قال الله ﷿: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ. وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (^١)
وقال ﷿ فيما وصف به يوم القيامة: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ (^٢) قرأ إلى قوله تعالى: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾.
يريد به- والله أعلم- من وقفهم حيث كانوا فيه إلى أن حوسبوا، ووزنت أعمالهم، وسيق على فريق إلى حيث قضي له به.
وقوله: ﴿مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾.
يريد به التأبيد بدوامها.
وقيل: معناه ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك من الزيادة عليها.
و﴿إلَّا﴾ بمعنى سوى، وذلك يحسن إذا كان المستثنى أكثر من المستثنى منه كرجل يقول: "لفلان علي ألف درهم إلا الألفين التي هي إلى سنة (^٣) ويريد سوى الألفين وقد
_________________
(١) سورة البقرة (٢/ ٨١ - ٨٢).
(٢) ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ. فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ. خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ. وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ (سورة هوذ ١١/ ١٠٥ - ١٠٨).
(٣) في (ن) والمطبوعة "هي لي سنة".
[ ١ / ٥٦٠ ]
بسطنا الكلام في ذلك في كتاب "البعث" (^١) عن الفراء (^٢) وعن الحليمي (^٣) ﵀.
[٣٥٩] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، حدثنا إبراهيم ابن عبد الله، حدثنا عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، حدثنا قرة بن خالد ح.
_________________
(١) راجع "البعث والنشور" (٣٣١ - ٣٣٥).
(٢) قال الفرّاء في كتابه "معاني القرآن" (٢/ ٢٨). يقول القائل: ما هذا الاستثناء، وقد وعد الله أهل النار الخلود، وأهل الجنة الخلود؟ ففي ذلك معنيان: أحدهما أن تجعله استثناء يسثنيه ولا يفعله، كقولك: والله لأضربنك إلّا أن أرى غر ذلك، وعزيمتك على ضربه، فكذلك قال: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ ولا يشاؤه. والله أعلم. والقول الآخر إن العرب إذا استثنت شيئًا كبيرًا مع مثله أو مع ما هو أكبر منه كان معنى "إلا" ومعنى الواو سواء. فمن ذلك قوله ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ سوى ما يشاء من زيادة الخلود فيجعل (إلا) مكان (سوى) فيصلح، وكأنه قال، خالدين فيها مقدار ما كانت السموات وكانت الأرض سوى ما زادهم من الخلود والأبد. ومثله في الكلام أن تقول: لي عليك ألف إلاّ الألفين اللذين من قبل فلان. أفلا ترى أنه في المعنى، لي عليك سوى الألفين وهذا أحب الوجهين إلي، لأن الله ﷿ لا خلف لوعده، فقد وصل الاستثناء بقوله (عطاء غير مجذوذ) فاستدل على أن الاستثناء لهم بالخلود غير منقطع عنهم. ونقل الطبري في تفسيره هذا الكلام (١٢/ ١٢٠).
(٣) ذكر الحليمي وجهين في تأويل الاستثناء في قوله تعالى ﴿إلَأ مَا شَاءَ رَثكَ﴾ وقد أشار إليهما المؤلف. والثاني منهما هو القول الثاني من تأويل الفراء. وقال الحليمي: ويحتمل أن يكون ذكر مدة السموات والأرض في هذا الوجه إشارة إلى أن الآخرة لا تقدر بمقدار الدنيا، ولكنهم إن استوفوا في الجنة مدة العالم المنقضي، فلا الجزاء الذي لقوه منقض، ولا المآب الذي أعد لهم منقض، ولكن هذا كله دائم. والله أعلم. (المنهاج ١/ ٤٦١).
