قال اللّه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ (^١) عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ (^٢).
وقال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ (^٣).
وقال: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ (^٤). وغير ذلك من الآيات في هذا المعنى. وروينا في حديث (^٥) ابن عمر، عن عمر بن الخطاب ﵁، عن النبي - ﷺ - حين سئل عن الإيمان، فقال: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله".
والإيمان بالقرآن (^٦) يتشعب شعبا فأولاها الإيمان بأنه كلام اللّه ﵎ وليس من وضع محمد - ﷺ - ولا من وضع جبريل ﵇.
والثانية: الاعتراف بأنه معجز النظم لو اجتمعت الإنس (^٧) والجن على أن يأتوا بمثله لم يقدروا عليه.
والثالثة: اعتقاد أن جميع القرآن الذي توفي النبي - ﷺ - (عنه) (^٨) هو هذا الذي في مصاحف المسلمين لم يفت منه شيء ولم يضع بنسيان ناس، ولا ضلال صحيفة، ولا موت قارئ ولا كتمان كاتم ولم يحرف منه شيء ولم يزد فيه حرف ولم ينقص منه
_________________
(١) في الأصل "أنزل" وهو خطأ.
(٢) سورة النساء (٤/ ١٣٦).
(٣) سورة البقرة (٢/ ٢٨٥).
(٤) سورة البقرة (٢/ ٤).
(٥) مر برقم (١٩).
(٦) هذا الكلام مأخوذ من الحليمي في "المنهاج" (١/ ٣١٧).
(٧) في الأصل "الجن والإنس".
(٨) سقط من الأصل.
[ ١ / ٣٢٦ ]
حرف فأما الوجه الأول فإن الله ﷿ قال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (^١).
وقال: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ﴾ (^٢).
وقال: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ (^٣).
وقال: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ. نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ. عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ (^٤).
وقال (^٥): ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾. ومعناه والله أعلم أنزلنا الرسول المؤدى له به فيكون الرسول منتقلا من علو إلى سفل مؤديا للكلام الذي حفظه وذلك بين في الآية قبلها وهو أنه أخبر أنه نزل به الروح الأمين على قلب محمد - ﷺ - (فيكون جبريل ﵇ منتقلا به من مقامه المعلوم إلى الأرض مؤديا له إلى محمد - ﷺ - (^٦) وأخبر في الآية قبلها أنه أنزله بعلمه وفي الآية قبلها أنه من عنده لا من عند غيره وقال: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ (^٧).
ففصل بين المخلوق والأمر ولو كان الأمر مخلوقا لم يكن لتفصيله معنى وقال: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ (^٨).
والسبق على الإطلاق (يقتضي) (^٩) سبق كل شيء سواه وقال: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (^١٠).
فلو كان قوله مخلوقا تعلق- بقول أخر وذلك حكم ذلك القول حتى يتعلق بما لا
_________________
(١) سورة النساء (٤/ ٨٢).
(٢) سورة الأنعام (٦/ ١٥٥).
(٣) سورة النساء (٤/ ١٦٦).
(٤) سورة الشعراء (٢٦/ ١٩٢ - ١٩٤).
(٥) سورة يوسف (١٢/ ٢).
(٦) العبارة بين القوسين ساقطة في (ن).
(٧) سورة الأعراف (٧/ ٥٤).
(٨) سورة طه (٢٠/ ١٢٩).
(٩) زيادة من (ن) والمطبوعة.
(١٠) سورة النحل (١٦/ ٤٠).
[ ١ / ٣٢٧ ]
يتناهى وذلك محال، قال الأستاذ أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك ﵀: فيما عسى (أن) (^١) يقال على هذا من السؤال الكلام على الحقيقة لا ينقل عنه إلا بدليل وقوله "كن" أمر تكوين للمعدوم لا أمر تكليف بمنزلة قوله: ﴿كُونُوا حِجَارَةً﴾ (^٢). ﴿وكُونُوا قِرَدَةً خَاِسِئِينَ﴾ (^٣).
ويكون قوله "كن" متعلقا با يكون في الوقت الذي يكون في المعلوم أنه يكون فيه فلا يكون ذلك الوقت إلا كان كما يكون نفسه سامعا للصوت وقت وجود الصوت، وإن كان قبل ذلك سامعا أيضا إلا أنه يتعلق بالصوت وقت وجوده في أنه سمعه حينئذ لا قبله والفاء في قوله "فيكون" لا تقتضي أن يكون للتعقيب مع ما علق عليه لأن ذلك جواب "إنما" فكانه قال: لا يكون قوله "كن" متعلقا بما يكون إلا كان في الحال التي علم أنه يكون فيها وأن لا يوجب استقبال لأن ذلك مع ما بعده بمنزلة المصدر كما كان قوله: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (^٤). معناه والصيام خير (^٥) لكم وذلك لا يقتضي استقبالا قلنا وقد قال: الله ﷿ في إثبات صفة الكلامِ لنفسه ونفي النفاد عنه ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ (^٦).
وإنما ذكرها بلفظ الجمع على طريق التعظيم كقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (^٧).
قال البيهقي رحمه الة قال: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (^٨).
