الحمد لله الذي أبدع كل شيء فأحسنه؛ وأرسل رسوله محمدًا ﷺ بهذا الدين فبلغه وبينه؛ واختار له من الأصحاب والأتباع من نهضوا بنقله وتلقينه، وحفظه وتدوينه، حتى بلغ الخلف كما تلقاه السلف، غضًا طريًا مدى العصور.
أما بعد:
فقد أوجب الله على المسلمين طاعة رسوله ﷺ، وأمر بها في كتابه الكريم كقوله سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]؛
وكقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٢]؛
وكقوله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]؛
وكقوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]؛
فجعل الله طاعة رسوله طاعته.
وكقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١]؛
فجعل الله حبه في طاعة رسوله ﷺ. وذلك لأن الله أنزل القرآن مجملًا، ووكل تفسيره إلى رسوله، فكان من وظيفته ﷺ أن يبين القرآن بأقواله وأفعاله وتقاريره.
قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤]؛
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٦٤]؛
وقال تعالى في سورة النساء: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣].
فذكر الله الكتاب وهو القرآن الكريم، والحكمة وهي السنة المطهرة.
[ ١ / ١١ ]
وقد شهد الله جل ثناؤه باستمساكه بما أمره به، في سورة الشورى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢].
فهدي رسول الله ﷺ هو صراط الله الذي أمر عباده باتباعه.
ولقد كان الصحابة ﵃ هم الرعيل الأول الذين رباهم رسول الله ﷺ، فتهذبت نفوسهم، وصفت قلوبهم، وكانوا ينظرون إلى النبي ﷺ قائدًا هاديًا، ومرشدًا مربيًا، فيتسابقون للاقتداء به في أفعاله، وعباداته، ومعاملاته؛ لأنه ﵇ هو الذي أنقذهم من الضلال والظلام إلى الهدى والنور. فكانوا يرجعون إليه في حل خصوماتهم، وقطع منازعاتهم، كما كانوا يسترشدون برأيه في الحوادث التي تقع، ولم ينص عليها القرآن؛ لأنه ﷺ أعلم الخلق بمقاصد الشريعة ومراميها.
فكتب السنة المشرفة مما يشتاق إليها محبو النبي ﷺ؛ إذ السنة هي الوحي بعد الوحي، وفيها تبيان القرآن وشفاء الصدور. وقد كثرت المصنفات في الحديث الشريف وعمت بركاتها. وفي كل كتاب منها فائدة لا تجدها في سواه.
وقد قام الإمام العالم الفاضل المتقن، المحقق الحافظ العلامة، حسنة الأيام، حافظ زمانه، وضابط أوانه، معدن الإتقان أبو حاتم محمد بن حبان التميمي البستي القاضي وهو أحد الأئمة الرحالة والمصنفين بتأليف كتاب سماه كتاب التقاسيم والأنواع. وهو من أجمع المصنفات في الأخبار النبوية، وأنفع المؤلفات في الآثار المحمدية، وأشرف الأوضاع وأطرف الإبداع.
وهذا الكتاب الذي نتشرف بتقديمه للمسلمين اليوم هو كتاب ترتيبه مخترع؛ ليس على الأبواب ولا على المسانيد، ولهذا سماه مؤلفه "التقاسيم والأنواع".
نسأل الله أن يوفقنا جميعًا لاتباع سنة نبيه، والاهتداء بهديه، والابتعاد عن محدثات الأمور؛
إنه سميع مجيب الدعوات.
الأستاذ الدكتور
محمد علي سونمز
جامعة ألوداغ، كلية الإلهيات، بورصة
الأستاذ المشارك الدكتور المهندس
خالص آي دمير
جامعة ألوداغ، كلية الإلهيات، بورصة halisaydemir@gmail.com
[ ١ / ١٢ ]