قال الله ﷿: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ (^١).
قال البيهقي ﵀ (^٢): فدل ذلك علّى أن حب الله ﷻ من الإيمان، لأن قوله:﴾ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾.
إشارة إلى أن الإيمان يحرك على حب الله ﷻ ويدعو إليه، قال اللّه جل ثناؤه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (^٣).
فأبان أن اتباع نبيه - ﷺ - من موجبات محبة الله فإذا كان اتباع النبي - ﷺ - إيمانًا، فقد وجب أن يكون حب اللّه الموجب له إيمانًا، وقال الله ﷿: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (^٤).
قال البيهقي ﵀: فأبان بهذا أن حب الله وحب رسوله والجهاد في سبيله فرض، وأنه لا ينبغي أن يكون شيئ سواه أحب إليهم منه، وبمثل ذلك جاءت السنة.
[٤٠٠] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن
_________________
(١) سورة البقرة (٢/ ١٦٥).
(٢) وانظر ما قاله الحليمي في "المنهاج" (١/ ٤٩٦ - ٥٠٠).
(٣) سورة آل عمران (٣/ ٣١).
(٤) سورة التوبة (٩/ ٢٤).
(٥) إسناده: صحيح. هلال بن أبي ميمونة هو هلالى بن علي بن أسامة العامري، وقد ينسب إلى جده. ثقة. من الخامسة (ع). وفي (ن) والمطبوعة "هلالى بن أبي منصور".
[ ٢ / ٥ ]
الوليد بن مزيد البيروتي، أخبرني أبي، قال سمعت الأوزاعي (يقول) حدثني يحيى بن أبي كثير، حدثني هلال بن أبي ميمونة، حدثني عطاء بن يسار، حدثني رفاعة بن عرابة الجهني قال: صدرنا مع رسول الله - ﷺ - من مكة فجعل الناس يستأذنون رسول الله - ﷺ - فجعل يأذن لهم؟ قال: فقال رسول الله - ﷺ -: "مَا بَالُ شِقّ الشَجرة الَّتي تَلي رسول الله - ﷺ -" أبغضُ إليكم من الشِّق الآخر؟ " فلا نرى من القوم إلا باكيًا قال: فيقول أبو بكر الصديق ﵁: إن الذي يستأذنك في نفسي بعد هذالسفيه، قال فقام رسول الله - ﷺ -، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أشهد عند الله"- وكان إذا حلف قال: "والذي نفسي بيده- ما منكم من أحدٍ يؤمنُ بالله، ثُمّ يُسدد إلا سُلك به في الجنة، ولقد وعدَني ربّي أن يُدخِل من أمّتي الجنّة سبعين ألفا لا حسابَ عليهم ولا عذاب، وإنّي لأرجو أن لا تدخلوها حتّى تتبؤَءوا أنتم ومن صلح من أزواجكم وذرياتكم مساكن (^١) في الجنة" وذكر الحديث (^٢).
[٤٠١] أخبرنا أبو صالح بن أبي طاهر العنبري، أخبرنا جدي يحيى بن منصور
_________________
(١) في (ن) "مساكين".
(٢) وتمامه: قال "إذا مضى نصف الليل- أو قال ثلثا الليل- ينزل الله ﷿ إلى السماء الدنيا فيقول: لا أسال عن عبادي أحدًا غيري، من ذا يستغفرني فاغفر له؟ من ذا الذي يدعوني فأستجيب له؟ من ذا الذي يسألني فأعطيه؟ حتى ينفجر الصبح". وأخرجه أحمد في "مسنده"ومن طريق الأوزاعي وهشام الدستوائي وشيبان كلهم عن يحيى بن أبي كثيربه (٤/ ١٦). وأخرجه ابن حبان (٩ - موارد) والطبراني في "الكبير" (٥/ ٤٣ رقم ٤٥٥٦) وابن خزيمة في "التوحيد" (١٣٢) من طريق الأوزاعي عن يحيى به. ورواه الطبراق من طرق أخرى (رقم ٤٥٥٧، ٤٥٥٨، ٤٥٥٩، ٤٥٦٠) وقال الهيثمي في "المجمع" (١٠/ ٤٠٨) عند ابن ماجه (٢/ ١٤٣٢) طرت منه يسير، ورواه الطبراني والبزار بأسانيد ورجال بعضها عند الطبراني والبزار رجال الصحيح. وقال عن رجال أحمد: رجاله موثقون (مجمع الزوائد ١/ ٢٠ - ٢١). وأخرجه ابن المبارك في "الزهد" (٣٢٢ رقم ٩١٩) والطيالسي (ص ١٨٢) من طريق هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير به.