(٤) إسناده: بمجموع طرقه صحيح. • إبراهيم بن عبد الله بن يزيد السعدي، أبو إسحاق، التميمي، النيسابوري (م ٢٦٧ هـ). قال الحاكم: هو محدث كبير، أديب، كثير الرحلة، وكان يؤذن على رأس المربعة. راجع "السير" (١٣/ ٤٤)، "الوافي" (٦/ ٢٩). • عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، أبو علي البصري (م ٢٠٩ هـ). صدوق. من التاسعة. (ع). قال ابن حجر: لم يثبت أن ابن معين ضعّفه. وراجع "كتاب الضعفاء" للعقيلي (٣/ ١٢٣). • قرة بن خالد السدوسي، البصري (م ١٥٥ هـ). ثقة ضابط، من السادسة (ع). =
[ ١ / ٥٦١ ]
وأخبرنا أبو طاهر الفقيه، أخبرنا أبو حامد بن بلال، حدثنا أبو الأزهر، حدثنا يحيى ابن أبي الحجاج، حدثنا قرة بن خالد ح.
وأخبرنا أبو صالح بن أبي طاهر العنبري، أخبرنا جدي يحيى بن منصور القاضي، حدثنا أحمد بن سلمة، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا أبو عامر العقدي، حدثنا قرة بن خالد، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، عن رسول الله - ﷺ - قال: "مَنْ لَقِيَ الله وَهُوَ لَا يُشْرِكُ بِه شَيئَا دَخَلَ الجْنَّةَ، وَمَنْ لَقِيَه يُشرِكُ بِه شَيئَا دَخَلَ النار".
وذكر الحديث في رواية أبي طاهر وذكر النبي - ﷺ - قال: "مَنْ لَقِيَ اللّه لَا يُشْرِكُ بِه شَيئَا دَخَلَ الجْنَّةَ، وَمَنْ لَقِيَه يُشْرِكُ بِه دَخَلَ النار".
رواه مسلم في الصحيح (^١) عن حجاج بن شاعر (^٢) عن أبي عامر.
قال الحليمي ﵀ (^٣): واذا ظهر أن مآب المؤمنين الجنة، ومآب الكافرين النار فقد قال ﷿: ﴿إِنَّ كِتَابَ الْفجَّارِ لَفِي سِجّينٍ﴾ (^٤).
_________________
(١) =. يحيى بن أبي الحجاج الأهتمي، أبوأيوب البصري. لين الحديث. من التاسعة (ت، س). • إسحاق بن إبراهيم، هو ابن راهويه الإمام. • أبو عامر العقدي، عبد الملك بن عمرو (عِ). • أبو الزبير، المكي، محمد بن مسلم بن تدْرُس (بفتح المثناة وسكون الدال وضم الراء) صدوق، إلاّ أنه يدلس. من الرابعة (ع).
(٢) في الإيمان (١/ ٩٤) وأخرجه أحمد في "مسنده" (٣/ ٣٢٥، ٣٧٤) وابن خزيمة في "التوحيد" (٣٦٠ - ٣٦١) وابن منده في "كتاب الإيمان" (١/ ٢١٧ رقم ٧٤، ٧٥) من طريق أبي الزبير عن جابر به. وأخرجه مسلم وأبو يعلى في "مسنده" (٤/ ١٨٨ رقم ٢٢٧٨) وابن خزيمة في"التوحيد" (٣٦١) وابن مندة في "الإيمان" (١/ ٢١٨ رقم ٧٦، ٧٧) والبغوي في "شرح السنة" (١/ ٩٥) من طريق أبي سفيان عن جابر به نحوه. وأخرجه أبو نعيم في "الحلية" (٢/ ٢٣١، ٧/ ٢٦٣) من وجه آخر عن جابر. وهو عند المؤلف في "البعث والنشور" (٧٢ / رقم ٣٥) عن أبي صالح العنبري.
(٣) في (ن) والمطبوعة "عن حجاج بن شاعر وابن عميرة عن أبي عامر". وكذا كان في الأصل إلاّ أن مصححه ضرب على كلمة "وابن عميرة".
(٤) راجع "المنهاج" (١/ ٤٦١).
(٥) سورة المطففين (٨٣/ ٧).
[ ١ / ٥٦٢ ]
و﴿إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ (^١).
وكان المعنى ما كتب لهؤلاء ولهؤلاء، علمنا أن السجين خلاف العليين، كما أن الفجار خلاف الأبرار، وسمى الله جل ثناؤه النار بالهاوية، ووصف الجنة أنها عالية، وجاء في الحديث "إن روح المؤمن يعلى به، وروح الكافر يهوى به" ولم نعلم أحدًا قال إن الجنة في الأرض، ثبت أن الجنة فوق السموات ودون العرش، واحتمل قول الله ﷿، ﴿وَإِذَا السَّماَءُ كُشِطَتْ﴾ (^٢).