فذكره بالتكرار وأخبر الله ﷿ بما كلم به موسى فقال: ﴿يَا مُوسَى. إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى. وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى. إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (^٩) إلى قوله ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفسِي﴾.
_________________
(١) زيادة من الأصل.
(٢) سورة الإسراء (١٧/ ٥٠).
(٣) سورة البقرة (٢/ ٦٥).
(٤) سورة البقرة (٢/ ١٨٤).
(٥) في (ن) "خيرا".
(٦) سورة الكهف (١٨/ ١٠٩).
(٧) سورة الحجر (١٥/ ٩).
(٨) سورة النساء (٤/ ١٦٤).
(٩) سورة طه (٢٠/ ١٢ - ٤١).
[ ١ / ٣٢٨ ]
وقال: ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (^١).
فهذا كلام سمعه موسى ﵇ من ربه بإسماع الحق إياه بلا ترجمان كان بينه وبينه ودل بذلك على ربوبيته ودعاه إلى وحدانيته وعبادته وإقامة الصلاة لذكره وأخبره أنه اصطفاه لنفسه واصطفاه لرسالاته (^٢) وبكلامه وأنه مبعوث إلى خلقه فمن زعم أنه إنما سمعه من غير الله ﷿ فقد زعم أن غير الله ادعى الربوبية لنفسه ودعا موسى إلى وحدانية نفسه وذلك كفر وإن زعم أن ذلك الغير دعا إلى الله كذبه قوله: ﴿إِنَّي أَنَا رَبُّكَ﴾ و﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾.
ولكان ذلك الغير يقول: ربي وربك فاعبده دل أنه إنما سمعه ممن له الربوبية والوحدانية ولأن الأمة اجتمعت مع سائر أهل الملل على أن موسى كان مخصوصا بفضل كلام الله ﷿ ولو كان إنما سمعه من مخلوق لم يكن له خاصية ولا شبه أن يكون من سمعه من جبريل أكثر خاصية منه لزيادة فضل جبريل على صوت يخلقه الله ﷿ في الوقت لموسى.
وقد روينا (^٣) في حديث عمر بن الخطاب ﵁، عن النبي - ﷺ - في قصة مناظرة آدم وموسى قال: "فقال آدم لموسى: أنت نبي بني إسرائيل الذي كلمك (^٤) الله من وراء الحجاب، لم يجعل الله بينك وبينه رسولا من خلقه".
[١٦٦] أخبرنا أبو علي الروذباري، أخبرنا أبو بكر بن داسة، حدثنا أبو داود، حدثنا
_________________
(١) سورة الأعراف (٧/ ١٤٤).
(٢) في (ن) "برسالته".
(٣) أخرجه المؤلف في "الأسماء والصفات" (ص ٢٥٣) من طريق أبي داود، وهو في "سنن أبي داود" في كتاب السنة (٥/ ٧٨ رقم ٤٧٠٢). وأخرجه ابن خزيمة في "التوحيد" (ص ١٤٣) وأبو يعلى في "مسنده" (١/ ٢٠٩ رقم ٢٤٣) من طريق هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر. قال الألباني: هذا إسناد حسن رجاله ثقات رجال الشيخين غير هشام بن سعد، وهو صدوق له أوهام، وقد حسنه ابن تيمية في أول رسالته في القدر. راجع "الصحيحة" (١٧٠٢) وستاتي القصة برواية أبي هريرة برقم (١٧٨).
(٤) في (ن) "كلمه".
(٥) إسناده: رجاله موثقون. • عثمان بن المغيرة الثقفي مولاهم، أبوالمغيرة الكوفي. وهو عثمان بن أبي زرعة، ثقة. من السادسة (خ-٤). والحديث أخرجه المؤلف في "دلائل النبوة" بنفس السند ومن وجه =
[ ١ / ٣٢٩ ]
محمد ابن كثير، حدثنا إسرائيل، عن عثمان بن المغيرة، عن سالم يعني ابن أبي الجعد، عن جابر بن عبد اللّه قال: "كان رسول الله - ﷺ - بعرض نفسه على الناس بالموسم فقال: ألا رجل يحملني إلى قومه فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي ﷿". وروينا عن (^١) أبي بكو الصديق ﵁: "أنه لما قرأ سورة الروم على مشركي مكة فقالوا: هذا ما أتى به صاحبك قال: لا ولكنه كلام الله ﷿ وقوله" وفي رواية أخرى (^٢): "ليس بكلامي ولا كلام صاحبي ولكنه كلام الله ﷿" وروينا (^٣) عن عامر بن شهر أنه قال: "كنت عند النجاشي فقرأ ابن له أية من الإنجيل فضحك فقال: أتضحك من كلام الله ﷿".
وروينا (^٤) عن خباب بن الأرت أنه قال: "تقرب ما استطعت واعلم أنك لن تتقرب إلى الله بشيء أحب إليه من كلامه".
