هو أن كون الخبر عن مثل من وصفنا نعته بهذه الخصال الخمس فيرويه عن مثله سماعا حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله ﷺ.
ولعلنا قد كتبنا عن أكثر من ألفي شيخ من إسبيجاب إلى الإسكندرية ولو نرو في كتابنا هذا إلا عن مائة وخمسين شيخا أقل أو أكثر. ولعل معول كتابنا هذا يكون على نحو من عشرين شيخا ممن أدرنا السنن عليهم واقتنعنا برواياتهم عن رواية غيرهم على الشرائط التي وصفناها.
وربما أروي في هذا الكتاب وأحتج بمشايخ قد قدح فيهم بعض أئمتنا مثل "سماك بن حرب" و"داود بن أبي هند" و"محمد بن إسحاق بن يسار" و"حماد بن سلمة" و"أبي بكر بن عياش" وأضرابهم ممن تنكب عن رواياتهم بعض أئمتنا، واحتج بهم البعض فمن صح عندي منهم بالبراهين الواضحة وصحة الاعتبار على سبيل الدين أنه ثقة احتججت به ولم أعرج على قول من قدح فيه ومن صح عندي بالدلائل النيرة والاعتبار الواضح على سبيل الدين أنه غير عدل لم أحتج به وإن وثقة بعض أئمتنا.
وإني سأمثل واحدا منهم وأتكلم عليه ليستدرك به المرء من هو مثله كأنا جئنا إلى "حماد بن سلمة" فمثلناه وقلنا لمن ذب عمن ترك حديثه: لم استحق حماد بن سلمة ترك حديثه؟ وكان رحمة الله عليه ممن رحل وكتب، وجمع
[ ١ / ١٠٩ ]
وصنف وحفظ وذاكر ولزم الدين والورع الخفي والعبادة الدائمة والصلابة في السنة والطبق على أهل البدع ولم يشك عوام أهل البصرة أنه كان مستجاب الدعوة ولم يكن بالبصرة في زمانه أحد ممن نسب إلى العلم يعد من البدلاء غيره.
فمن اجتمع فيه هذه الخصال لم استحق مجانبة روايته؟
فإن قال: لمخالفته الأقران فيما روى في الأحايين. يقال له: وهل في الدنيا محدث ثقة لم يخالف الأقران في بعض ما روى؟ فإن استحق إنسان مجانبة جميع ما روى بمخالفته الأقران في بعض ما يروي لاستحق كل محدث من الأئمة المرضيين أن يترك حديثه لمخالفتهم أقرانهم في بعض ما رووا.
فإن قال: كان حماد يخطئ. يقال له: وفي الدنيا أحد بعد رسول الله ﷺ يعرى عن الخطأ؟ ولو جاز ترك حديث من أخطأ لجاز ترك حديث الصحابة والتابعين ومن بعدهم من المحدثين لأنهم لم يكونوا بمعصومين. فإن قال: حماد قد كثر خطؤه. يقال له: إن الكثرة اسم يشتمل على معاني شتى ولا يستحق الإنسان ترك روايته حتى يكون منه من الخطأ ما يغلب صوابه فإذا فحش ذلك منه وغلب على صوابه استحق مجانية روايته وأما من كثر خطؤه ولم يغلب على صوابه فهو مقبول الرواية فيما لم يخطئ فيه واستحق مجانبة ما أخطأ فيه فقط. مثل "شريك" و"هشيم" و"أبي بكر بن عياش" وأضرابهم كانوا يخطئون فيكثرون فروى عنهم واحتج بهم في كتابه. وحماد واحد من هؤلاء.
فإن قال: كان حماد يدلس. يقال له: فإن قتادة وأبا إسحاق السبيعي وعبد الملك بن عمير وابن جريج والأعمش والثوري وهشيما كانوا يدلسون
[ ١ / ١١٠ ]
واحتججت بروايتهم فإن أوجب تدليس حماد في روايته ترك حديثه أوجب تدليس هؤلاء الأئمة ترك حديثهم.
