وهكذا انقضى عصر الصحابة ولم يُدَوَّن من السنة إلا القليل، حتى جاء الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز فأمر بجمع الحديث لدواع اقتضت ذلك، بعد حفظ الأمة لكتاب ربها، وأمنها عليه أن يشتبه بغيره من السنن.
وفي بيان ذلك نقول: إن القرن الأول الهجري كاد أن ينتهي ولم يصدر أحد من الخلفاء أمره بجمع الحديث وتدوينه، بل تركوه موكولًا إلى حفظ العلماء والرواة وضبطهم، وبعض الكتابات الفردية، وكان مرور مثل هذا الزمن الطويل كفيلًا بتركيز القرآن وتثبيته في نفوس الناس، فقد أصبح يتلوه القاصي والداني، ويعرفه الخاص والعام، ولا يختلف فيه أحد أو يشك في شيء من آياته، كما كان مرور هذا الزمن الطويل أيضًا كفيلًا بأن يذهب بكثير من حملة الحديث من الصحابة والتابعين في الحروب والفتوحات، وأن يتفرقوا في الأمصار، مما هيأ لأهل الأهواء والبدع - الذين ظهروا في هذه الفترة - أن يزيدوا في حديث رسول الله - ﷺ - وأن يُدْخلوا فيه ما ليس منه مما يؤيد بدعتهم ويلبي انحرافهم، كما أن انتشار الإسلام وتوسع الدولة الإسلامية جعل العرب يختلطون بغيرهم من الأعاجم في البلدان المختلفة، مما نتج عنه قلة الضبط في نقل حديث رسول الله - ﷺ - بسبب ضعف ملكة الحفظ عند الناس.
وفي العام التاسع والتسعين للهجرة تولى الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز ﵁ خلافة المسلمين، فنظر إلى الأحوال والظروف التي تمر بها الأمة، فرأى أن عليه البدء بكتابة الحديث وتدوينه حفظا له من الضياع والتحريف، حيث أن المانع الذي كان يمنع تدوين الحديث قد زال، ومصلحة المسلمين باتت تستدعي جمع الحديث وتدوينه.
فكتب إلى عُمَّاله وولاته يأمرهم بذلك، حيث أرسل إلى أبي بكر ابن حزم - عامله وقاضيه على المدينة - قائلًا له: "انظر ما كان من حديث رسول الله - ﷺ - فاكتبه، فإني خفت دروس العلم - يعني: اندراسه واختفائه - وذهاب العلماء"، وطلب منه أن يكتب ما عند عَمْرة بنت عبد الرحمن الأنصارية والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وكتب إلى علماء المسلمين في الأمصار المختلفة: "انظروا إلى حديث رسول الله - ﷺ - فاجمعوه" .. وكان ممن كتب إليهم الإمام محمد بن مسلم بن شهاب الزهري أحد الأئمة الأعلام، وعالم أهل الحجاز والشام المتوفى سنة (١٢٤ هـ)، حيث استجاب لطلب عمر بن عبد العزيز فجمع حديث أهل المدينة وقدمه له، فبعث عمر إلى كل أرض دفترًا من دفاتره، وكانت هذه هي المحاولة الأولى لجمع الحديث وتدوينه بشمول واستقصاء، وكان تدوين الإمام الزهري للسنة عبارة عن: جمع ما سمعه من أحاديث الصحابة من غير تبويب على أبواب العلم.
فأول من أمر بتدوين السنة هو الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز - ﵁ -، فى نهاية القرن الأول الهجرى، وقد تولى الخلافة سنة ٩٩ هـ وتوفى سنة ١٠١ هـ.
وقد روى الإمام البخارى -﵀- فى صحيحه تعليقًا، قال: وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ إِلَى أَبِي
[ ٢٣ ]
بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ (^١): انْظُرْ مَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَاكْتُبْهُ، فَإِنِّي خِفْتُ دُرُوسَ العِلْمِ وَذَهَابَ العُلَمَاءِ، وَلَا تَقْبَلْ إِلَّا حَدِيثَ النَّبِيِّ - ﷺ -: " وَلْتُفْشُوا العِلْمَ، وَلْتَجْلِسُوا حَتَّى يُعَلَّمَ مَنْ لَا يَعْلَمُ، فَإِنَّ العِلْمَ لَا يَهْلِكُ حَتَّى يَكُونَ سِرًّا " (^٢).