_________________
(١) = أخر عن إسرائيل (٢/ ٤١٣) وهو عند أبي داود في "سننه" في السنة (٥/ ١٠٣ رقم ٤٧٣٤). وأخرجه الترمذي عن محمد بن إسماعيل، وهو البخاري، عن محمد بن كثير به (٥/ ١٨٤ رقم ٢٩٢٥) وهو عند البخاري في "خلق أفعال العباد" (١٣). كما أخرجه ابن ماجة في المقدمة (١/ ٧٣ رقم ٢٠١)، والدارمي في فضائل القرآن (ص ٨٣٦)، وأحمد في "مسنده" (٣/ ٣٩٠) من طريق إسرائيل عن عثمان به. وأخرجه اللالكائي في "شرح السنة" (رقم ٥٥٥) عن سليمان عن محمد بن كثير به.
(٢) أخرجه المؤلف فى "الأسماء والصفات" (٣٠٩) من طريق محمد بن يحيى الذهلي عن شريح بن النعمان حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن عروة بن الزبير عن نيار بن مكرم فذكر قصة أبي بكر مع المشركين. قال البيهقي، وهذا إسناد صحيح. (قلت): عبد الرحمن بن أبي الزناد تكلموا فيه، وضعفه جماعة، راجع "الميزان" (٢/ ٥٧٥).
(٣) أخرجه في "الأسماء والصفات" (٣٠٩) من طريق أبي معمر الهذلي عن شريح عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه. وأخرجه الترمذي في "التفسير" (٥/ ٣٤٤ رقم ٣١٩٤) من طريق ابن أبي الزناد، وصححه. وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (٦/ ٤٨٠) للدارقطني في "الأفراد"، والطبراني، وابن مردويه، وأبي نعيم في" الدلائل". وانظر روايات أخرى في هذا الصدد في "الدلائل" للمؤلف (٢/ ٣٣٠ - ٣٣٤).
(٤) أخرجه في "لأسماء والصفات" (٣١٠) بسند ضعيف. ورواه أبو داود في كتاب السنة من "سننه" (٤/ ١٠٥ رقم ٤٧٣٦) وسنده أيضا ضعيف.
(٥) راجع "الأسماء والصفات" أيضا (٣١٠ - ٣١١) وقال المؤلف عن إسناده أنه صحيح. وأخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (١٠/ ٥١٠ - ٥١١). كما أخرجه أحمد في "الزهد" (٣٥) بسند صحيح. وذكره البخاري في كتاب "خلق أفعال العباد" بدون سند (١٣).
[ ١ / ٣٣٠ ]
وروينا عن ابن مسعود (^١) أنه قال: "أصدق الحديث كلام الله ﷿".
وعن عمر بن الخطاب (^٢) ﵁ قال: "القرآن كلام اللّه ﷿".
وعن عثمان بن عفان (^٣) ﵁ قال: "لو أن قلوبنا طهرت لما شبعنا من
كلام ربنا".
وعن علي بن أبي طالب (^٤) ﵁ أنه قال: "ما حكمت مخلوقا إنما حكمت القرآن".
وعن ابن عباس (^٥) "أنه صلى على جنازة فقال رجل: اللهم رب القرآن العظيم اغفر له فقال ابن عباس: ثكلتك أمك إن القرآن منه إن القرآن منه".
وقد ذكرنا أسانيد هذه الآثار في كتاب الصفات مع سائر ما ورد فيه، عن النبي - ﷺ - وعن أصحابه والتابعين وأتباعهم.
[١٦٧] أخبرنا أبو بكر محمد بن إبرهيم الفارسي في "التاريخ "، حدثنا أبو إسحاق إبراهيم
_________________
(١) انظر "الأسماء والصفات" (٣١١) و"المدخل" (٤٢٦). وأخرجه البخاري بسنده في "خلق أفعال العباد" (١٤).
(٢) أخرجه المؤلف في "الأسماء والصفات" (٣١٢) من طرق. وأخرجه الدارمي في فضائل القرآن (ص ٨٣٧).
(٣) "الأسماء والصفات" (٣١٣).
(٤) أيضًا، وراجع "شرح السنة" للالكائي (١/ ٢٢٨ - ٢٢٩).
(٥) "الأسماء والصفات" (٣١٢)، و"شرح السنة" للالكائي (٢/ ٢٣٠) وراجع "شرح السنة" للبغوي (١/ ١٨٦).
