ولما كان قد استقرّ في نفسي منذ نعومة أظفاري -فضلًا من الله ونعمة- أنه لا يجوز إشاعة الأحاديث الضعيفة والمُنكرَة، ولو في "الترغيب والترهيب" بين
[ ١ / ٦٧ ]
أفراد الأمة، ولا التساهل بروايتها على الطلاب وغيرهم، كما يفعل ذلك عامّة الخطباء والمدرسين والمرشدين والوعَّاظ، متأثرًا في ذلك بأقوال الأئمة الذين أسلفت لك فيما تَقدّم بعض أقوالهم في هذا المجال؛ فقد رأيت لزامًا عليَّ أن لا ألقي درسًا منه إلا بعد تحضيره، والتحقّق من كل حديث من أحاديثه، في كل باب من أبوابه، وفصل من فصوله، معتمدًا في ذلك على مصطلح الحديث، والجرح والتعديل، ومراجعًا لما قاله العلماء المحقّقون في كل حديث منها، مما يساعدني على اختيار الحكم الأقرب إلى الصواب فيها، فما تبيَّن لي منها أنه ثابت قدَّمته إليهم متشبّثًا به، راغبًا فيه، وإلاّ أعرضت راغبًا عنه غير مصطفيه.
وهكذا مضيت قُدُمًا بكل رغبة ونشاط في تحضير الدروس منه، وإلقائها على الإخوان والطلاب، ملتزمًا ذلك المنهج العلمي الدقيق، طيلة تلك السنين، حتى انتهيت منه بتاريخ ٢٦ رجب سنة ١٣٩٦، مثابرًا على إلقائها إلاّ في بعض الظروف الحالكة، والفتن المظلمة، أعاذنا الله منها؛ ما ظهر منها وما بطن، وقد أوشكتُ على الفراغ منه أيضًا على التمام.
وبهذه الدراسة المنهجية الدقيقة تكشّف لي ما كان خافيًا عليَّ قبلها وعلى غيري، ألا وهو غموض المنذري في اصطلاحه الذي وضعه في أول كتابه، وتساهلُه الذي أوضحته في مطلع مقدّمتي هذه، وكثرة الأحاديث الضعيفة والواهيه بل الموضوعة فيه، وبعضها مما حسَّنه بل صحَّحه بالتصريح فضلًا عن أوهاء له أخرى كثيرة، من الصعب حصرها، إلا أننا سنتعرَّض للإشارة إلى بعضها بخطوط عريضة، مع بعض الأمثلة إن شاء الله تعالى.
وكنت في أثناء ذلك وتخريجي لأحاديث الكتاب، أجد أن بعضها يتطلب
[ ١ / ٦٨ ]
دراسة واسعة، وكتابة مفصّلة حتى أتمكن من معرفة مرتبة الحديث في الصحة والضعف، وأجد بعضًا آخر منها لا يحتاج إلى ذلك لوضوح أمره، وتيسّر الوصول إلى مرتبته بأقرب طريق، فما كان من النوع الأول ولم يكن مخرَّجًا في شيء من تصانيفي المطبوعة منها والمخطوطة -وهي كثيرة والحمد لله- خرَّجته وحققت القول فيه في إحدى السلسلتين: "الصحيحة" و"الضعيفة"، ثم آخذ مرتبة الحديث منها فأضعها بجانب حديث "الترغيب" من نسختي المطبوعة في القاهرة، الطبعة المنيرية، وقد كان مما سهّل لي الرجوع إلى تصانيفي المشار إليها كتاباي: "صحيح الجامع الصغير" و"ضعيف الجامع الصغير"، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. وأما إذا كان الحديث من النوع الآخر فكنت أخرِّجه تعليقًا على حاشية نسختي من "الترغيب"، كما كنت أكتب عليها ما لا بد منه من شرح لفظة من غريب الحديث، أو توضيح جملة منه، وغير ذلك من الفوائد العلمية التي تتحمّلها ساحة الحاشية، فكان من ذلك ما سميته بـ "التعليق الرغيب على الترغيب والترهيب".