الكتابة، والتدوين، والتصنيف فى اللغة:
أ- الكتابة: قال فى اللسان:" كتب الشئ كتبًا، وكتابًا، وكتابة، وكتبه خطه" فكتابة الشاء خطه (^٣).
ب- التدوين: قال فى اللسان: "والديوان مجتمع الصحف" (^٤). وقال فى تاج العروس: "وقد دونه تدوينًا جمعه. وعليه فالتدوين هو جمع الصحف المشتتة فى ديوان ليحفظها (^٥).
ج- التصنيف: قال فى اللسان: والتصنيف: تمييز الأشياء بعضها من بعض، وصنف الشئ ميز بعضه من بعض. وتصنيف الشئ جعله أصنافًا. وعليه فالتصنيف تمييز الجزئيات، كأن يميز المصنف الصواب من الخطأ، أو الأهم من المهم" (^٦).
وهذا تعريف موجز للكتابة والتدوين والتصنيف: يتضح منه الفرق بين الكتابة والتدوين.
ومن هذه التعاريف: يتضح لنا أن الكتابة غير التدوين، فالكتابة مطلق خط الشئ، دون مراعاة لجمع الصحف المكتوبة فى إطار يجمعها، أما التدوين فمرحلة تالية للكتابة ويكون بجمع الصحف المكتوبة فى ديوان يحفظها " (^٧).
أما التصنيف؛ فهو أدق من التدوين، فهو ترتيب ما دون فى فصول محدودة، وأبواب مميزة (^٨).
وعلى ذلك فالسنة دونت فى نهاية القرن الأول، لكنها كانت مكتوبة ولكنها لم تصل لدرجة التدوين وهو: جمع الصحف فى دفتر. (^٩).
وأول من دون العلم هو ابن شهاب الزهرى" (^١٠) فهو ﵀ أول من دون أو صنف المجموعات المكتوبة من الأحاديث.
ويقول الحافظ ابن حجر: "وأول من دون الحديث ابن شهاب الزهرى على رأس المائة بأمر عمر بن عبد العزيز، ثم كثر التدوين ثم التصنيف، وحصل بذلك خير كثير" (^١١) وقال أيضًا: " اعلم، علمنى الله وإياك أن آثار النبى - ﷺ - لم تكن فى عصر الصحابة، وكبار تابعيهم مدونة فى الجوامع ولا مرتبة (^١٢) أ. هـ.
ومعلوم أن عمر بن عبد العزيز - ﵀ تعالي - حينما أمر بتدوين السنة لم يبدأ ذلك من فراغ، ولكنه اعتمد على أصول مكتوبة كانت تملأ أرجاء العالم الإسلامي كله، من خلال روح علمية
_________________
(١) هو: أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصارى البخارى، من سادات التابعين، ثقة عابد، مات سنة ١٢٠ هـ.٠ تقريب التهذيب (٨٠١٧).
(٢) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب العلم، باب كيف يقبض العلم ١/ ٢٣٤، والدارمى رقمى ٤٨٧، ٤٨٨.
(٣) لسان العرب ١/ ٦٩٨، وانظر: القاموس المحيط ١/ ١٢٠، ومختار الصحاح ص ٥٦٢.
(٤) لسان العرب ١٣/ ١٦٦.
(٥) تاج العروس ٩/ ٢٠٤.
(٦) لسان العرب ٩/ ١٩٨.
(٧) السنة النبوية مكانتها الدكتور عبد المهدى عبد القادر ص ٩٧.
(٨) انظر: تصدير الدكتور يوسف العش فى تقييد العلم ص ٨، وانظر: دلائل التوثيق المبكر للسنة للدكتور امتياز أحمد ص ٢٨٣، ٢٨٤.
(٩) السنة النبوية ٠ مكانتها ٠ الدكتور عبد المهدى عبد القادر ص ٩٧.
(١٠) ابن شهاب الزهرى: هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهرى، القرشى، أبو بكر، الفقيه الحافظ، متفق على جلالته واتقانه ٠ مات سنة ١٢٥ هـ ٠ له ترجمة فى: تقريب التهذيب (٦٣١٥).