(٦) أبو بكر محمد بن إبراهيم الفارسي، ذكره الذهبي في"السير" (١٧/ ٤٢٩) وقال: روى عنه البيهقي، ولا أعلم متى توفي. • إبراهيم بن عبد الله بن إسحاق بن جعفر، أبو إسحاق الأصبهاني، يعرف بالقصار (م ٣٧٣ هـ) ذكره الخطيب في "تاريخه" (٦/ ١٢٧) وقال قال الحاكم: لقب بالقصار لأنه كان يغسل الموتى لورعه وزهده واجتهاده في العبادة. وراجع "أخبار أصبهان" (١/ ٢٠١). • أبو أحمد محمد بن سليمان بن فارس الدلال (م ٣١٢ هـ). من أهل نيسابور، كانت له ثروة ظاهرة وتجارة واسعة، فذهبت فاشتغل بالدلالة بعد أن كان أنفق على العلم الأموال الكثيرة، وكان التمس من محمد بن إسماعيل البخاري نزول داره فنزل عنده مدة وقرأ عليه كتاب "التاريخ". قال أبو عبد الله بن الأخرم الحافظ: ما أنكرنا عليه الا لسانه، فإنه كان فحاشًا "الأنساب" (٥/ ٤٣١ - ٤٣٢)، "شذرات" (٢/ ٢٦٥). =
[ ١ / ٣٣١ ]
ابن عبد الله الأصبهاني أخبرنا أبو أحمد محمد بن سليمان بن فارس، حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري قال: الحكم بن محمد أبو مروان الطبري حدثناه سمع ابن عيينة قال: أدركت مشيختنا منذ سبعين سنة منهم عمرو بن دينار يقولون: "القرآن كلام الله ليس بمخلوق" كذا قال البخاري (^١): عن الحكم ورواه سلمة بن شبيب (^٢)، عن الحكم بن محمد قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار قال: سمعت مشيختنا منذ سبعين يقولون فذكر معنى هذه الحكاية.
[١٦٨] أخبرنا أبو منصور الفقيه، أخبرنا أبو أحمد الحافظ، أخبرنا أبو عروبة السلمي قال: أخبرنا سلمة بن شبيب فذكره. وكذلك (^٣) رواه (غير) (^٤) الحكم بن محمد، عن سفيان. قال البيهقي ﵀: مشيخة عمرو بن دينار جماعة من الصحابة (^٥) منهم عبد الله
_________________
(١) =. محمد بن إسماعيل البخاري، أبو عبد الله (م ٢٥٦ هـ)، هو الإمام العلم، أمير المؤمنين في الحديث، صاحب "الجامع الصحيح". • الحكم بن محمد، أبو مروان الطبري (م ٢١٩ هـ)، ذكره ابن حبان في "الثقات" (٨/ ١٩٥) وترجم له الحافظ ابن حجر في "تهذيب التهذيب" (٢/ ٤٣٨). • عمرو بن دينار المكي، أبو محمد الأثرم، الجمحي مولاهم (م ١٢٦ هـ). ثقة، ثبت. من الرابعة (ع).
(٢) راجع "خلق أفعال العباد" (٧) وأخرجه المؤلف في "الأسماء والصفات" (٣١٥) وأخرجه اللالكائي في "شرح السنة" من وجه أخر عن الحكم (١/ ٢٣٤) ومن طريق البخاري (١/ ٢٣٦).
(٣) أخرجه المؤلف في "الأسماء والصفات" أيضًا (٣١٥) وأخرجه اللالكائي في "شرح السنة" (١/ ٢٣٤). من طريق محمد بن منصور الأملي عن الحكم به.
(٤) إسناده: رجاله ثقات. • أبو عروبة السلمي، الحسين بن محمد بن أبي معشر مودود، السلمي، الحراني (م ٣١٨ هـ). محدث حران، وصاحب التاريخ، كان من نبلاء الثقات. قال ابن عدي: كان عارفًا بالرجال وبالحديث، وكان مع ذلك مفتي أهل حران. راجع "التذكرة" (٢/ ٧٧٤ - ٧٧٥)، "السير"، (١٤/ ٥١٠ - ٥١٢)، "شذرات" (٢/ ٢٧٩). • سلمة بن شبيب المسمعي، النيسابوري (م بضمع وأربعين ومائتين). ثقة، من كبار الحادية عشر (م-٤).
(٥) راجع "الأسماء والصفات" (٣١٥).
(٦) زيادة من "الأسماء والصفات".
(٧) (قلت): الصحابة لم يعرف عنهم أنهم خاضوا في مثل هذه المناقشات. وقد روى المؤلف من طريق أب أحمد بن عدي عن أنس أنه قال: "القرآن كلام الله. وليس كلام الله بمخلوق". وقال: قال أبو أحمد: هذا الحديث وإن كان موقوفًا على أنس ﵁ فهو منكر، لأنه =
[ ١ / ٣٣٢ ]
ابن عباس وعبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله وعبد الله بن الزبير وأكابر التابعين.
وروينا هذا القول (^١) عن علي بن الحسين وجعفر بن محمد الصادق ومالك بن أنس
_________________
(١) = لا يعرف للصحابة، ﵃، الخوض في القرآن. قلت: (أي البيهقي) إنما أراد به أنه لم يقع في الصدر الأول ولا الثاني من يزعم أن القرآن مخلوق حتى يحتاج إلى إنكاره، فلا يثبت عنهم شيء بهذا اللفظ الذي روينا عن أنس، وروى أيضًا مثله وأبين منه عن عمر، وعلي وعبد الله بن مسعود، لكن قد ثبت عنهم إضافة القرآن إلى الله تعالى وتمجيده بأنه كلام الله تعالى. راجع، "الأسماء والصفات" (٣١٣ - ٣١٤). وأخرج اللالكائي في "شرح السنة" عن عمرو بن دينار قال: أدركت تسعة من أصحاب رسول الله ويقولون: من قال القرآن مخلوق فهو كافر، ثم قال: وقد لقي عمرو بن دينار ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وجابر بن عبد الله والمسور بن مخرمة وسجد بن عائذ القرظي مؤذن رسول الله - ﷺ - والسائب بن يزيد الكندي وأبا الطفيل عامر بن واثلة، وروى له عن أنس فهؤلاء تسعة (١/ ٢٢٨).
