(٢) سورة الجاثية (٤٥/ ٢٦).
(٣) سورة المؤمنون (٢٣/ ١٥١).
(٤) إسناده: رجاله ثقات. وأخرجه مسلم من طرق عن حماد بن زيد عن مطر به (١/ ٣٨). وقد مرت الإشارة إليه وتخريجه في رقم (١٩).
(٥) كذا في الأصل، وفي (ن) والمطبوعة "يؤمن بالله تعالى".
[ ١ / ٤١٠ ]
ويجمع ما تفرق منها في البحار وبطون السباع وغيرها حتى تصير بهيئتها الأولى، ثم يجمعها حية، فيقوم الناس كلهم بأمر الله تعالى أحياء، صغيرهم وكبيرهم حتى السقط الذي قد تم خلقه، ونفخ فيه الروح، فأما الذي لم يتم خلقه، أو لم ينفخ فيه الروح أصلًا، فهو وسائر الأموات بمنزلة واحدة واللّه تعالى أعلم.
وأما قول الله ﷿ في صفة القيامة:
﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ. يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا﴾ (^١).
فإنما أراد الحوامل (^٢) اللاتي متن (^٣) بأحمالهن، فإذا بعثن أسقطن تلك الأحمال من فزع يوم القيامة (ثم إن كانت الأحمال أحياء في الدنيا أسقطنها يوم القيامة) (^٤) أحياء، ولا يتكرر عليها الموت، وإن كانت الأحمال لم ينفخ فيها الروحُ في الدنيا، أسقطنها أمواتًا، كما كانت، لأن الإحياءَ إنما هو إعادة الحياة إلى من كان حيًا فأميت، ومن لم يكن له في الحياة نصيب فلا نصيب له في الحياة الآخرة.
وقد ذكر الله ﷿ في غير أية من كتابه إثبات البعث منها قول الله ﷿ ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ (^٥).
وقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (^٦).
فاحال بقدرته على إحياء الموتى على قدرته على خَلْقِ السموات والأرض التي هي أعظم جسمًا من الناس.
_________________
(١) سورة الحج (٢٢/ ٢).
(٢) راجع ما قاله الحليمي في "المنهاج" (١/ ٣٤٥). وفي الأصل "الحامل".
(٣) في المطبوعة "لم يضعن أحمالهن" موضع "متن بأحمالهن".
(٤) العبارة بين القوسين سقطت من ن.
(٥) سورة يس (٣٦/ ٨١).
(٦) سورة الأحقاف (٤٦/ ٣٣).
[ ١ / ٤١١ ]
ومنها قوله ﷿: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ٠ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ (^١).
فجعل النشاة الأولى دليلًا على جواو النشاة الآخرة لأنها في معناها ثم قال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ (^٢).
فجعل ظهور النار على حرها ويبسها من الشجر الأخضر علما نداوته ورطوبته (دليلًا) (^٣) على جواز خلقه الحياة في (^٤) الرمة البالية والعظام النخرة. وقد نبهنا الله ﷿ في غير آية من كتابه على إحياء الموتى بالأرض، تكون حية تنبت وتنمى وتثمر ثم تموت فتصير إلى أن لا تنبت، وتبقى خاشعة جامدة (^٥)، ثم يحييها فتصير إلى أن تنبت وتنمي، وهو الفاعل لحياتها وموتها، ثم حياتها، فإذا قدر على ذلك لم يعجز أن يميت الإنسان، ويسلبه معاني الحياة، ثم يعيدها إليه، ويجعله كما كان.
ونبهنا بإحياء النطفة التي هي ميتة، وخلق الحيوان منها على قدرته على إحياء الموتى فقال ﷿: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ (^٦).
يعني نطفًا في الأصلاب والأرحام، فخلقكم منها بشرَا تنتشرون.
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ. فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ. إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ. فَقَدَرْنَا (^٧) فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ (^٨).
_________________
(١) سورة يس (٣٦/ ٧٨).
(٢) نفس السورة (٣٦/ ٨٠).
(٣) في الأصل غير واضحة. وفي (ن) والمطبوعة "ورطوبته جواز على جواز خلقه".
(٤) كذا في الأصل وهو الصواب "في (ن) والمطبوعة "من الرمة".