(١١) فتح البارى ١/ ٢٥١ رقم ١١٣، وانظر ١/ ٢٣٥ رقم ١٠٠، وانظر: جامع بيان العلم لابن عبدالبر ١/ ٧٣، وتذكرة الحفاظ للذهبى ١/ ١٦٠، وشرح الزرقانى على الموطأ ١/ ١٤، والسنة النبوية ٠ مكانتها. للدكتور عبد المهدى ص ٩٤، ٩٨.
(١٢) هدى السارى ص ٨.
[ ٢٤ ]
نشطة، أشعلها الإسلام فى أتباعه، فأصبحوا يتقربون إلى الله تعالى بأن يزدادوا فى كل يوم علما، وخير العلوم-قطعًا- ما كان متعلقًا بالقران والسنة.
وبذلك ثبت أن تدوين السنة قام على أساس المكتوب فى عصر النبى - ﷺ -، وبإذن منه - ﷺ -، وأن السنة قد بدأت كتابتها منذ عصر النبى - ﷺ - إلى زمن تدوينها تدوينًا رسميًا أصبح حقيقة علمية مؤكدة ثبتت بالبراهين القطعية، وتضافرت على إثبات هذه الحقيقة الساطعة أقوال جملة من الباحثين الثقات الأثبات (^١).
كالدكتور محمد عجاج الخطيب فى كتابه "السنة قبل التدوين" والدكتور محمد مصطفى الأعظمى فى كتابة: "دراسات فى الحديث النبوى"، والدكتور امتياز أحمد فى كتابه: "دلائل التوثيق المبكر للسنة والحديث"، والدكتور رفعت فوزى عبدالمطلب فى كتابه: "توثيق السنة فى القرن الثانى الهجرى أسسه واتجاهاته) وغيرهم.
نماذج من أشهر ما كتب من السنة النبوية فى حياة النبى - ﷺ - وبعده إلى زمن التدوين الرسمى:
١ - ما ورد عن أبى هريرة - ﵁ -: أنه لما فتح الله - ﷿ - على رسوله - ﷺ - مكة قام الرسول - ﷺ - وخطب فى الناس، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ، يُقَالُ لَهُ أَبُو شَاهٍ، فَقَالَ: اكْتُبْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - " اكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ " (^٢).
٢ - وأيضًا كتابه - ﷺ - فى الصدقات والديات والفرائض والسنن، الذى أرسله إلى عمرو بن حزم (^٣)، حين بعثه إلى اليمن، أخرجه النسائى، وأبو عبيد القاسم في الأموال (^٤).
٣ - وَكَتَبَ أبو بكر الصديق - ﵁ - لأنس بن مالك - ﵁ - فرائض الصدقة، الذى سنه رسول الله - ﷺ - لما وجهه إلى البحرين" (^٥).
٤ - وكتب عمر بن الخطاب - ﵁ - إلى الصحابي الجليل عُتْبَةَ بْنَ فَرْقَدٍ - ﵁ - بأذربيجان كتابًا فيه أن رسول الله - ﷺ - نهى عن الحرير إلا هكذا، وأشار بأصبعيه اللتين تليان الإبهام" (^٦).
ومع أن الفاروق عمر كان يوصف بأنه واحد من أشد المعارضين لكتابة الحديث، ومنع تدوينها، إلا أننا على العكس نراه أول متثبت لكتابة الأحاديث بهمِّه بتدوين السنة المطهرة.
فكان أول مقترح بتدوينها حفاظًا لها كما كان أول مقترح بتدوين القرآن الكريم تدوينًا عامًا فى مكان واحد حفاظًا لكتاب الله - ﷿ -، زمن أبو بكر الصديق - ﵁ -. ففى همِّه بكتابة السنة، ليس مجرد الكتابة! فهى كانت مكتوبة. وإنما المراد بالكتابة تدوينها تدوينًا عامًا فى مكان واحد.
وكان أبى بكر وعمررضي الله عنهما- من أنصار تدوين السنة!.