(٢) راجع "شرح السنة" (١/ ٢٢٧ - ٣٣٥) حيث ذكر أسماء العلماء وأقوالهم في هذه المشكلة. • علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب، السيد الإمام، زين العابدين يكنى أبا الحسن، ويقال: أبو الحسن (م ٩٤ هـ). قال ابن سعد: كان علي بن الحسن ثقة، مأمونًا كثير الحديث، عاليًا، رفيعًا، ورعًا. وقال الزهري: ما رأيت قرشيّا أفضل من علي بن الحسين. وقال: ما رأيت أحدًا كان أفقه منه ولكنه كان قليل الحديث. وانظر ترجمته في "طبقات ابن سعد" (٥/ ٢١١ - ٢٢٢)، "المعرفة والتاريخ" (١/ ٥٤٤)،، "الحليه" (٣/ ١٣٣ - ١٤٥)، "وفيات ابن خلكان" (٣/ ٢٦٦ - ٢٦٩)، "السير" (٥/ ٣٨٦ - ٤٠٠)، "البداية والنهاية" (٩/ ١٠٣ - ١١٥). وأما عن قوله في القرآن فقد روى ابن أبي ذئب عن الزهري قال: سألت علي بن الحسن عن القرآن فقال: كتاب الله وكلامه. ذكره الذهبي في "السير" (٥/ ٣٩٦) وأخرجه المؤلف بسنده في "الأسماء والصفات" (٣١٦)، وأخرجه اللالكائي في "شرح السنة" (١/ ٢٣٨). كما روي من وجه أخر أنه قال وسئل عن القرآن: ليس بخالق ولا مخلوق، وهو كلام الخالق، وأخرجه اللالكائي في "شرح السنة" (١/ ٢٣٧). • جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، الإمام الصادق، أبو عبد الله القرشى الهاشمي (م ١٤٨ هـ). أحد الأعلام، ومن جلة علماء المدينة. قال أبوحنيفة: ما رأيت أفقه من جعفر بن محمد. كان من الكرماء النبلاء فكان يُطعم حتى لا يبقى لعياله شيء. راجع ترجمته في "الحلية" (١٣/ ٩٢ - ٢٠٦)، "وفيات ابن خلكان" (١/ ٣٢٧ - ٣٢٨) "السير" (٦/ ٢٥٥ - ٢٧٤)، "الميزان" (١/ ٤١٤ - ٤١٥)، "شذرات" (١/ ٢٥). وراجع لقوله في القرآن "الأسماء والصفات" (٣١٧)، "وخلق أفعال العبادو له" (١٥،٨)، و"شرح السنة" للالكائي (١/ ٢٤١ - ٢٤٣). • مالك بن أنس، إمام دار الهجرة، له ترجمة مفصلة في "السير"، (٨/ ٤٨ - ١٣٥) وانظر فيه مصادر أخرى لترجمته. وأما قوله في القرآن فأخرجه المؤلف في "الأسماء والصفات" =
[ ١ / ٣٣٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = (٣١٨) وذكره الذهبي في "السير" (٨/ ١٠١) والبخاري في "خلق أفعال العباد" (١٢)، كما أخرج المؤلف بسنده عن سويد بن سعيد قال: سمعت مالك بن أنس، وحماد بن زيد، وسفيان ابن عيينة، والفضيل بن عياض، وشريك بن عبد الله، ويحيى بن سليم، ومسلم بن خالد، وهشام بن سليمان المخزومي، وجرير بن عبد الحميد، وعلي بن مسهر، وعبدة، وعبد الله بن إدريس، وحفص بن غياث، ووكيعًا ومحمد بن فضيل، وعبد الرحيم بن سليمان، وعبد العزيز بن أبي حازم، والدراوردي، واسماعيل بن جعفر، وحاتم بن إسماعيل، وعبد الله بن يزيد المقرئ، وجميع من حملت عنهم العلم يقولون: "الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص، والقرأن كلام الله تعالى، وصفة ذاته غير مخلوق، من قال إنه مخلوق فهو كافر بالله العظيم" (الأسماء والصفات ٣١٨ - ٣١٩). وراجع "شرح السنة" (١/ ٢٤٩ - ٢٥١). • الليث بن سعد الإمام. له ترجمة مبسوطة في "السير" (٨/ ١٣٦ - ١٦٣) وانظر فيه