واعلمْ أن مما شجعني على نشرهما؛ أنني رأيت الكتاب المطبوع تحت عنوان: "الترغيب والترهيب" انتقاء الحافظ شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني … حقق أصوله، وعلّق عليه العالم الشهير الجليل الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي والفاضلان: عبد الحميد النعماني ومحمد عثمان الماليكانوي.
فإني أذكر أنني لما وقفت عليه، وكان ذلك قبل نحو عشر سنين، أقبلت عليه فرحًا مسرورًا، آملًا أن أجد فيه ما يساعدني على تحقيق ما أنا في صدده من "الصحيح" و"الضعيف"، راجيًا أن أرى أثر علم مؤلفه باديًا فيه، ومعنى (الانتقاء) ظاهرًا عليه، كيف لا وهو الحافظ ابن حجر، الإمام الذي ملأ صيته السهل والوعر، وكل مكان، بتحقيقاته الرائعة على الأحاديث النبوية في كل فن وباب، مثل "فتح الباري بشرح صحيح البخاري" الذي قيل فيه: "لا هجرة بعد الفتح"، و"التلخيص الحبير"، و"بلوغ المرام"، وغيرها كثير من كتبه النافعة، التي قلّ ما يوجد فيها حديث إلا وقد بيّن مرتبته، ونادرًا ما يسكت عن
[ ١ / ٩٤ ]
الضعيف منها، حتى قيل بحق: إنه أمير المؤمنين في الحديث.
ومما زادني رغبة في الإقبال عليه، أن محققه الفاضل الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي، قد صرّح في كلمته التي قدّم له بها أن كتاب "الترغيب والترهيب" للحافظ المنذري وإن كان خاليًا من الأحاديث الموضوعة (!)، لكنه يحمل عددًا كبيرًا من الأحاديث الضعيفة. ثم إنه أشعر القراء بأن كتاب "المنتقى" لابن حجر ليس فيه شيء من ذلك، فقال:
"فاختصر الحافظ كتاب المنذري في قدر ربع الأصل، وانتقى منه ما هو أقوى إسنادًا، وأصح متنًا"!
من أجل ذلك بادرت يومئذ إلى تصفّح الكتاب، وتقليب صفحاته، لتحقيق ما رجوت فيه، وما أشعَرَ به كلام الشيخ الأعظمي، فإذا بي أُصاب بخيبة شديدة، إذ أُفاجأُ بأنه -كأصله- فيه أحاديث ضعيفة، وان كان بنسبة أقل؛ لصغر حجمه، وأنه ليس منتقى منها!
ولما فرغتُ من تحقيق "الترغيب والترهيب"، وجَعْلهِ على قسمين: "الصحيح" و"الضعيف"، قابلت بعض أحاديثهما، بأحاديث "الانتقاء"، فتأكدت مما ذكرته آنفًا أنه ليس كما ذكر الأعظمي! بل وانكشف لي بهذه المقابلة أن صاحب "المنتقى" قد انطلى عليه كثير من الأوهام التي وقع فيها المنذري رحمهما الله تعالى.
وبيانًا لما ذكرتُ أشير إلى بعض الأحاديث الضعيفة التي وقعت في "الانتقاء" مقرونة بأرقامها فيه، وبجانب كل رقم منها رقمه في "الضعيف" عندي، ثم أُتبع ذلك بذكر بعض الأوهام المشار إليها.
[ ١ / ٩٥ ]
أما الأحاديث الضعيفة فإليك أرقامها في "الانتقاء" و"الضعيف" حسبما بيّنت آنفًا:
فمن "كتاب السنة" (١٥ = ٢٩ و٢٠ = ٣٦ و٢٢ = ٤٢).
ومن "كتاب العلم": (٣٤ = ٨٠ و٣٥ = ٤٨ و٣٦ = ٤٩ و٣٨ =٥٤ و٤٣ = ٨٦).
ومن "كتاب الطهارة" (٦٠ = ١٤٩).
ومن "كتاب الصلاة" (٩٩ = ٢١٣ و١٠٥ = ٢٢٣ و١١١ =٢٣٠ و١٢٩ =٢٦٣ و١٣٠ =٢٦٠ (موضوع) و١٣١ = ٢٥٩ و١٣٤ = ٢٧٢ (فيه خطأ في الاسم) و١٣٨ = ٢٧٣ و٢٧٤).
ومن "كتاب النوافل": (١٥٨ =٣٢٤ و١٥٩ = ٣٢٨ و١٦٠ = ٣٣١ (ضعيف جدًا) و١٧٥ = ٣٦٣ (مرسل) و١٨٧ =٤١٨ موضوع).
ومن "كتاب الجمعة": (١٩٧ = ٤٢٦ (موضوع) و١٩٩ = ٤٢٨ (أعلّه ابن حجر).