فعمر - ﵁ - عندما همَّ بتدوين السنة استشار فى ذلك أهل الحل والعقد فلم يتردد واحد منهم فى
_________________
(١) تيسير اللطيف الخبير فى علوم حديث البشير النذير للدكتور مروان شاهين ص ٦٨ بتصرف ٠
(٢) الحديث بطوله ونص الخطبة فى صحيح البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب العلم، باب كتابة العلم ١/ ٢٤٨ رقم ١١٢.
(٣) هو: عمرو بن حزم بن عبد عوف الأنصارى الخزرجى، ثم البخارى، كنيته أبو الضحاك، وأول مشاهده الخندق ٠ وهو ابن خمس عشرة سنة، واستعمله رسول الله - ﷺ - على أهل نجران سنة ١٠ هـ بعد أن بعث إليهم خالد بن الوليد، فأسلموا، وكتب له كتابًا فيه الفرائض، والسنن، والصدقات، والديات ٠ مات بالمدينة سنة ٥١، وقيل: ٥٣، وقيل: ٥٤ هـ ٠ له ترجمة فى: الإصابة: (٥٨١٠)، واسد الغابة: (٣٩٠٥)، والاستيعاب: (١٩٠٧).
(٤) النسائى فى سننه كتاب القسامة، رقم ٤٨٥٣ - ٤٨٥٩، والأموال ص ٣٥٨ - ٣٦٢، وانظر: دلائل التوثيق المبكر للسنة ص ٣٦٨ وما بعدها ٠ ذكر كثير من الكتابات والصحف التى كتبت فى عهده - ﷺ -، وانظر: "مكاتيب الرسول" للأستاذ على الأحمدى جمع فيه مؤلفه كتب الرسول وصحفه ورسائله التى بكتب الحديث والسيرة ٠
(٥) الحديث أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الزكاة، باب العرض فى الزكاة ٣/ ٣٦٥ رقم ١٤٤٨، وفى باب زكاة الغنم ٣/ ٣٧١ رقم ١٤٥٤ بتمامة، وفى غير هذين الموضعين ٠ وانظر: دراسات فى الحديث النبوى للدكتور محمد الأعظمى ١/ ٩٣.
(٦) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب اللباس، باب لبس الحرير للرجال، وقدر ما يجوز منه ١٠/ ٢٩٥ رقم ٥٨٢٨.
[ ٢٥ ]
الموافقة كما جاء فى الأثر: " فأشاروا عليه بأن يكتبها " (^١).
ويدل هذا الهمّ والموافقة على حجية السنة عند الصحابة ﵃.
ويدل على أنهم من أنصار تدوين السنة المطهرة، وحفظتها!
وكتب عمر إلى عُمَّاله كتابًا فى كتابه إلى عتبة بن فرقد - ﵁ -؟، وهو القائل "قيدوا العلم بالكتاب" (^٢)، وجمع عمر الوثائق الخاصة بالزكاة والخراج والمسائل المالية الأخرى (^٣)، وأدخل نظام الدواوين فى الأعمال الرسمية (^٤)!.
وروي عن عمر - ﵁ - أنه قال: " إِنِّي كُنْتُ أَرَدْتُ أَنْ أَكْتُبَ السُّنَنَ، وَإِنِّي ذَكَرْتُ قَوْمًا كَانُوا قَبْلَكُمْ كَتَبُوا كُتَبًا فَأَكَبُّوا عَلَيْهَا وَتَرَكُوا كِتَابَ اللَّهِ، وَإِنِّي وَاللَّهِ لَا أَلْبَسُ كِتَابَ اللَّهِ بِشَيْءٍ أَبَدًا " (^٥).
" وكان الصواب ما رأى عمر، فالعصر عصر صحابة للنبى - ﷺ - لا عصر تابعين، وهم أشبه ما يكون بحوارى عيسى - ﵇ -، ولنا فى أهل الكتاب تجربة حين سجل أصحاب النبى عيسى - ﵇ -، ما سمعوه وما رأوه، نسبت الأناجيل إليهم لا إلى عيسى، ولا إلى الله تعالي، فكان الحذر والحيطة من عمر - ﵁ - بالعدول عن التدوين، إذ لو فعل لم يأمن أن تتعدد كتب السنة بتعدد قائليها، وتتنوع بتنوع أسماء كاتبيها، فتكون أناجيل فى الأمة، ويهمل الكتاب الأصلى الذى هو درة التاج، وقلادة العقد.
