واعلم أنه ليس من التصحيح، بل ولا من التحسين في شيء، قول المنذري وغيره من المحدِّثين: " … رجاله ثقات"، أو " … رجاله رجال الصحيح"، ونحو ذلك؛ خلافًا لما قد يتبادر إلى بعض الأذهان، وقد يكون من الأعلام (^١)، وذلك للأسباب الآتية:
أولًا: أن ذلك لا يعني عند قائله أكثر من أنّ شرطًا من شروط صحة الحديث قد توفر في إسناده لدى القائل، وهو العدالة والضبط، وأما الشروط
_________________
(١) كالمناوي مثلًا، فإنه كثيرًا ما يستلزم من ذلك الصحة، كقوله في حديث: "قال الهيثمي: رجاله ثقات". وحينئذ فرمز المؤلف لحسنه تقصير، وحقه الرمز للصحة!! انظر "فيض القدير" الأحاديث (٦٧ و٧٦ و٥٣١ و٥٣٢) وغيرها، وهي كثيرة جدًا وراجع لهذا "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (٨٥٤)، ففيها حديث صححه المناوي بناء على القول المذكور، وأزيد الآن في هذه الطبعة، فأقول: وقد سار على هذا المنوال المعلقون الثلاثة في تعليقهم على الكتاب، فصححوا أحايث كثيرة وحسنوها بناء على هذا القول، ومنها الحديث الذي صححه المناوي، فإنهم حسنوه كذلك! (٣/ ٣٢٣). وانظر مقدمة هذه الطبعة.
[ ١ / ٧٠ ]
الأخرى من الاتصال، والسلامة من الانقطاع والتدليس، والإرسال والشذوذ، وغيرها من العلل التي تُشتَرط السلامة منها في صحة السند؛ فأمْر مسكوت عنه لديه، لم يقصد توفرها فيه، وإلا لصرَّح بصحة الإسناد كما فعل في أسانيد أخرى، وهذا ظاهر لا يخفى بإذن الله، وانظر على سبيل المثال الحديث (٥٦٣ - ضعيف) كيف أعلَّه المنذري بالإرسال مع كون رجاله إلى مرسله رجال الصحيح! ونحو الحديث (٦٠٩ - ضعيف)، أعلَّه بالانقطاع، مع كون رجاله كلهم رجال الصحيح، ولذلك قال الحافظ في "التلخيص" (ص ٢٣٩) في حديث آخر: "ولا يلزم من كون رجاله ثقات أن يكون صحيحًا، لأنّ الأعمش مُدلِّس ولم يذكر سماعه".
ثانيًا: قد تبين لي بالتتبع والاستقراء أنه كثيرًا ما يكون في السند الذي قيل فيه: "رجاله ثقات" من هو مجهول العين أو العدالة، ليس بثقة إلا عند بعض المتساهلين في التوثيق كابن حبان والحاكم وغيرهما، ومن قيل فيه: "رجاله رجال الصحيح"، أنه ممن لم يَحتجَّ به صاحب "الصحيح"، وإنما روى له مقرونًا بغيره، أو متابعة، أو تعليقًا، وذلك يعني أنه لا يُحتجَّ به عند التفرّد.
وإذا عرفت هذا، فمن الواضح أن هذا القول وذاك لا يعني دائمًا أنّ الرجال ثقات، أو أنهم محتج بهم في "الصحيح"، وبالتالي فلا يستلزم في الحالة المذكورة تحقُّق الشرط الأول، بله الشروط الأخرى. فكم من حديث صحّحه الحاكم مثلًا تصحيحًا مطلقًا تارة، ومقيَّدًا بشرط الشيخين أو أحدهما تارة أخرى، وهو في كثير من الأحيان مُتعقَّب من المنذري وغيره كما ستراه في "ضعيف الترغيب"، فانظر فيه على سبيل المثال الأحاديث (٢١ و١٧٧ و٤٠٩ و٤١٦ و٤١٨ و٤٨٠ و٦٦١ و٦٧١)، وفي "الصحيح" الأحاديث (٢٠٣ و٣١٩ و٤١٠
[ ١ / ٧١ ]
و٤١٣ و٧٢٤) (^١). بل كم من حديث من هذا النوع تُعقِّب فيه المنذري نفسه، كحديث (٦٣٠) في "الضعيف"، وفي "الصحيح" الحديث (٤٦١) وغيره.