مصادر أخرى لترجمته. وراجع "شرح السنة" (١/ ٢٥٠). • سفيان بن عيينة الهلالى، الإمام الكبير، حافظ عصره (م ١٩٦ هـ)، وقوله في القرآن أخرجه الذهبي في "السير" (٨/ ٤٦٦). وراجع "خلق أفعال العباد" للبخاري (١١) "والحلية" (٧/ ٢٩٦). • حماد بن زيد بن درهم، الإمام الحافظ الثبت، (م ١٧٩ هـ). ترجمته في "طبقات ابن سعد" (٧/ ٢٨٦)،"الحلية" (٦/ ٢٥٦ - ٢٦٧)، "السير" (٧/ ٤٥٦ - ٤٦٦). وقوله ذكره الذهبي في "السير" (٧/ ٤٦١). • عبد الله بن المبارك، الحنظلي، المروزي (م ١٨١ هـ). عالم زمانه، وأمير الأتقياء في وقته، الإمام، الثبت. راجع ترجمته في"الحلية" (٨/ ١٦٢ - ١٩٥)، "وفيات ابن خلكان" (٣/ ٣٢)، "السير" (٨/ ٣٧٨ - ٤٢٠). وقوله أخرجه المؤلف في "الأسماء والصفات" (٣١٩) والذهبي في "السير" (٨/ ٤٠٣) وراجع "خلق أفعال العباد" (٧) و"شرح السنة" (١/ ٢٤٤). • عبد الرحمن بن مهدي بن حسان، العنبري، البصري (م ١٩٨ هـ) الإمام الناقد، المجود، سيد الحفاظ، ثقة، حجة، متفق على إمامته. ترجمته في "طبقات ابن سعد" (٧/ ٢٩٧)، "الحلية" (٩/ ٣ - ٦٣)، "السير" (٩/ ١٩٢ - ٢٠٨). وانظر مصادر ترجمته فيه. وقوله أخرجه المؤلف بسنده في "الأسماء والصفات" (٣١٩ - ٣٢٠) وذكره الذهبي في "السير" (٩/ ٢٠٤) وراجع "خلق أفعال العباد" (١٥) وقول الشافعي أخرجه المؤلف في "الأسماء والصفات" (٣٢٢ - ٣٢٣) وراجع "السير"، (١٠/ ٣٠)، و"شرح السنة" (١/ ٢٥٢ - ٢٥٥). • يحيى بن يحيى بن بكر بن عبد الرحمن، أبو زكريا التميمي، المنقري، النيسابوري (م ٢٢٦ هـ) عالم خراسان، ومحدث عصره. قال أحمد: كان يحيى بن يحيى عندي إمامَا. ولو كانت عندي نفقة لرحلت إليه. ترجمته في "السير" (١٠/ ٥١٢ - ٥١٨) وانظر فيه مصادر أخرى لترجمته. وقوله أخرجه المؤلف في "الأسماء والصفات" (٣٢٤). • الإمام أحمد بن حنبل، أخرج المؤلف قوله في "الأسماء والصفات" (٣٢٤) وذكر الذهبي في "السير" (١١/ ٢٣٢ - ٢٦٥)، وأبونعيم في "الحلية" (٩/ ٢٥٤ - ٢١٦) خبر محنته في مشكلة خلق القرآن. =
[ ١ / ٣٣٤ ]
والليث بن سعد وسفيان بن عيينة وحماد بن زيد وعبد الله بن المبارك وعبد الرحمن ابن مهدي ومحمد بن إدريس الشافعي ويحيى بن يحيى وأحمد بن حنبل وأبي عبيد ومحمد ابن إسماعيل البخاري في مشيخة أجلة سواهم وإنما أحدث هذه البدعة الجعد ابن درهم ومنه كان ياخذ جهم فذبحه خالد بن عبد الله القسري يوم الأضحى.
قال الأستاذ أبو بكر بن فورك ﵀: لو كان كلام الباري جل وعز محدثا كان قبل حدوثه موصوفا بأنه يمنع منه كما لو كان غير عالم كان موصوفا بجهل وآفة (^١)
مانعة منه ولو كان كذلك (لما) (^٢) صح أن يتكلم في حال كما لا يصح أن يعلم لو كان لم يزل غير (^٣) عالم فوجب أنه لم يزل متكلما ولم يلق به أضداد الكلام من السكوت والخرس والطفولية.
وإن شئت قلت: كلام اللّه ﷿ لو كان مخلوقا كان يجب أن يكون موصوفا بضده قبل خلقه له لاستحالة أن يخلو الحي من الكلام وضده وضد الكلام لو كان قديما لم يجز عدمه وكان يؤدي إلى إحالة وصفه بالأمر والنهي والخبر وذلك خلاف الدين.