لمن هذه البصيرة النافذة إن لم تكن لعمر بعد النبى - ﷺ -؟!
ولمن هذا القول الفصل إن لم يكن للفاروق بعد الرسول - ﷺ -؟!
ولمن هذا الحرص الشديد إن لم يكن لهذا الغيور على دينه؟!
فياليت قومى يعلمون (^٦) أ. هـ.
وأشهر ما كتب من السنة فى زمن النبوة وبعده إلى زمن التدوين الرسمى:
١ - الصحيفة الصادقة التى كتبها جامعها عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ -، وإن لم تصل هذه الصحيفة كما كتبها عبد الله بن عمرو بخطه فقد وصل إلينا محتواها، لأنها محفوظة فى مسند الإمام أحمد (^٧)، حتى ليصح أن نصفها بأنها أصدق وثيقة تاريخية تثبت كتابة الحديث على عهد رسول الله - ﷺ -، ويزيدنا اطمئنانًا إلى صحة هذه الوثيقة أنها كانت نتيجة طبيعة محتومة لفتوى النبى - ﷺ - لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: كُنْتُ أَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ أَسْمَعُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، أُرِيدُ حِفْظَهُ، فَنَهَتْنِي قُرَيْشٌ وَقَالُوا: أَتَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ تَسْمَعُهُ، وَرَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بَشَرٌ يَتَكَلَّمُ فِي الْغَضَبِ، وَالرِّضَا! فَأَمْسَكْتُ عَنِ الْكِتَابِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَأَوْمَأَ بِأُصْبُعِهِ إِلَى فِيهِ، فَقَالَ: " اكْتُبْ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَّا حَقٌّ " (^٨). وآية اشتغال ابن عمرو بكتابة هذه الصحيفة وسواها من الصحف قول أبى هريرة - ﵁ -: " مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَحَدٌ أَكْثَرَ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّي، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلَا أَكْتُبُ " (^٩).
_________________
(١) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم ١/ ٦٤، والخطيب في تقييد العلم ص ٤٩.
(٢) أخرجه الحاكم فى المستدرك كتاب العلم ١/ ١٨٧، ١٨٨ رقمى ٣٥٩، ٣٦٠ وقال: صحيح من قول عمر، وقد أسند من وجه غير معتمد، ووافقه الذهبى وقال وصح مثله من قول أنس - ﵁ - ٠ وانظر: جامع بيان العلم ١/ ٧٢، وتقييد العلم ٨٧، ٨٨.
(٣) سنن أبى داود كتاب الزكاة، باب فى زكاة السائمة ٢/ ٩٨ - ٩٩ رقم ١٥٧٠ والأموال للقاسم بن سلام ص ٣٦٧ رقم ٩٣٤.
(٤) انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد ٣/ ٢٠٣، وانظر: دلائل التوثيق المبكر للسنة للدكتور امتياز أحمد ص ١٩٨.
(٥) أخرجه البيهقي في المدخل إلى السنن الكبرى ٤٠٧ رقم ٧٣١، وابن راشد في جامعه ١١/ ٢٥٧ رقم ٢٠٤٨٤، وسنده صحيح.
(٦) السنة فى مواجهة أعدائها ص ٢٤٣، ٢٤٤. الأستاذ الدكتور طه حبيشى.
(٧) انظر: مسند عبد الله بن عمرو فى مسند أحمد ٢/ ١٥٨ - ٢٢٦ ٠
(٨) أخرجه أبو داود فى سنته كتاب العلم باب فى كتاب العلم ٣/ ٣١٨ رقم ٣٦٤٦.
(٩) أخرجه البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب العلم، باب كتابة العلم ١/ ٢٤٩ رقم ١١٣.
[ ٢٦ ]
٢ - والصحيفة الصحيحة التى كتبها همام بن منبه (^١)، زوج ابنة أبى هريرة - ﵁ - كتبها أمام أبى هريرة، ولهذه الصحيفة مكانة خاصة فى تدوين الحديث، لأنها وصلت إلينا كاملة سالمة كما رواها ودونها همَّام بن منبه عن أبى هريرة، فكانت جديرة باسم "الصحيفة الصحيحة" (^٢) على مثال " الصحيفة الصادقة " لعبد الله بن عمرو بن العاص، وقد سبقت الإشارة إليها.
