ولا بأس من أنْ أسوق للقراء مثالًا لصعوبة الأمر، على بعض من ينتمي للفقه فضلًا عن غيرهم، فهناك حديث أنس الصحيح: "لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله - ﷺ -، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا له، لما يعلمون من كراهيته لذلك". رواه الترمذي وغيره. فاستدل به الشيخ علي القاري في "شرح الشمائل" (٢/ ١٦٩) على أن القيام المتعارف اليوم ليس من السّنة. ونقل عن ابن حجر -يعني الهيتمي- ما ينافي ذلك، واستغربه، ثم قال:
(وأما قول ابن حجر: "ويؤيد مذهبنا من ندب القيام لكل قادم به فضيلة، نحو نسب أو علم أو صلاح أو صداقة (!) حديث أنه - ﷺ - قام لعكرمة بن أبي جهل لما قدم عليه، ولعدي بن حاتم كلما دخل عليه. وضعفهما لا يمنع الاستدلال بهما هنا؛ خلافًا لمن وهم فيه، لأن الحديث الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال اتفاقًا، بل إجماعًا كما قال النووي"، فمدفوع، لأن الضعيف يُعمَل به في فضائل الأعمال المعروفة في الكتاب والسّنة، لكنْ لا يُستدَل به على إثبات الخَصْلة المستحبَّة).
_________________
(١) انظر: "سلسلة الأحاديث الضعيفة" وتعليقي عليه (ج ٢ - ص ٣ - تحت الحديث ٥٠٤).
[ ١ / ٦٦ ]
فتأمّل كيف خطَّأ الشيخُ القاري الهيتميَّ، وهو من كبار فقهاء الشافعية المتأخرين في تطبيق القاعدة المذكورة، فما عسى أن يكون حال عامّة الناس في ذلك؟ ومن شاء المزيد من الأمثلة فليراجع كتابي: "سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السَّيِّئ في الأمة" يجد العجب العُجاب منها، فانظر مثلًا الأحاديث (٣٧٢ و٦٠٩ و٨٧٢ و٩٢٢ و٩٢٨ و٩٤٤).