_________________
(١) =. أبو عبيد، القاسم بن سلام (بالتشديد) بن عبد اللّه (م ٢٢٤ هـ) الإمام الحافظ، المجتهد، ذو الفنون. أخذ اللغة عن أبي عبيدة وأبي زيد وجماعة. وصنف التصانيف المونقة التي سارت بها الركبان. إمام في اللغة والقراءات، ثقة مأمون في الحديث ترجمته في "طبقات ابن سعد" (٧/ ٣٥٥)، "تاريخ بغداد" (١٢/ ٤٠٣ - ٤١٦)، "نزهة الألباء" (١٣٦ - ١٤٢)، "معجم ياقوت" (١٦/ ٢٥٤ - ٢٦١)، "إنباه الرواة" (٣/ ١٢ - ٢٣)، "وفيات ابن خلكان" (٤/ ٦٠ - ٦٣)، "السير" (١٠/ ٤٩٠ - ٥٠٩)، وانظر مصادر أخرى لترجمته هناك. وقوله أخرجه المؤلف في "الأسماء والصفات" (٣٢٤) وفي جميع النسخ "أبي عبيد الله". وهو خطأ، وقول الإمام البخاري أيضًا أخرجه المؤلف في "الأسماء والصفات" (٣٢٤) وراجع "خلق أفعال العباد" (٧ - ١٦)، و"السير" (١٢/ ٤٥٦)، وانظر محنته في هذه المشكلة فيه (١٢/ ٤٥٣ - ٤٦٦)، وانظر قصة الجعد بن درهم في "الأسماء والصفات" (٣٢٥) "وخلق أفعال العباد" للبخاري (٧). • خالد بن عبد الله بن يزيد بن أسد القسري (م ١٢٦ هـ) أحد خطباء العرب وأجوادهم، ولي مكة سنة ٨٩ هـ للوليد بن عبد الملك ثم ولاه هشام بن عبد الملك العراقين- الكوفة والبصرة- سنة ١٠٥ هـ. ثم عزله في ١٢٠ هـ ولى مكانه يوسف بن عمر الثقفي وأمره أن يحاسبه فسجنه يوسف وعذبه، ثم قتله في أيام الوليد بن يزيد. راجع "وفيات الأعيان" (٢/ ٢٢٦ - ٢٣١) وانظر "تاريخ الطبري" حوادث ١٠٥ - ١٢٠ هـ.
(٢) في الأصل "وأنه".
(٣) زيادة لا يصح المعنى إلا بها.
(٤) في (ن) والمطبوعة "غيره عالما".
[ ١ / ٣٣٥ ]
ولأن الكلام لو كان مخلوقا كان لا يخلو من أن يخلقه في نفسه (وهذا محال) (^١) لاستحالة أن يكون محلا للحوادث، ويستحيل أن يخلقه في غيره لأنه لو كان مخلوقا في غيره لكان مضافا إلى ذلك الغير باخص أوصافه كسائر الأعراض التي هي علم وقدرة وحياة إذا خلقها في غيره ولو كان كذلك لم يكن كلام الله ولا أمرا له.
فإن قيل: يكون كلاما له كما يكون فعله تفضلا له وإن كان في غيره.
قيل: التفضل هو اسم يعم أجناسا، ونحن قلنا يضاف إليه باخص أوصافه فإن كان قوة أضيفت إلى ما خلقت فيه وإن كان سمعا وبصرا فكذلك فقولوا بأنه يضاف إليه باسم الأمر والنهي بلفظ الكلام والقول فإن لم يضيفوه لا بالأخص ولا بالأعم ولا إلى الجملة ولا إلى المحل فقد افترق الأمر فيهما.
فإن قيل: لو كان كلامه غير مخلوق لكان لم يزل مخبرا: ﴿انَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾ (^٢) ولم يزل يرسل وذلك كذب.
قيل: أو ليس قد قال (^٣): ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ﴾ ولم يقل بعد (^٤) أفهو كذب فإن قال: معناه سيقول.
قيل ذلك قوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾. في أزله خبرا، عن أن "سنرسل نوحا" قبل إرساله فإذا أرسل يكذب (^٥) خبرا، عن إرساله أنه وقع من غير أن يحدث خبرا كما أن علمه بان سيكون الدنيا علمه بأنه كائن واذا كان لم يحدث علم إنما حدث المعلوم والمخبر عنه، دون العلم والخبر، فإن قالوا: لو كان لم يزل متكلما لكان لم يزل أمرا وأمر من ليس بموجود محال.
قيل: من قال من أصحابنا لم يزل أمرا فهو يقول: لم يزل أمرا له (^٦) يكون على معنى إذا خلقت وبلغت وكمل عقلك فافعل كذا كأوامر الرسول - ﷺ - لمن (^٧) يأتي بعده
_________________
(١) زيادة لا يستقيم المعنى إلا بها.
(٢) سورة نوح (٧١/ ١).
(٣) سورة إبراهيم (١٤/ ٢٢).
(٤) في (ن) والمطبوعة "ولم يقل يعدوا فهو كذب".
(٥) كذا في جميع النسخ ولعله "يكون".
(٦) في جميع النسخ "لم" ولعل الصواب ما أثبته.
(٧) في (ن) "لما".
[ ١ / ٣٣٦ ]
ومن قال: لم يزل غير آمر وإنما يكون كلامه أمرا لحدوث معنى فنقول لا يجب إذا كان لم يزل متكلما أن يكون لم يزل أمرا لأن حقيقة الكلام غير حقيقة الأمر ولم يكن كلاما لأنه أمر وإنما كان كلاما لأنه مسموع يفيد معاني المتكلم وينفي السكوت ويكون أمر العلة الإفهام أن كذا يلزمه أن يفعله.
فإن قيل لو كان لم يزل متكلما لكان هاذيا إذ لا أحد يسمع كلامه.
قيل: أليس المسبح لا يسمع كلامه أحد ولا يكون هذيا فإن قيل: الله يسمعه قيل: فهو يسمع الهذيان أيضا ولايخرجه من أن يكون هذيانا ولأن معنى الهذيان أنه كلام لا يفيد وكلام الله يفيد المعاني الجليلة.