فإن قال: يروي عن جماعة حديثا واحدا بلفظ واحد من غير أن يميز بين ألفاظهم. يقال له: كان أصحاب رسول الله ﷺ والتابعون يؤدون الأخبار على المعاني بألفاظ متباينة وكذلك كان حماد يفعل كان يسمع الحديث عن أيوب وهشام وابن عون ويونس وخالد وقتادة عن ابن سيرين فيتحرى المعنى ويجمع في اللفظ فإن أوجب ذلك منه ترك حديثه أوجب ذلك ترك حديث سعيد بن المسيب والحسن وعطاء وأمثالهم من التابعين لأنهم كانوا يفعلون ذلك بل الإنصاف في النقلة في الأخبار استعمال الاعتبار فيما رووا.
وإني أمثل للاعتبار مثالا يستدرك به ما وراءه:
كأنا جئنا إلى حماد بن سلمة فرأيناه روى خبرا عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ لم نجد ذلك الخبر عند غيره من أصحاب أيوب فالذي يلزمنا فيه التوقف عن جرحه والاعتبار بما روى غيره من أقرانه. فيجب أن نبدأ فننظر هذا الخبر هل رواه أصحاب حماد عنه أو رجل واحد منهم وحده؟ فإن وجد أصحابه قد رووه علم أن هذا قد حدث به حماد وإن وجد ذلك من رواية ضعيف عنه ألزق ذلك بذلك الراوي دونه.
فمتى صح أنه رواه عن أيوب ما لم يتابع عليه يجب أن يتوقف فيه ولا يلزق به الوهن بل ينظر هل روى أحد هذا الخبر من الثقات عن ابن سيرين غير أيوب؟ فإن وجد ذلك علم أن الخبر له أصل يرجع إليه. وإن لم يوجد ما وصفنا نظر حينئذ: هل روى أحد هذا الخبر عن أبي هريرة غير ابن سيرين من الثقات؟ فإن وجد ذلك علم أن الخبر له أصل وإن لم يوجد ما قلنا نظر: هل روى أحد هذا الخبر عن النبي ﷺ غير أبي هريرة؟ فإن وجد ذلك صح أن الخبر له أصل ومتى
[ ١ / ١١١ ]
عدم ذلك والخبر في نفسه يخالف الأصول الثلاثة علم أن الخبر موضوع لا شك فيه وأن ناقله الذي تفرد به هو الذي وضعه.
هذا حكم الاعتبار بين النقلة في الروايات وقد اعتبرنا حديث شيخ شيخ على ما وصفنا من الاعتبار على سبيل الدين. فمن صح عندنا منهم أنه عدل احتججنا به وقبلنا ما رواه وأدخلناه في كتابنا هذا.
ومن صح عندنا أنه غير عدل بالاعتبار الذي وصفناه لم نحتج به وأدخلناه في كتاب "المجروحين من المحدثين" بأحد أسباب الجرح لأن الجرح في المجروحين على عشرين نوعا ذكرناها بفصولها في أول كتاب المجروحين بما أرجو الغنية فيها للمتأمل إذا تأملها فأغنى ذلك عن تكرارها في هذا الكتاب.
وأما الأخبار فإنها كلها أخبار الآحاد لأنه ليس يوجد عن النبي ﷺ خبر من رواية عدلين روى أحدهما عن عدلين وكل واحد منهما عن عدلين حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله ﷺ.
فلما استحال هذا وبطل ثبت أن الأخبار كلها أخبار الآحاد وأن من تنكب عن قبول أخبار الآحاد فقد عمد إلى ترك السنن كلها لعدم وجود السنن إلا من رواية الآحاد.
وأما قبول الرفع في الأخبار فإنا نقبل ذلك عن كل شيخ اجتمع فيه الخصال الخمس التي ذكرتها.
فإن أرسل عدل خبرا وأسنده عدل آخر قبلنا خبر من أسند لأنه أتى بزيادة حفظها ما لم يحفظ غيره ممن هو مثله في الإتقان فإن أرسله عدلان وأسنده عدلان قبلت رواية العدلين اللذين أسنداه على الشرط الأول وهكذا الحكم فيه كثر العدد فيه أو قل فإن أرسله خمسة من العدول وأسنده عدلان نظرت حينئذ إلى من فوقه بالاعتبار وحكمت لمن يجب.