ونحب أن ننبه أن مصطلح "صحيفة وكتاب وجزء ونسخة إلخ لا يعنى بالضرورة "مجموعات صغيرة أو مذكرة عن الحديث" كما كان يعتقد أحيانًا وهذا ما أكد صحته الدكتور امتياز أحمد فى كتابه "دلائل التوثيق المبكر للسنة" (^٣).
وهذه الكتابات السابقة وغيرها الكثير (^٤)؛ تقطع بكتابة السنة المطهرة فى عصر النبوة والصحابة والتابعين (^٥).
وتؤكد أن التوفيق بين النهى عن كتابة السنة والإذن بكتابتها، وهو أن النهى دائر مع الخوف من علة النهى التى سبق تفصيلها، والإذن دائر مع الأمن منها (^٦).
وهذا يؤكده أيضًا أن كل من نُقل عنه (أى من الصحابة والتابعين) النهى عن كتابة السنة فقد نُقل عنه عكس ذلك أيضًا (^٧)، ما عدا شخصًا أو شخصين، وقد ثبتت كتابتهم أو الكتابة عنهم، وبذلك صرح الدكتور محمد مصطفى الأعظمى (^٨)، وأكده باستفاضة فى كتابه (دراسات فى الحديث النبوى) حيث عقد الفصل الأول من الباب الرابع لبيان كتابة الصحابة، ومن كتب عنهم فى حياتهم (^٩)، والفصل الثانى فى " كتابة كبار التابعين، ومن كتب عنهم فى حياتهم " (^١٠) حتى زمن التدوين الرسمى فى عهد عمر بن عبدالعزيز - ﵁ -، بل وبعد زمنه أيضًا (^١١).
كل ذلك يؤكد الحقائق التى سبق ذكرها من الفرق بين الكتابة، والتدوين وأن عمر بن عبد العزيز، حينما أمر بالتدوين الرسمي للسنة لم يبدأ من فراغ ولكنه اعتمد على أصول الكتابات التى سبق ذكر بعضها وكانت تملأ أرجاء العالم الإسلامي.
ثم نشطت حركة التدوين بعد ذلك، وأخذت في التطور والازدهار، وتعاون الأئمة والعلماء في مختلف الأمصار، فكتب ابن جريج بمكة، وكتب مالك وابن إسحاق بالمدينة، وكتب سعيد بن أبي عَروبة والربيع بن صُبيح وحماد بن سلمة بالبصرة، وكتب سفيان الثوري بالكوفة، وكتب أبو عمرو الأوزاعي بالشام، وكتب عبد الله بن المبارك بخراسان، وكتب معمر باليمن، وغيرهم من الأئمة.
_________________
(١) همام بن منبه هو: ابن كامل الصنعانى، أبو عتبة، أخو وهب ٠ روى عن أبى هريرة، ومعاوية، وعنه ابن أخيه عقيل بن معقل، ومعمر، متفق على توثيقه ٠ مات سنة ١٣٢ هـ على الصحيح ٠ له ترجمة فى تقريب التهذيب: (٧٣٤٣)، والثقات للعجلى (١٧٥٠)، والثقات لابن شاهين (١٤٧١).
(٢) وهذه الصحيفة أخرجها الإمام أحمد بنصها فى مسنده ٢/ ٣١٢ - ٣١٩، وقد طبعت عدة مرات بتحقيق الدكتور محمد حميد الله ٠ انظر: السنة النبوية ٠ مكانتها ٠ الدكتور عبد المهدى ص ١١٩، وعلوم الحديث للدكتور صبحى الصالح ص ٣٢.
(٣) ص ١٤٨، ١٥٨، ١٦١.
(٤) انظر: دراسات فى الحديث النبوى للدكتور الأعظمى ١/ ٨٤ - ١٤٢، ودلائل التوثيق المبكر للسنة للدكتور امتياز ص ٤٦٣ - ٥٩٠.
(٥) وفى تلك الكتابات رد على الأستاذ محمد رشيد رضا، ومن تابعه كمحمود أبو رية، والسيد صالح أبو بكر (فى أن الصحابة لم يكتبوا، وعدم كتابتهم دليل على أنهم لم يريدوا أن تكون السنة دينًا عامًا دائمًا كالقرآن ٠ وسبق تفصيل الرد على ذلك ص ٢٩٨ - ٣٠٦.