فإن احتج محتج بالحروف وتاخر بعضها عن بعض، وفي ذلك دلالة على الحدث وكلام الباري ليس بحروف وإنما هو معنى موجود قائم بذاته يسمع وتفهم معانيه والحروف تكون أدلة عليه كما تكون الكتابة أمارات الكلام ودلالات عليه وكما يعقل (^١) متكلما لا مخارج له ولا أدوات كذلك يعقل له كلاما ليس بحروف ولا أصوات وقوله: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ (^٢) دليلنا لأنه لولا أن في الأذكار ذكرا غير محدث ما كانت له فائدة كما أن من قال: جاءني رجل له رأس ما كانت له فائدة إذ لا يخلو منه رجل. ومعنى الذكر كلام الرسول - ﷺ - أو نفس الرسول لأنه هو الذي يأتي في الحقيقة وأما النسخ والتبديل والحفظ فكل ذلك راجع إلى الإحكام وإلى القراءة الدالة على الكلام لا إلى عين الكلام وكذلك التبعيض إنما هو في القراءة الدالة عليه والقراءة غير المقروء كما أن ذكر الله غير الله وقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ (^٣). يريد به سميناه كقوله: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ (^٤) أي وصفوا الملائكة إناثا.
_________________
(١) في المطبوعة "تفعل".
(٢) سورة الأنبياء (٢١/ ٢).
(٣) سورة الزخرف (٤٣/ ٣).
(٤) أيضًا (٤٣/ ١٩).
[ ١ / ٣٣٧ ]
قال الحليمي (^١) ﵀: وقوله ﷿: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ (^٢) إلى قوله: ﴿وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ﴾ وفي سورة أخرى ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ. ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ. مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ (^٣).
فإنما معناه إنه لقول رسول كريم، أي قول تلقاه، عن رسول كريم، أو قول سمعه، عن رسول كريم أو نزل به عليه رسول كريم، وقد قال في آية أخرى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ (^٤).
فاثبت أن القرآن كلامه ولا يجوز أن يكون كلامه وكلام جبريل معا فدل أن معناه ما قلنا.
قال البيهقي ﵀: والمقصود من تلك الآية تكذيب المشركين فيما كانوا يزعمون من وضع النبي - ﷺ - هذا القرآن ثم قد أخبر الله ﷿ أنه هو الذي نزل به الروح الأمن ﵇ على قلب محمد - ﷺ - وأن جبريل نزل به من عنده وباللّه التوفيق.
وأما الوجه الثاني وهو الاعتراف بأنه معجز النظم فقد مضى الكلام فيه، والإعجاز عند أكثر أصحابنا يقع في قراءة القرآن فنظم حروفه ودلالاته في عين كلامه القديم، ولما كان الجن والإنس عاجزين عن الإتيان بمثله، والملائكة أيضا عاجزون عن الإتيان بمثله، لأنه في قول أكثر أهل العلم ليس من جنس نظوم كلام الناس ولا يهتدى إلى وجهه (ليحتذى) (^٥) ويمثل وهو كزكيب الجواهر لتصير أجساما وقلب (^٦) الأعيان إذ كما (^٧) لا يقدر عليه الجن والإنس لا يقدر عليه الملائكة، وإنما وقع التحدي عليه للجن والإنس دون الملائكة لأن النبي - ﷺ - إنما أرسل إلى الجن والإنس دون الملائكة وفي ذلك ما أبان أن نظم القرآن ليس من عند جبريل ولكنه من عند اللطيف الخبير وهذا معنى كلام (^٨) الحليمي ﵀.
_________________
(١) راجع المنهاج (١/ ٣١٨).
(٢) سورة الحاقة (٦٩/ ٤٠ - ٤٢).
(٣) سورة التكوير (٨١/ ١٩ - ٢١).
(٤) سورة التوبة (٩/ ٦).
(٥) زيادة من "المنهاج".
(٦) وفي "المنهاج" "ولا على قلب الأعيان، ولا يقدرون عليه من ذلك".
(٧) في (ن) والمطبوعة "أو".
(٨) راجع "المنهاج" (١/ ٣١٩ - ٣٢٠).
[ ١ / ٣٣٨ ]
الوجه الثالث: فبيانه أن الله ﷿ ضمن حفظ القرآن فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (^١).
وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ. لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (^٢).
فمن أجاز أن يتمكن أحد من زيادة شيء في القرآن أو نقصانه منه أو تحريفه فقد كذب الله في خبره وأجاز الخلف فيه وذلك كفر.
وأيضا فإن ذلك لو كان ممكن لم يكن أحد من المسلمين على ثقة مما في دينه ويقين مما هو متمسك به لأنه كان لا يأمن أن يكون فيما كتم من القرآن أو ضاع بنسخ شيء مما هو ثابت من الأحكام أو تبديله بغيره، وبسط الحليمي (^٣) ﵀ الكلام فيه فصح أن من تمام الإيمان بالقرآن الاعتراف بان جميعه هو هذا المتوارث (^٤) خلفا عن سلف، لا زيادة فيه ولا نقصان منه وبالله التوفيق.