[ ١ / ١١٢ ]
كأنا جئنا إلى خبر رواه نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ: اتفق مالك وعبيد الله بن عمر ويحيى بن سعيد وعبد الله بن عون وأيوب السَّخْتِيَانِي عن نافع عن ابن عمر ورفعوه وأرسله أيوب بن موسى وإسماعيل بن أمية وهؤلاء كلهم ثقات أو أسند هذان وأرسل أولئك اعتبرت فوق نافع: هل روى هذا الخبر عن ابن عمر أحد من الثقات غير نافع مرفوعا أو من فوقه على حسب ما وصفنا فإذا وجد ما قلنا قبلنا خبر من أتى بالزيادة في روايته على حسب ما وصفنا.
وفي الجملة يجب أن تعتبر العدالة في نقله الأخبار فإذا صحت العدالة في واحد منهم قبل منه ما روى من المسند وإن أوقفه غيره والمرفوع وإن أرسله غيره من الثقات إذ العدالة لا توجب غيره فيكون الإرسال والرفع عن ثقتين مقبولان والمسند والموقوف عن عدلين يقبلان على الشرط الذي وصفناه.
وأما زيادة الألفاظ في الروايات فإنا لا نقبل شيئا منها إلا عن من كان الغالب عليه الفقه حتى يعلم أنه كان يروي الشيء ويعلمه حتى لا يشك فيه أنه أزاله عن سننه أو غيره عن معناه أم لا لأن أصحاب الحديث الغالب عليهم حفظ الأسامي والأسانيد دون المتون والفقهاء الغالب عليهم حفظ المتون وإحكامها وأداؤها بالمعنى دون حفظ الأسانيد وأسماء المحدثين.
فإذا رفع محدث خبرا وكان الغالب عليه الفقه لم أقبل رفعه إلا من كتابه لأنه لا يعلم المسند من المرسل ولا الموقوف من المنقطع وإنما همته إحكام المتن فقط. وكذلك لا أقبل عن صاحب حديث حافظ متقن أتى بزيادة لفظة في الخبر لأن الغالب عليه إحكام الإسناد وحفظ الأسامي والإغضاء عن المتون وما فيها من الألفاظ إلا من كتابه.
[ ١ / ١١٣ ]
هذا هو الاحتياط في قبول الزيادات في الألفاظ.
وأما المنتحلون المذاهب من الرواة مثل الإرجاء والترفض وما أشبههما فإنا نحتج بأخبارهم إذا كانوا ثقات على الشرط الذي وصفناه ونكل مذاهبهم وما تقلدوه فيما بينهم وبين خالقهم إلى الله جل وعلا، إلا أن يكونوا دعاة إلى ما انتحلوا. فإن الداعي إلى مذهبه والذاب عنه حتى يصير إماما فيه وإن كان ثقة ثم روينا عنه جعلنا للاتباع لمذهبه طريقا وسوغنا للمتعلم الاعتماد عليه وعلى قوله. فالاحتياط ترك رواية الأئمة الدعاة منهم والاحتجاج بالثقات الرواة منهم على حسب ما وصفنا.
ولو عمدنا إلى ترك حديث الأعمش وأبي إسحاق وعبد الملك بن عمير وأضرابهم لما انتحلوا وإلى قتادة وسعيد بن أبي عروبة وابن أبي ذئب وأشباههم لما تقلدوا وإلى عمر بن ذر وإبراهيم التيمي ومسعر بن كدام وأقرانهم لما اختاروا فتركنا حديثهم لمذاهبهم لكان ذلك ذريعة إلى ترك السنن كلها حتى لا يحصل في أيدينا من السنن إلا الشيء اليسير. وإذا استعملنا ما وصفنا أعنا على دحض السنن وطمسها بل الاحتياط في قبول روايتهم الأصل الذي وصفناه دون رفض ما رووا جملة.