ثالثًا: قد يكون رجال الإسناد كلهم ممن احتَجّ بهم صاحب "الصحيح"، ولكن يكون فيهم أحيانًا من طعن فيه غيره من الأئمة، لسوء حفظ أو غيره مما يسقط حديثه عن مرتبة الاحتجاج به، ويكون هو الراجح عند المحققين، مثل يحيى بن سُليم الطائفي عند الشيخين، وعبد الله بن صالح كاتب الليث، وهشام ابن عمار من رجال البخاري، ويحيى بن يمان العجلي عند مسلم، فإن هؤلاء مع صدقهم موصوفون بسوء الحفظ، وهو علة تمنع الاحتجاج بمثله كما هو معلوم، وبمثل ذلك انتقدنا المنذري في بعض الأسانيد كما تراه في التعليق على الحديث (٢٤٩ - الصحيح).
رابعًا: إن قولهم: "رجاله رجال الصحيح" لا بد من فهمه أحيانًا على إرادة معنى التغليب لا العموم، أي أكثر رجاله رجال (الصحيح)، وليس كلهم، وهذا حينما يكون من نسب الحديث إليهم من المصنفين دون البخاري ومسلم صاحبي "الصحيحين" في الطبقة، بحيث لا يمكنه أن يشاركهما في الرواية عن أحد من شيوخها مباشرة، وإنما يروي عنه بواسطة راوٍ أو أكثر، كالحاكم والطبراني وأمثالهما. خذ مثلًا حديثًا أخرجه الحاكم (١/ ٢٢) بالسند التالي: حدثنا أبو بكر ابن إسحاق الفقيه: أنا محمد بن غالب: أنا موسى بن إسماعيل .. إلخ السند، ثم قال: "صحيح على شرطهما". ووافقه الذهبي.
قلت: فموسى هذا من شيوخ الشيخين، ومن فوقه على شرطِهما، بخلاف اللذين دونه، وهكذا كل حديث عند الحاكم مصحح على شرطهما، أو شرط
_________________
(١) يرجى الانتباه أن الأرقام المذكورة، وكذلك الأرقام الآتية في هذه المقدمة إنما تشير إلى الأحاديث في هذه الطبعة خاصة.
[ ١ / ٧٢ ]
أحدهما، فإنما يعني شيخهما ومن فوقه، وأما من دونه فلا، وقد يكون راويًا واحدًا أو أكثر. وعلى هذا البيان ينبغي أن يفهم طالب هذا العلم قول المنذري في حديث "الصحيح" الآتي برقم (٩٠٧): "رواه الحاكم، ورواته محتج بهم في (الصحيح) ".
وأما الحاكم فقال: "صحيح على شرط الشيخين"، وإنما لم ينقله المنذري لأنه خطأ فإنما هو على شرط مسلم فقط كما كنت بينته في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" برقم (٨٥)، فقول المنذري المذكور إنما هو على التغليب، وإنما يعني بدءًا من شيخ الشيخين فيه، وهو هنا أبو بكر بن أبي شيبة فمن فوقه، وأما من دونه فلا. ثم إن هؤلاء قد يكونون ثقاتٍ، وقد يكونون غير ذلك، وكل ذلك قد بلوناه في بعض أحاديثه، فانظر مثلًا في "الضعيف" الحديث رقم (٤٠٩)، فإنه، وإن كان صححه الحاكم مطلقًا فإن شيخ شيخه فيه كذبه الدارقطني، كما حكاه المنذري هناك، وأما النوع الذي قبله -أعني ما كان من رواية الثقات عن شيوخ الشيخين- فكثير جدًا والحمد لله.