(٣) سناده: صحيح. • عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، أبو محمد البصري (م ١٩٤ هـ). ثقة، تغير قبل موته بثلاث سنين (ع). • أيوب هو السختياني. • وأبو قلابة هو الجرمي، عبد الله بن زيد.
[ ٢ / ٦ ]
القاضي، حدثنا أحمد بن سلمة، حدثنا إسحاق بن إبراهيم ومحمد بن بشار العبدي عن عبد الوهاب، حدثنا أيوب، عن أبي قلابة عن أنس بن مالك أن رسول الله - ﷺ - قال: "ثَلَاثٌ مَنْ كن فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلاوَةَ الإيماَن: أن يَكُونَ اللهُ ورسولُه أحبَّ إليه ممّا سواهما، وأن يُحبّ المرءَ لا يحبّه إلالله، وأنْ يكره أن يعودَ في الكفر كما يكرَهُ أن يوقد له نارٌ فيقذَف فيها".
لفظ حديث محمد بن بشار. رواه البخاري في الصحيح (^١) عن محمد بن المثنى عن عبد الوهاب الثقفي.
ورواه مسلم (^٢) عن محمد بن بشار وغيره.
_________________
(١) في الإيمان (١/ ٩). وأخرجه في كتاب الإكراه (٨/ ٥٦) عن محمد بن عبد الله بن حوشب الطائفي عن عبد الوهاب به.
(٢) في الإيمان عن إسحاق بن إبراهيم ومحمد بن يحيى بن أبي عمر، ومحمد بن بشار جميعًا عن عبد الوهاب الثقفي (١/ ٦٦). وأخرجه أحمد في "مسنده" (٣/ ١٠٣) عن عبد الوهاب "من طريقه أبو نعيم في "الحلية" (١/ ٢٧، ٢/ ٢٨٨). كما أخرجه الترمذي في الإيمان (٤/ ١٥ رقم ٢٦٢٤) عن ابن أبي عمر، وأبو يعلى في "مسنده" (٥/ ١٩٤ رقم ٢٨١٣) عن إسحاق كلاهما عن عبد الوهاب به. وأخرجه ابن منده في ""كتاب الإيمان" من طرق عن عبد الوهاب به (٢/ ٤٣١ رقم ٢٨١). وروي من طريق شعبة عن قتادة عن أنس. أخرجه البخاري في الإيمان (١/ ١١) وفي الأدب (٧/ ٨٣) ومسلم في الإيمان (١/ ٦٦ رقم ٦٨) والنسائي في الإيمان (٣/ ٩٦) وابن ماجه في الفتن (٢/ ١٣٣٨ رقم ٤٠٣٣) وأحمد (٣/ ١٧٢، ٢٠٧، ٢٤٨، ٢٧٥) والطيالسي في "مسنده" (هـ ٢٦٤) وابن المبارك في "الزهد" (٢٨٥) رقم (٨٢٧) وأبو يعلى في "مسنده" (٥/ ٣٥٥ رقم ٣٠٠٠، ٣٠٠١، ٥/ ٤٤٠ رقم ٣١٤٢، ٦/ ٢٣) رقم ٣٢٥٦، ٣٢٥٩) وأبو نعيم في "الحلية" (١/ ٢٧) وابن منده في "كتاب الإيمان" (٢/ ٤٣٢ رقم ٢٨٢). وجاء من طريق ثابت عن أنس. أخرجه أحمد (٣/ ١٧٤، ٢٣٠، ٢٨٨) وأبو يعلى (٦/ ٣٥ رقم ٣٢٧٩) وابن منده (٢/ ٤٣٣ رقم ٢٨٣). ومن طريق طلق بن حبيب عن أنس. أخرجه النسائي (٨/ ٩٤) والخطيب في "تاريخه" (٢/ ١٩٩). =
[ ٢ / ٧ ]
قال البيهقي ﵀: فأبان المصطفى - ﷺ - بهذا أن حب الله وحب رسوله من الإيمان، وأبان بما قبله أن ترك متابعته يدل على خلاف المحبة، وفي ذلك دلالة على وجوب المحبة ووجوب ما تقتضيه المحبة من المتابعة والموافقة.