وأما المختلطون في أواخر أعمارهم مثل الجريري وسعيد بن أبي عروبة وأشباههما فإنا نروي عنهم في كتابنا هذا ونحتج بما رووا إلا أنا لا نعتمد من حديثهم إلا على ما روى عنهم الثقات من القدماء الذين نعلم أنهم سمعوا منهم قبل اختلاطهم، أو ما وافقوا الثقات في الروايات التي لا نشك في صحتها وثبوتها من جهة أخرى لأن حكمهم، وإن اختلطوا في أواخر أعمارهم وحمل عنهم في اختلاطهم بعد تقدم عدالتهم، حكم الثقة إذا أخطأ: أن الواجب ترك
[ ١ / ١١٤ ]
خطئه إذا علم والاحتجاج بما يعلم أنه لم يخطئ فيه. وكذلك حكم هؤلاء: الاحتجاج بهم فيما وافقوا الثقات وما انفردوا مما روى عنهم القدماء من الثقات الذين كان سماعهم منهم قبل الاختلاط، سواء.
وأما المدلسون الذين هم ثقات وعدول فإنا لا نحتج بأخبارهم إلا ما بينوا السماع فيما رووا. مثل الثوري والأعمش وأبي إسحاق وأضرابهم من الأئمة المتقنين وأهل الورع في الدين لأنا متى قبلنا خبر مدلس لم يبين السماع فيه، وإن كان ثقة لزمنا قبول المقاطيع والمراسيل كلها لأنه لا ندري لعل هذا المدلس دلس هذا الخبر عن ضعيف يهي الخبر بذكره إذا عرف.
اللهم إلا أن يكون المدلس يعلم أنه ما دلس قط إلا عن ثقة فإذا كان كذلك قبلت روايته وإن لم يبين السماع. وهذا ليس في الدنيا إلا سفيان بن عيينة وحده فإنه كان يدلس ولا يدلس إلا عن ثقة متقن. ولا يكاد يوجد لسفيان بن عيينة خبر دلس فيه إلا وجد ذلك الخبر بعينه قد بين سماعه عن ثقة مثل نفسه. والحكم في قبول روايته لهذه العلة، وإن لم يبين السماع فيها، كالحكم في رواية ابن عباس ﵁ إذا روى عن النبي ﷺ ما لم يسمع منه.
وإنما قبلنا أخبار أصحاب رسول الله ﷺ ما رووها عن النبي ﷺ وإن لم يبينوا السماع في كل ما رووا. وبيقين نعلم أن أحدهم ربما سمع الخبر عن صحابي آخر ورواه عن النبي ﷺ من غير ذكر ذلك الذي سمعه منه لأنهم ﵃ أجمعين كلهم أئمة سادة قادة عدول، نزه الله جلَّ وعلا أقدار أصحاب
[ ١ / ١١٥ ]
رسول الله ﷺ عن أن يلزق بهم الوهن. وفي قوله ﷺ: "ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب" أعظم الدليل على أن الصحابة كلهم عدول ليس فيهم مجروح ولا ضعيف إذ لو كان فيهم مجروح أو ضعيف أو كان فيهم أحد غير عدل لاستثنى في قوله ﷺ، وقال: ألا ليبلغ فلان وفلان منكم الغائب. فلما أجملهم في الذكر بالأمر بالتبليغ من بعدهم دل ذلك على أنهم كلهم عدول. وكفى بمن عدله رسول الله ﷺ شرفا.
فإذا صح عندي خبر من رواية مدلس أنه بين السماع فيه، لا أبالي أن أذكره من غير بيان السماع في خبره بعد صحته عندي من طريق آخر.
وإنا نملي بعد هذا التقسيم وذكر الأنواع ووصف شرائط الكتاب قسما قسما ونوعا نوعا بما فيه من الحديث على الشرائط التي وصفناها في نقلتها من غير وجود قطع في سندها ولا ثبوت جرح في ناقليها إن قضى الله ذلك وشاءه.
وأتنكب ذكر المعاد فيه إلا في موضعين: إما لزيادة لفظة لا أجد منها بدا أو للاستشهاد به على معنى في خبر ثان. فأما في غير هاتين الحالتين فإني أتنكب ذكر المعاد في هذا الكتاب.
جعلنا الله ممن أسبل عليه جلابيب الستر في الدنيا، واتصل ذلك بالعفو عن جناياته في العقبى. إنه الفعال لما يريد.
[ ١ / ١١٦ ]