وكذلك يقال في كل حديث سيمر بك في الكتابين: "الصحيح" و"الضعيف" يقول فيه المنذري: "رواه الطبراني، ورواته رواة الصحيح"، أو "ورواته ثقات": أنه يعني غالب رواته، أي كلهم ما عدا شيخ الطبراني قطعًا، وربما شيخ شيخه معه أحيانًا، وهذا حين يكون قوله صوابًا لا وهم فيه، خذ مثلًا الحديث الآتي في "الضعيف" برقم (١٤٧): "لزمتُ السواك حتى خشيتُ أنْ يدرد فِيَّ"، قال فيه: "رواه الطبراني في (الأوسط)، ورواته رواة الصحيح".
فإنّ إسناده في "الأوسط" (رقم - ٦٨٧٠ - مصورتي) هكذا: حدثنا محمد بن
[ ١ / ٧٣ ]
رزيق بن جامع: ثنا أبو الطاهر: حدثنا ابن وهب: ثنا يحيى بن عبد الله بن سالم عن عمرو بن أبي عمرو مولى المطّلب عن عائشة به. وقال: لا يُروى عن عائشة إلا بهذا الإسناد، تفرّد به ابن وهب".
قلت: فأبو الطاهر ومن فوقه كلهم من رواة الصحيح، بخلاف ابن رزيق -مصغرًا بتقديم الراء على الزاي- فليس منهم، بل لا نعرف شيئًا من حاله، سوى قول الحافظ في "التبصير" فيه (٢/ ٦٠٠):
"حدث بمصر عن أبي مُصعب وسعيد بن منصور".
وهذا كما ترى لا يروي ولا يشفي في معرفة حاله، مع العلم بأن الأحاديث التي ساقها له الطبراني في "الأوسط" تدل على أن له شيوخًا آخرين كإبراهيم ابن المنذر الحِزامي وعمرو بن سواد السرحي وغيرهم. وقد بحثت عنه في وَفَيَات سنة (٢٩٩ - ٣٦٠) سنة وفاة الطبراني من كتاب "النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة"، فلم أعثر عليه. وقد يكون شيخ الطبراني في بعض الأحاديث التي قال فيها ما ذكرنا ضعيفًا، كما في حديث يأتي في (٢٣ - الأدب/ ٣٩) وقد تكلمت عليه وبيّنت ضعفه في "الصحيحة" (٥٠٣). من أجل ذلك فقد ينشط المنذري أحيانًا فيستثني من مثل قوله المتقدّم شيخ الطبراني، كما فعل في الحديث الآتي هنا برقم (٨٥١) حيث قال فيه:
"رواه الطبراني، ورجاله رجال (الصحيح)، إلا شيخه يحيى بن عثمان ابن صالح وهو ثقة، وفيه كلام".
وقد لا ينشط لذلك أحيانًا، بل هذا هو الغالب عليه، أو يسهو فلا يستثني
[ ١ / ٧٤ ]
في حديث يكون الاستثناء فيه أولى، لأنه يكون في سنده شيخ لشيخ الطبراني ليس من رواة "الصحيح" أيضًا، كما وقع له في الحديث الصحيح رقم (١٥١) فتعقّبته بكلام الهيثمي الذي نقلته هناك، ومراده أنه ليس في إسناده من هو من شيوخ "الصحيح" فضلًا عمن دونه!
وإذا عرفت أيها القارئ الكريم هذه الحقائق حول قولهم: "رجاله ثقات"، أو "رجاله رجال (الصحيح) "، يتبيّن لك بوضوح لا ريب فيه أن ذلك لا يعني عندهم أن الحديث صحيح، وإنما: أن شرطًا من شروط الصحة قد تحقّق فيه، وهذا إذا لم يقترن به شيء من الوهم أو التساهل الذي سبق بيانه، فمن أجل ذلك لم أعتبر القول المذكور نصًا في التصحيح، يمكن الاعتماد عليه حين لا يتيسّر لنا الوقوف على إسناد الحديث مباشرة.
فينبغي التنبّه لهذا، فإنه من الأمور الهامة التي يضر الجهل بها ضررًا بالغًا، أهمّه نسبة التصحيح إلى قائله، وهو لا يقصده، وهذا مما سمعته من كثير من الطلاب وغيرهم في مختلف البلاد.