أنها تكشط عما وراءها من الجنان، فتنظر آثارها، وأن يكون ذلك إزلافها في قوله: ﴿وَأُزْلِفَتِ الجْنَّةُ لِلْمُتَقِينَ﴾ (^٣).
قال البيهقي ﵀:
[٣٦٠] وقد أخبرنا أبو الحسن المقرئ، أخبرنا الحسن بن محمد بن إسحاق، حدثنا يوسف بن يعقوب، حدثنا عبد الله بن (محمد بن) (^٤) أسماء، حدثنا مهدي بن ميمون، حدثنا محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب، عن بشر بن شغاف، قال: كنا جلوسًا مع عبد الله بن سلام فذكر الحديث إلى أن قال: "وِإِنّ أكرم الخلائق على الله تعالى أبو القاسم - ﷺ -، وانَّ الجنة في السماء، وإن النار في الأرض، فإذا كان يوم القيامة بعث الله الخلائق أمة أمة ونبيًّا نبيًّا، ثم يوضع الجسر على جهنم، ثم يناد مناد: أين أحمد وأمته؟ فيقوم وتتبعه أمته: برها وفاجرها، فيأخذون الجسر، فيطمس الله أبصار أعدائه، فيتهافتون فيها من يمين وشمال، وينجو النبي - ﷺ - والصالحون معه، وتتلقاهم الملائكة وثبًا، يرونهم (^٥) منازلهم من الجنة: على يمينك، على يسارك، على يمينك، على يسارك، ثم ذكر مرور كل نبي وأمته".
_________________
(١) سورة المطففين (٨٣/ ١٨).
(٢) سورة التكوير (٨١/ ١١).
(٣) سورة الشعراء (٢٦/ ٩٠).
(٤) قد مرّ جزء من هذا الحديث برقم (١٤٨). وأخرجه الحاكم في "المسدرك" (٤/ ٥٦٨ - ٥٦٩) وصححه وأقره الذهبي، وأخرجه ابن المبارك في "الزهد". راجع "زوائد نعيم بن حماد" (١١٨ رقم ٣٩٨).
(٥) زيادة من الأصل.
(٦) كذا وفي "المستدرك" بدله "فتوريهم".
[ ١ / ٥٦٣ ]
قال الحليمي (^١) ﵀: وفي ورود الأخبار بذكر الصراط وهو جسر جهنم بيان أن الجنة في العلو، كما أن جهنم في السفل إذ لو لم يكن كذلك لم يحتج الصائر إليها إلى جسر.
قال وروي عن أنس أن النبي - ﷺ - قال: "إنَّ على جَهَنّم جَسرًا أدقَّ مِنَ الشَعْرِ وَأَحَدَّ من السيفِ أعلاه نحو الجنة، دحض (^٢) مزلّة، بجنبيه كلاليب، وحسك النار، يحشر الله به من يشاء من عباده، الزالّون والزالآت يومئذٍ كثير، والملائكة بجانبيه قيام ينادون: اللهم سلّم، اللهم سلّم فمن جاء بالحَق جاز، ويُعْطَون النور يومئذ على قدر إيمانهم وأعمالهم، فمنهم من يَمْضي عليه كلمح البرق، ومنهم من يَمضِى عليه كَمَر الريح (^٣)، ومنهم من يُعطى نورًا إلى موضع قدميه، ومنهم من يَحْبُو حبوًا، وتأخذ النار منه بذنوب أصابها، وهي تُحْرق من يشاء الله منهم على قدر ذنوبهم حتى ينجو، وتنجو أول أول زمرة سبعون ألفًالا حساب عليهم ولا عذاب، كان وجوههم القمرُ ليلة البدر، والّذين يلونهم كأضوء نجم في السماء، حتى يبلغوا إلى الجنة برحمة الله تعالى".
قال البيهقي ﵀: وهذا الحديث فيما:
[٣٦١] أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد، حدثنا إسماعيل بن محمد،
_________________
(١) راجع "المنهاج" (١/ ٤٦٢).