(٥) كذا بالجيم وفي اللغة: أرض جماد إذا لم يصبها المطر، ولا يكون شيء فيها. وأرض هامدة (بالهاء) جافة ذات تراب لا نبات فيها. وفي المطبوعة "خامدة" بالخاء.
(٦) سورة البقرة (٢/ ٢٨).
(٧) في المطبوعة "قادرنا" مصحفا.
(٨) سورة المرسلات (٧٧/ ٢٠ - ٢٣).
[ ١ / ٤١٢ ]
فأعلمنا (^١) أنه إذا أخرج النطفة من صلب الأب فهي ميتة، ثم إنه جل ثناؤه جعلها حية في رحم الأم (^٢)، يخلق من يخلق منها، ويركب الحياة فيه فهذا إحياء ميتة في المشاهدة، فمن يقدر على هذا لا يعجز عن أن يميت هذا الخلق، ثم يعيده حيًّا. ثم بسط هذا المعنى في أية أخرى فقال: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى. ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى. فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى. أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ (^٣).
ونبهنا على ذلك بفلق (^٤) الحب والنوى فقال ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ (^٥).
وذلك أن الحب إذا جف ويبس بعد انتهاء نمائه، وقع (^٦) اليأس من ازدياده، وكذلك النوى إذا تناهى عظمه وجف ويبس كانا ميتين، ثم إنهما إذا أودعا الأرض الحية فلقهما الله تعالى، وأخرج منهما ما يشاهد من النخل والزرع حيًّا ينشأ وينمو إلى أن يبلغ غايته، ويدخل في هذا المعنى البيضة تفارق البائض، ويجري عليها حكم الموت، ثم يخلق الله منها حيًّا فهل هذا إلا إحياء الميتة، وهو أمر مشاهد والعلم به ضروري.
وقد نبهنا الله ﷿ على إحياء الموتى بما أخبر (^٧) من إراءة إبراهيم ﵇ إحياء الأموات، وقد نقلته عامة أهل الملل.
وبما أخبر (^٨) به عن الذين خرجوا (^٩) من ديارهم، وهم ألوف حذر الموت، فقال لهم الله: موتوا ثم أحياهم.
_________________
(١) كذا في الأصل وفي (ن) والمطبوعة "ما علمتم".
(٢) وفي جميع النسخ "الرحم الأم".
(٣) سورة القيامة (٧٥/ ٣٧ - ٤٥).
(٤) هذا هو الأوجه الأصوب. وفي جميع النسخ "بخلق" (بالخاء).
(٥) سورة الأنعام (٦/ ٩٥).
(٦) في (ن) "ووقع".
(٧) انظر سورة البقرة (٢/ ٢٦٠).
(٨) نفس السورة (٢/ ٢٤٣).
(٩) في (ن) "أخرجوا".
[ ١ / ٤١٣ ]
وبما أخبر به (^١) عن الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها، قال: أنى يحيى هذه اللّه بعد موتها؟ فاماته الله مائة عام، ثم بعثه.
وبما أخبر به (^٢) عن عصا موسى ﵇ وقلبه إيّاها حية ثم إعادتها (^٣) خشبة، ثم جعلها عند محاجة السحرة حية ثم إعادتها خشبة وقد اشتركت عامة أهل الملل في نقله. وبما أخبر به (^٤) من شأن أصحاب الكهف الذين ضرب على آذانهبم زيادة على ثلاثمائة سنة، ثم أحياهم ليدل قومهم عندما أعثرهم عليهم على أن ما أنذروا به من البعث بعد الموت حق لا ريب فيه، وقد نقلنا الآثار في شرح ذلك في الأول من كتاب "البعث والنشور" (^٥).
_________________
(١) راجع سورة البقرة (٢/ ٢٥٩).
(٢) سورة الأعراف (٧/ ١٠٧ - ١٢٦) وانظر القصة في سورة يونس وسورة طه وسورة الشعراء وسورة النمل والقصص.
(٣) في (ن) "أعادها" في الموضعين.
(٤) سورة الكهف (١٨/ ٩ - ٢٢).
(٥) وهو ناقص في النسخة المطبوعة "المحققه".
[ ١ / ٤١٤ ]
(٨) الثامن من شعب الإيمان