تساهله في تصديره الأحاديث الضعيفة بصيغة (عن) (^١)، المُشْعِرة عنده أنّها ليست من قسم الأحاديث الضعيفة، التي يصدرها بـ (رُوي)، وإنما هي من قسم الصحيح أو الحسن أو القريب من الحسن! كما صرّح بذلك في مقدّمة كتابه
_________________
(١) تنبيه: سنستعيض عن هذه العبارة بقولنا (عنعن) اختصارًا، فليكن هذا منك على بال.
[ ١ / ٧٩ ]
كما أسلفناه (ص ٤١)، وبناء على ذلك ساق مئات الأحاديث لجماعة من الرواة الضعفاء المعروفين بالضعف عند العلماء، مثل شَهْر بن حَوْشب، وكثِّير بن عبد الله، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وعلي بن زيد الألهاني، وعبيد الله بن زحر، وابن لَهيعة، وغيرهم كثير وكثير، وبعضهم ممن يصرِّح هو فيه أنه واهٍ، أي: ضعيف جدًا، مثل كثيِّر هذا، ومع ذلك عنعن لأحاديثهم، وكذلك فعل بالأحاديث المرسلة والمنقطعة والمعضلة، إعمالًا منه لاصطلاحه المشار إليه آنفًا. وكذلك صنع بما أعلّه بقوله: "في سنده لين"، أو قوله: "غريب"، وتارة يقول: "غريب جدًا"، كل ذلك يعنعن له، والأمثلة تراها مبثوثة في الفهارس، بل رأيته قوَّى حديثًا فيه مَن ضعّفه هو جدًا، وهو الحديث (١٦١ - الضعيف)، وليس هذا فحسب، بل عنعن لحديث فيه كذاب ومتروك، وقال فيه: "رفْعه غريب جدًا" (رقم ٤٧)، ولآخر حَكم عليه بالوضع (رقم ٥٩٦)، فكيف يلتقي هذا مع العنعنة المذكورة؟!
ولعل أغرب من ذلك كلّه حديث ابن مسعود في صلاة الحاجة (رقم ٤١٨)، فإنه عنعنه مع اعترافه بأن فيه متَّهمًا بالكذب، وتعلق في تبرير ذلك بمثل خيوط القمر، فقال عقبه:
"والاعتماد في مثل هذا على التجربة، لا على الإسناد"!
وفاته أن السّنة لا تثبت بالتجربة، لا سيّما وهو مخالف في بعض ما فيه للسنّة الصحيحة الناهية عن قراءة القرآن في السجود، مما يقطع به أنه موضوع، كما بيّناه في التعليق عليه هناك. وفي آخره قوله: "ولا تعلَّموها السفهاء فإنهم يدعون بها فيستجابون"! مما يؤكد لك وضعه، فإن الله لا يستجيب دعاءً من قلب
[ ١ / ٨٠ ]
غافل لاهٍ، كما يأتي في "١٥ - الدعاء"، فكيف مِن قلب سفيه فاجر.
وهذا يذكّرني بمثال آخر قريب منه وهو حديث أبي الدرداء، فيما يقوله إذا أصبح وإذا أمسى، وفيه (رقم ٣٨٢): "كفاه الله ما أهمّه، صادقًا كان أو كاذبًا"، فإنه مع ظهور نكارته بلُ بطلانه، لم يكتف بتصديره بـ (عن) مع كونه موقوفًا حتى ذهب يقوّيه بزعمه أن سبيله سبيل المرفوع!! ولست أدري -وايم الله- كيف دخل في لبّه أن الله يستجيب لمن كان كاذبًا بآيات الله، غير مؤمن بها وبفضائلها، وهو لا يستجيب لمؤمن يدعوه من قلب غافل لاهٍ؟!
ومما يؤكّد لك تساهله المذكور أنني رأيته صرّح في غير ما حديث واحد أن ابن لَهيعة وشهر بن حوشب حَسَنا الحديث في المتابعات، فأفاد أنهما في غير المتابعات ليسا كذلك، بل هما ضعيفا الحديث. (انظر "الصحيح" - ١٨٠ و١٨٧)، فكان الواجب تصدير حديثهما، وأحاديث أمثالهما بـ (رُوي)، لأنه الموضِّح لمرتبة أحاديثهم مرتبة لا غموض فيها ولا مواربة. ومثله في "الضعيف" رقم (١٩ و٢١).