(٢) وفي رواية عند البخاري "مدحضة مزلة" والدحض: الزلق. "ومزلّة" أي موضع الزلل. "كلاليب" جمع كلوب (بتشديد اللام) حديدة معوجة الرأس. "الحسك" نبات له ثمر خشن يتعلق بأصواف الغنم، وربما اتخذ مثله من حديد وهو من آلات الحرب.
(٣) بعده حوالي نصف سطر مكتوب في هامش الأصل ولكنه ما ظهر في الصورة وهو غير مقروء. وقد ذكر المتقي الهندي في "كنز العمال" (١٨/ ٣٠) تمامًا كما في المتن هنا.
(٤) إسناده: ضعيف. • إسماعيل بن محمد بن أبي كثير، أبو يعقوب الفارسي، الفسوي (م ٢٨٢ هـ). ذكره الخطيب في "تاربخه" (٦/ ٢٨٣) وقال عنه: ثقة صدوق. • مكّي بن إبراهيم بن بشير التميمي، البلخي، أبوالسكن (م ٢١٥ هـ). ثقة ثبت. من التاسعة (ع). • سعيد بن زَربي (بفتح الزاي وسكون الراء بعدها موحدة مكسورة) الخزاعي البصري العبَّاداني، أبو عبيدة، أو أبو معاوية. منكر الحديث. من السابعة (ت). =
[ ١ / ٥٦٤ ]
حدثنا مكي بن إبراهيم، حدثنا سعيد بن زربي عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك حدث عن النبي - ﷺ - فذكره.
قال البيهقي ﵀: (وهذا إسناد ضعيف غير أن معنى ما روي فيه موجود في الأحاديث الصحيحة التي وردت في ذكر الصراط، وقد ذكرناها في كتاب "البعث" قال الحليمي ﵀) (^١) قوله في الصراط إنه أدق من الشعرة معناه أن أمر الصراط والجواز عليه أدق من الشعر، أي يكون يسره وعسره على قدر الطاعات والمعاصي، ولا يعلم حدود ذلك إلا الله ﷿ لخفائها وغموضها، وقد جرت العادة بتسمية الخامض الخفي (^٢) دقيقَا، وضرب المثل له بدقة الشعرة، وقوله إنه "أحد من السيف" فقد يكون معناه- والله أعلم- أن الأمر الدقيق الذي يصدر من عند الله إلى الملائكة (في إجازة الناس) (^٣) على الصراط يكون في نفاذ حد السيف، ومضيه إسراعًا منهم إلى طاعته وامتثاله، ولا يكون له مرت، كما أن السيف إذا نفذ بحده وقوة ضاربه في شيء، لم يكن له بعد ذلك مرد.
قال البيهقي ﵀: وهذا اللفظ من الحديث لم أجده في الروايات (^٤) الصحيحة.
وروي عن زياد النميري (^٥) عن أنس مرفوعًا: " الصراط كحد الشفرة أو كحد السيف". وهي أيضًا رواية ضعيفة.
_________________
(١) = قال ابن معين: ليس بشيء. وقال البخاري: عنده عجائب. وقال النسائي: ليس بثقة. راجع "الميزان" (٢/ ١٣٦)، "الكامل" لابن عدي (٣/ ١٢٠١). • ويزيد بن الرقاشي، وهو ابن أبان أيضًا ضعيف. ولم أجد من خرّج الحديث.
(٢) ما بين القوسين سقط من (ن)، وراجع ""المنهاج" (١/ ٤٦٣) لقول الحليمي.
(٣) في المطبوعة "الحمر".
(٤) سقط من (ن).
(٥) يعني عن النبي - ﷺ - وجاء في حديث الرؤية الطويل عند مسلم عن أبي سعيد. قال أبو سعيد: بلغني أن الجسر أدق من الشعرة وأحد من السيف (١/ ١٧١).
(٦) وهو زياد بن عبد الله النميري، ضعيف. والحديث أشار إليه الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (١١/ ٤٥٤) وقال: في سنده لين.
