وقد يقول قائل: إنما يورد المنذري هذه الأنواع في هذا القسم بشرط أن يكون صحّحه أو حسّنه بعض من خرّجه، كما يدل على ذلك قوله عقب النوع العاشر: "لكن صححه أو حسنه بعض مَن خرجه".
فأقول: قد يكون هذا الشرط بالنسبة للأنواع كلها، فهل يليق بالحافظ المنذري -وهو من عرفت حفظًا وعلمًا- أن يدع ما يقتضيه النقد العلمي الحديثي من الحكم على الحديث بالضعف لتصحيح أو تحسين غيره إياه، ولا سيما إذا كان هذا من المعروفين بالتساهل في ذلك، كالترمذي وابن حبان والحاكم وغيرهم؟ وهؤلاء الثلاثة في الواقع هم الذين يُعتمَد عليهم في تصدير أحاديثهم بـ (عن)، وإن كانت غير سالمة من الضعف، فانظر مثلًا الحديث (٢ - الضعيف)، فإنه مع تصديره إياه بذلك، قال في تخريجه: "رواه الحاكم من طريق عُبيد الله بن زحر .. وقال: "صحيح الإسناد". كذا قال"!
وعبيد الله هذا من المعروفين بالضعف، ولذلك أشار المنذري إلى نقده للحاكم
[ ١ / ٤٤ ]
في تصحيحه للحديث، ومع ذلك صدّره بـ (عن)!
وعلاوة على ذلك فقد رأيته صدّر به لأحاديث مرسلة، وأخرى موصولة، فيها من هو معروف بالضعف، لم يقترن بها الشرط المذكور كالأحاديث (٤ و٥ و١٨ و١٩ و٢١ و٢٢ و٢٣ و٢٥)، وحديث عمر (٥٢)، وحديث ابن عباس (٥٨)، وحديث ثعلبة (٦١)، وغيرها كثير وكثير جدًا.
وجملة القول في هذا القسم؛ أنّ المنذري ﵀ قد أغرب بإتيانه باصطلاح غير معروف عند العلماء، ولا هو عرّف القرّاء بمراده منه، وهو الإسناد المقارب لإسناد الحديث الصحيح أو الحسن، ولم يكتف بذلك، بل صدّره وتلك الأجناس من الأسانيد الضعيفة بلفظة (عن) المُشْعِرة بقوة أسانيد الأحاديث المصدّرة بها، ثم أكّد ذلك حين صرّح كما تقدم بأنّ للإسناد الضعيف عنده دلالتين: تصديره بلفظة (روي)، وإهمال الكلام عليه في آخره!
وبذلك جاء بـ (خَلْط) عجيب غريب، ذهب بالفائدة التي كانت مرجوّة من كتابه، وهي تمييز الصحيح من الضعيف، سامحه الله، وعفا عنّا وعنه بمنّه وكرمه.