ومن "كتاب الصدقات": (٢١٢ =٤٥٧ و٢١٤ = ٤٦٢ و٢٢٠ = ٤٨٠ و٢٢١ = ٤٨٥ و٢٣٨ = ٤٩٩ و٢٣٩ =٥٠١ و٢٤٢ =٥٠٢ (ضعيف جدًا) و٢٤٧ =٥٠٦ و٢٥٤ = ٥١٣ و٢٥٦ = ٥٢٣ و٢٥٧ = ٥٢٦ (ضعيف جدًا) و٢٧١ =٥٤٣ و٢٧٢ =٥٤٥ و٢٧٩ = ٥٥٣ (موضوع) و٢٨١ = ٥٥٦ و٢٨٩ =٥٧٠).
ومن "كتاب الصوم": (٢٩١ = ٥٩٩ و٢٩٣ = ٥٨٣ و٢٩٤ =٦٠٥ و٢٩٨= ٥٧٤ و٣٠٢ = ٦١٢ و٣٠٥ = ٦١٦ و٣٠٧ = ٦١٧ و٣٠٨ =٦١٩ و
[ ١ / ٩٦ ]
٣٢٢ = ٦٤٥ (موضوع) و٣٢٨ = ٦٤٧ (موضوع) و٣٣٣ =٦٤٩ و٣٣٤ = ٦٥٠ و٣٣٧ = ٦٥٧ و٦٥٨ و٣٤٠ =٦٦١) موضوع) ٣٤٢ = ٦٦٤).
ومن كتاب "العيدين والأضحية": (٣٤٨ = ٦٨٣).
ومن كتاب "الحج": (٣٦١ =٧٥٤ و٣٦٥ =٧١٠ و٣٧٠ =٧٥٩ و٣٧٨ = ٧٣١ و٣٨١ =٧٤٢ و٣٨٣ =٧٤٥ و٣٩٨ = ٧٦٦ و٣٩٩ (^١) = ٧٦٨ و٤٠٤ = ٧٧٢ و٤٠٦ = ٧٧٣).
ومن كتاب "الجهاد": (٤١٠ = ٨١٥ و٤١١ = ٨١٦ و٤٣٥ =٨٠٥ و٤٥١ = ٨٥٤ و٤٧٣ = ٨٤١) (^٢).
…
هذا، وقد كان في أصلنا الذي اعتمدناه من "الترغيب" (الطبعة المنيرية كما تقدم) كثير من الأخطاء العلمية والحديثية، وقد يكون بعضها أو كثير منها من أصل المؤلف نفسه -﵀-، وكذلك وجدت فيه كثيرًا من التحريف والسقط، فضلًا عن الأخطاء المطبعية، التي لا يخلو منها كتاب، حاشا كتاب رب الأرباب، فصححت واستدركت ما عثرت عليه منها، إذ لم يكن من خطتي تقصُّد الكشف عنها، وتصفية النسخة منها كلها، لأن هذا -مع أهميته- شيء آخر غير الذي قصدت إليه، وليس عندي من الوقت ما
_________________
(١) وقع في "الانتقاء": "عن عمرو روي عن أنس"، والصواب: "وروي عن أنس"؛ كما في "الترغيب".
(٢) إلى هنا انتهى سابقًا تتبع الأحاديث الضعيفة بأرقامها من كتاب "الانتقاء" للحافظ ابن حجر مقرونة بأرقامها في "ضعيف الترغيب" الذي لم يُتح لنا إخراجه آنذاك، فانتظره قريبًا إن شاء الله مع تمام "صحيح الترغيب".
[ ١ / ٩٧ ]
يمكِّنني من التزامه، والتفرغ له (^١)، إذ إنّ الذي نذرت له نفسي لخدمة هذا الكتاب إنما هو تمييز صحيحه من ضعيفه -كما شرحت ذلك في أول هذه المقدمة- لأنه أهم شيء عندي بعد كتاب الله -﵎-، ولا يصح بوجه من الوجوه أن يُقرن معه إلا ما صح من الحديث عن النبي - ﷺ -، فإنه هو الأصل الثاني الذي أجمعت عليه الأمة، وعلى هذا فإذا وُجِد شيء من الأخطاء في مشروعي هذا تبعًا لأصله، فعذري هذا الذي ذكرت، والعذر عند كرام الناس مقبول.
ثم إنني لم أتقصَّد التنبيه في الحاشية على كل ما صححته من الأخطاء والأوهام، وما استدركته من الجمل والكلام، ولا سيّما إذا تكرر شيء من ذلك في الصفحة الواحدة؛ لكي لا أُثقل على الحاشية وأكثِّر سوادها، كما يفعل بعض المحققين -زعموا- وإنما نبّهت على شيء منه أحيانًا لضرورة أو حاجة، كما ترى مثلًا في حاشية الصفحة (١٢٤ و١٢٥) من المجلد الأول من "الصحيح"، والحاشية (ص ٢١ و٣٩) من الأول من "الضعيف" وغيرهما.
محمد ناصر الدين الألباني
_________________
(١) انظر (ص ١٥) من مقدمة الطبعة الجديدة هنا و(ص ١١) من مقدمة "ضعيف الترغيب والترهيب".
[ ١ / ٩٨ ]
[ ١ / ٩٩ ]