[ ١ / ٥٦٥ ]
وروي بعض معناه عن عبيد بن عمير (^١) عن النبي - ﷺ - مرسلًا وجاء عنه من قوله.
وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: "الصراط في سواء جهنم مدحضة مزلة
كحد السيف المرهف".
وروي عن سعيد بن أبي هلال (^٢) أنه قال: بلغنا أن الصراط يوم القيامة وهو الجسر يكون على بعض الناس أدق من الشعر وعلى بعضهم مثل الدار والوادي الواسع.
فيحتمل أن يكون لشدة مروره عليه وسقوطه عنه يشبه بذلك والله أعلم.
وأما ما قيل في رواية أنس من "أن أعلى الجسر نحو الجنة" ففيه بيان أن أسفله نحو طرف الأرض وذلك لما مضى بيانه من أن جهنم سافلة والجنة عالية.
[٣٦٢] أخبرنا أبو الحسن المقرئ، أخبرنا الحسن بن محمد بن إسحاق، أنبأنا محمد بن أحمد
_________________
(١) وفي (ن) والمطبوعة "عبيد اللّه بن عمير". وقد أخرجه ابن المبارك في "الزهد" عن عبيد بن عمير من قوله: "إن الصراط مثل السيف، وبجنبتيه كلاليب". راجع "زوائد نعيم بن حماد" (١٢٠ رقم ٤٠٣). وقد أشار البيهقي هنا وأبن حجر في "فتح الباري" (١١/ ٤٥٤) أن عبيدًا رواه مرسلًا عن النبي - ﷺ -. وأخرجه ابن أبي الدنيا أيضًا.
(٢) سعيد بن أبي هلال الليثي مولاهم، أبوالعلاء المصري. صدوق ضعّفه ابن حزم. وروي عن أحمد أنه اختلط. من السادسة (ع). وهو أحد الرواة لحديث أبي سعيد الطويل. أخرجه ابن منده في "كتاب الإيمان" (٣/ ٧٧٩ - ٧٨١) وجاء فيه في أخره: قال سعيد بن أبي هلال: بلغني أن الجسر أدق من الشعر، وأحدّ من السيف (٣/ ٧٨١).
(٣) إسناده: ضعيف جدًا. • محمد بن أحمد بن البراء بن المبارك، أبو الحسن العبدي، القاضي (م ٢٩١ هـ). ذكره الخطيب في "تاريخه" (١/ ٢٨١) وقالو عن الدارقطني: ثقة. وراجع "شذرات" (٢/ ٢٠٨). • عبد المنعم بن إدريس بن سنان بن عليم اليماني، ابن ابنة وهب بن منبه (م ٢٢٨ هـ) مشهور قصاص، ليس يعخمد عليه، تركه غير واحد. وقال أحمد: كان يكذب على وهب بن منبه، وقالو ابن حبان: يضع الحديث على أبيه وعلى غيره. راجع "المجروحين" (٢/ ١٤٨)، "الميزان" (٢/ ٦٦٨)، و"الكامل" (٥/ ١٩٧٤). • وأبوه إدريس بن سنان، ضعّفه ابن عدي، وقال الدارقطني: متروك. راجع "الميزان" (١/ ١٦٩)، "الكامل" (١/ ٣٥٨). • وهب بن مُنبه بن كامل اليماني، أبو عبد الله الأبْناوي (بفتح الهمزة وسكون الموحدة بعدها نون). ثقة. من الثالثة (خ، م، ت، س).
[ ١ / ٥٦٦ ]
ابن البراء، حدثنا عبد المنعم بن إدريس، حدثني أبي، عن وهب بن منبه، قال: إذا قامت القيامة، وقضى الله بين أهل الدارين، أمر بالفلق، فيكشف عن سقر، وهو غطاؤها، فتخرج منه نار، فتحرق نار جهنم وتأكلها، كما تأكل النار في الدنيا القطن المندوف، فإذا وصلت البحر المطبق على شفير جهنم- وهو بحر البحور- نشفته أسرع من طرفة العين نشفًا فينضب، كأن لم يكن مكانه ماء قط، وهو حاجز بين جهنم والأرضين السبع، فإذا نشفت ماء ذلك البحر اشتعلت في الأرضين السبع فتدعها جمرة واحدة.
