تناقضه في تطبيق اصطلاحه الذي شرحته في أول هذه المقدّمة، وذلك ظاهر في صوَر:
الأولى: هناك أحاديث عقّب عليها بقوله: "في إسناده احتمال التحسين". ثم هو يصدِّر بعضها بـ (عن) كالحديث (١٨٥)، وتارة بـ (روي) كالأحاديث (٧ و٣٢٠ و٣٧٧)!
الثانية: يعنعن لأحاديث فيها بقيَّة بن الوليد، وهو مدلِّس معروف، لا فرق
[ ١ / ٨١ ]
عنده بين ما صرّح بالتحديث فيها وما عنعن، ومع ذلك رأيته قال في حديث له (رقم ٦٤٠) وقد صدره بـ (عن):
"وهو حديث غريب، وفيه نكارة".
بل رأيته صدَّر حديثًا آخر له بـ (رُوي)، وحكى عن بعض مشايخه أنه استحسنه، ثم استبعد ذلك، فأصاب رقم (٥٠٧).
الثالثة: يقول في بعض الأحاديث التي يعنعنها: "إسناده مقارب، وليس في إسناده من تُرِكَ حديثه، ولا أُجْمعَ على ضعفه"، مثل الحديث (٤٠٧ و٥٨٧)، وإذا به يقول ذلك أو نحوه فيما صدَّره بـ (رُوي) كالحديث (٥٩٤)، وآخر أوردته في "الصحيح" برقم (٨٧)، لأن إسناده صحيح كما بينته في التعليق عليه هناك، وتارة لا يصدَّر هذا النوع بشيء، فلا يدري القارئ من أيّ النوعين هو عنده كالحديث (٧٧٩) من الضعيف.
الرابعة: تفريقه بين المتماثلات من الأحاديث المشتركة في العلة المقتضية للتضعيف، ذلك أنه ذكر في اصطلاحه الأول الخاص بما عنعنه منها: أن منه الحديث الذي في إسناده راوٍ مبهم. إشعارًا منه بأنه صحيح أو حسن أو قريب من الحسن، وقد رأيته صرّح بهذه المرتبة الثالثة منها في بعض الأحاديث "وسنده قريب من الحسن"، علمًا بأن المبهم إنما هو الراوي الذي لم يُسَمَّ، كما يأتي عن المؤلف نفسه.
وذكر في اصطلاحه الآخر الخاص بما يصدره بـ (رُوي) إشارة منه إلى تضعيفه؛ أن منه الحديث الذي في إسناده من لم يرَ فيه توثيقًا.
[ ١ / ٨٢ ]
فأقول: ومما لا يخفى على أحد له بصرٌ وفهَم في هذا العلم، أن سبب تضعيفه لهذا النوع من الإسناد؛ إنما هو لعدم معرفته حال راويه الذي لم يرَ توثيقًا فيه. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مما لا شك فيه أن هذا السبب ينطبق على كثير من الأنواع التي أدخلها في اصطلاحه الأول، وبيانًا لذلك أقول:
أ- المبهم، فإنه يصدُق عليه معنى قوله المتقدم: "لم أر فيه توثيقًا" بداهة، لأنه لا سبيل إلى معرفة عينه، بلْه حاله، فهو في حكم المسمّى وهو مجهول العين، كما هو ظاهر لكل ذي عين، بل إن من لم يُوَثّق قد يكون خيرًا من (المبهم)، لأن الأول قد يكون روى عنه أكثر من واحد فيكون مجهول الحال، بخلاف المبهم لما سبق. ألا ترى إلى قول المؤلف في حديث في "الصحيح" (٤١٨) فيه رجل مبهم: "رواه الطبراني، وسمّى الرجل المبهم جابرًا، ولا يحضرني حاله".
فإذا لم يعرفه مع أنه عرف اسمه، فبالأولى أن لا يعرفه حين لا يسمَّى، فكيف جاز له -عفا الله عنا وعنه- المغايرة بين المبهم، ومن لم يَرَ فيه توثيقًا والعلة واحدة وهي الجهالة، ولو أنه عكس لكان أقرب إلى الصواب، وبناء على هذا الاصطلاح حشر في كتابه عشرات، بل مئات الأحاديث التي في أسانيدها من لم يُسمَّ، مصدِّرًا إياها بما يخْرجها عن كونها من الأحاديث الضعيفة، كالأحاديث التالية أرقامها في "الضعيف" (٧١ و٧٧ و١١٠ و٤٨٦ و٥٢٥ و٦٥٩).
ب- من قال في راويه: "لا أعرفه بجرح ولا عدالة"، وذلك لأن لازمه أنه لم ير فيه توثيقًا، فهو مجهول أيضًا عنده، فالتفريق بينهما خطأ واضح، ومن أمثلته الحديث الآتي في "الصحيح" (رقم ١٥٥)، والأحاديث الآتية في
[ ١ / ٨٣ ]
"الضعيف": (٢٩٤ و٣٣٣ و٥٨٢ و٦٠١ و٦٢٤)، وقد قال في راوي الحديث الأول منها: "ولا يحضرني فيه جرح ولا تعديل". وقال في راوي الحديث الأخير: "لم أقف فيه على جرح ولا تعديل، ولا أراه يُعرَف".
ج - من قال فيه: "لم أقف على ترجمته"، أو: "لا يحضرني إسناده"، أو نحو ذلك كحديث (٥٢٨ و٥٨٥ و٥٩٢ و٦٧٣).
وبالأَولى من قال فيه: "مجهول"، أو "لا أعرفه" كحديث (٤٧٧ و٤٨٦)، وفي "الصحيح" (١٠٦٥ و١٠٦٧).
د - ما صرح بانقطاعه، وهو ما سقط منه راوٍ أو أكثر، فإنّه بمعنى الإسناد الذي فيه مبهم لم يسمَّ، فمثله مثل المجهول كما تقدم، ومن أمثلته في "الضعيف": الأحاديث (٨٥ و٨٧ و١٩١ و٢٨١ و٢٨٧ و٣٧١).
هـ - ومثله الحديث المرسل، وهو الذي لم يذكر التابعيُّ فيه الصحابيَّ، وهو من أقسام الضعيف عند علماء الحديث، ومن أمثلته (١٠٢ و٢٢٧ و٢٨١ و٢٨٥ و٣٠٧)، وغيرها كثير وكثير جدًا.