[٤٠٢] أخبرنا أبو سعد أحمد بن محمد الماليني، قال سمعت عبد الرحمن بن أحمد يقول
_________________
(١) = ومن طريق حميد عن أنس. أخرجه النسائي (٨/ ٩٧). ومن طريق أبان عن أنس. أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" (١١/ ٢٠٠). ومن طريق نوفل بن مسعود عن أنس. أخرجه أحمد (٣/ ١١٣ - ١١٤) وأبو نعيم في "الحلية" (٨/ ٣٩٠). ومن طريق نعيم بن عبد الله المجمر عن أنس. رواه الطبراني في "الكبير" (١/ ٢٥١ رقم ٧٢٤) وفي "الصغير" (١/ ٢٥٧ - ٢٥٨) وسنده ضعيف.
(٢) إسناده: لم أعرف شيخ الماليني. • أبو عبد الله بن خفيف هو الشيخ الإمام العارف القدوة، ذو الفنون، أبو عبد الله محمد بن خفيف (بفتح الخاء) ابن إسكفشار الضبي الفارسي، الشيرازي (م ٣٧١ هـ) حدث عن حماد ابن مدرك وجماعة، وتفقه على أبي العباس بن سريج. حدث عنه القاضي أبو بكر بن الباقلاني ومحمد بن عبد الله بن باكويه وغيرهما. قال السلمي: صحب رويم بن أحمد، وابن عطاء، ولقي الحلاج، وهو من أعلم المشايخ بعلوم الظاهر، متمسك بالكتاب والسنة فقيه شافعي. وكان من أولاد الأمراء فتزهد، وصنف من الكتب ما لم يصنّفه أحد. راجع "طبقات الصوفية" (٤٦٢ - ٤٦٦)، و"الحلية" (١٠/ ٣٨٥ - ٣٨٧)، "الأنساب" (٧/ ٤٥١)، "تبيين كذب المفتري" (١٩٠ - ١٩٢)، "السير" (١٦/ ٣٤٢ - ٣٤٧)، "الوافي" (٣/ ٤٢ - ٤٣)، "طبقات السبكي" (٢/ ١٥٠ - ١٥٩)، "شذرات" (٣/ ٧٦ - ٧٧). • أبو العباس بن سريج هو أحمد بن عمر بن سريج البغدادي، القاضي الشافعي (م ٣٠٦ هـ). يلقب بالباز الأشهب. له مؤلفات في الفقه. سمع الحديث في حداثته ولحق أصحاب سفيان بن عيينة ووكيع، وتفقه بأبي القاسم عثمان بن بشار الأنماطي الشافعي صاحب المزني. وبه انتشر مذهب الشافعي ببغداد، وتخرج به الأصحاب. حدث عنه الطبراني وأبوالوليد الفقيه وغيرهما. كان جمع الزهد والفقه والكلام. وفي نسخ الكتاب عندنا "شريح" خطأ. =
[ ٢ / ٨ ]
سمعت أبا عبد الله بن خفيف يقول: دخل البصري على أبي عباس بن سريج فقال له ابن سريج: أين تعرف في نص الكتاب أن محبة الله فرض؟ فقال: لا أدري ولكن يقول القاضي. فقال له: قوله ﷿: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ-إلى قوله- أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا﴾ (^١).
والوعيد لا يكون إلا على ترك فرض.
[٤٠٣] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا الحسن بن محمد بن إسحاق، حدثنا أبو عثمان سعيد بن عثمان الخياط، حدثنا أحمد بن أبي الحواري قال سمعت سفيان بن عيينة يقول: والله لا تبلغوا ذروة هذا الأمر حتى لا يكون شيء أحب إليكم من الله ﷿، ومن أحب القرآن فقد أحب الله ﷿.