وقد روينا (^١) عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال ليهودي: أين جهنم؟ قال: تحت البحر، فقال على: صدق ثم قرأ: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ (^٢)
قال البيهقي ﵀: ويحتمل ما حكيناه عن وهب بن منبه معنى ما قال الله ﷿: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ (^٣).
ويكون ذلك بعد ركوب الناس الصراط.
وروينا (^٤) عن عائشة أنها سألت النبي - ﷺ - عن ذلك وقالت: فأين الناس يومئذ؟ قال: "على الصراط".
ثم قد قال بعض (^٥) العلماء: إن الكفار لا يجازون على الصراط لأنهم في معدن النار فإذا خلص المؤمنون وخلصوا على الصراط انفرد الكفار بمواقفهم وصار مواقفهم من النار.
قال غيرهم (^٦): إنهم يركبون الصراط ثم قد يكون أبواب جهنم فروجًا في الجسر (^٧) كأبواب السطوح فهم يقذفون منها في جهنم، ليكون غمهم أشد وأفظع،
_________________
(١) أخرجه المؤلف في "البعث والنثور" (٢٦٤ رقم ٤٥٠). وأخرجه ابن جرير في "تفسيره" (٢٧/ ١٨) وأورده السيوطي في "الدر المنثور" (٧/ ٦٣٠) ونسبه أيضًا لابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ في العظمة.
(٢) سورة الطور (٥٢/ ٦).
(٣) سورة إبراهيم (١٤/ ٤٨).
(٤) قد مرّ قريبًا وانظر تخريجه هناك.
(٥) راجع "المنهاج" للحليمي (١/ ٤٦٥).
(٦) أيضًا (١/ ٤٧١).
(٧) وفي (ن) والمطبوعة "في الحشر".
[ ١ / ٥٦٧ ]
وإلقاؤهم من الجسر أخوف وأهول، وفرح المؤمنين بالخلاص أكثر وأعظم، ولعل قول الله ﷿: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ (^١).
يكون في هذا الوقت، وما في القرآن من قول الله ﷿: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ (^٢).
وقوله: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ (^٣)
كالدليل على هذا لأن الإلقاء الشيء أكثر ما يستعمل في الطرح من علو إلى أسفل، والله أعلم بكيفية ذلك.
وأما المنافقون فالأشبه أنهم يركبون الجسر مع المؤمنين ليمشوا في نورهم فيظلم الله ﷿ على المنافقين فيقولون للمؤمنين: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ (^٤).
فيرجعون إلى المكان الذي قسم فيه النور على قدر إيمانهم وأعمالهم فلا يجدون شيئًا فينصرفون إليهم وقد.
﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ. يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ (نصلي بصلاتكم ونغزو مغازيكم) (^٥) ﴿قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ (^٦) إلى آخر الآية.
فيحتمل (^٧) - والله أعلم- أن هذا السور إنما يضرب عند انتهاء الصراط، ويترك له (باب) (^٥) يخلص منه المؤمنون (^٨) إلى طريق الجنة، فذلك هو الرحمة التي في باطنه، وأما ظاهره فإنه يلي النار، وإن كانت النار سافلة عنه لا محاذية إياه. فإذا لم يجد المنافقون (^٩) إلى باطن السور سبيلًا، فليس إلا أن يقذفوا (^١٠) من أعلى الصراط،
_________________
(١) سورة يس (٣٦/ ٥٩).
(٢) سورة الملك (٦٧/ ٨).
(٣) سورة ق (٥٠/ ٢٤).
(٤) سورة الحديد (٥٧/ ١٣).
(٥) سقط من (ن).
(٦) سورة الحديد (٥٧/ ١٤)
(٧) انظر "المنهاج" (١/ ٤٦٦).
(٨) في الأصل و(ن) المؤمنين.
(٩) في النسخ "المنافقين".
(١٠) في (ن) والمطبوعة "يقدموا".
[ ١ / ٥٦٨ ]
فيهوون منه إلى الدرك الأسفل من النار، هذا باستهزائهم بالمؤمنين في دار الدنيا كما شرحنا في "كتاب الأسماء والصفات" (^١).