(٦) ينظر: السنة النبوية في كتابات أعداء الإسلام للمؤلف ١/ ٢٨٨ وما بعدها.
(٧) بل والندم على عدم الكتابة، كما روى عن عروة بن الزبير - ﵁ - إذ يقول: "كتبت الحديث ثم محوته، فوددت أنى فديته بمالى وولدى وأنى لم امحه". أخرجه الخطيب فى تقييد العلم ص ٦٠.
(٨) انظر: دراسات فى الحديث النبوى ١/ ٧٦.
(٩) انظر: المصدر السابق ١/ ٩٢ - ١٤٢.
(١٠) انظر: دراسات فى الحديث النبوى ١/ ١٤٣ - ١٦٧.
(١١) انظر: دراسات فى الحديث النبوى ١/ ١٦٨ - ٣٢٥. فأين كل هذا مما زعمه الدكتور موريس بوكاى من أنه ليس هناك أية مجموعة أحاديث قد ثبتت نصوصها فى عصر النبى - ﷺ -. انظر: دراسة الكتب المقدسة ص ١٥٢.
[ ٢٧ ]
وكانت طريقتهم في التدوين هي جمع أحاديث كل باب من أبواب العلم على حدة، ثم ضم هذه الأبواب بعضها إلى بعض في مصنف واحد، مع ذكر أقوال الصحابة والتابعين، ولذلك حملت المصنفات الأولى في هذا الزمن عناوين مثل (مصنف) و(موطأ) و(جامع).
ويعتبر هذا العصر هو عصر التصنيف وتدوين السنة على الأبواب، وبدايته من سنة ثلاث وأربعين ومائة، وكانت السنّة قبل ذلك يتلقاها العلماء حفظًا، أو في صحف غير مرتّبة.
يقول الذهبي ﵀: (في سنة ثلاث وأربعين- يعني ومائة- شرع علماء الإسلام في هذا العصر في تدوين الحديث والفقه والتفسير. فصنَّف ابن جريج بمكة، ومالك الموطأ بالمدينة، والأوزاعي بالشام، وابن أبي عروبة وحماد بن سلمة وغيرهما بالبصرة، ومعمر باليمن، وسفيان الثوري بالكوفة، وصنَّف ابن إسحاق المغازي، وصنف أبو حنيفة ﵀ الفقه والرأي، ثم بعد يسير صنف هشيم، والليث، وابن لهيعة، ثم ابن المبارك، وأبو يوسف، وابن وهب، وكثُر تدوين العلم وتبويبه ودوِّنت كتب العربية، واللغة، والتاريخ، وأيام الناس. وقبل هذا العصر كان الأئمة يتكلمون من حفظهم، أو يَرْوُونَ العلم من صحف صحيحة غير مرتَّبة) (^١).
وأن أوَّل من صنّف على الأبواب: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج (ت ١٥٠ هـ) بمكة، والإمام مالك بن أنس (ت ١٧٩ هـ) أو محمد بن إسحاق بن يسار (ت ١٥١ هـ) بالمدينة والربيع بن صَبيح (ت ١٦٠ هـ) أو سعيد بن أبي عروبة (ت ١٥٦ هـ أو ١٥٧ هـ)، أو حماد بن سلمة (ت ١٦٧ هـ) بالبصرة، وسفيان الثوري (ت ١٦١ هـ) بالكوفة، وعبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي (ت ١٥٧ هـ) بالشام، وهشيم بن بشير الواسطي (ت ١٨٣ هـ) بواسط، ومعمر بن راشد (ت ١٥٣ هـ) باليمن، وجرير بن عبد الحميد (ت ١٨٨ هـ) بالرَّيّ، وعبد الله بن المبارك المَرْوَزي (ت ١٨١ هـ) بمَرْو وخراسان.
أما ابن جريج، فصنّف كتاب السنن، وكتاب الحج أو المناسك، وكتاب التفسير، وكتاب الجامع.
وأما الإمام مالك، فصنّف كتاب الموطّأ.
وأما محمد بن إسحاق، فصنّف كتاب المغازي.
وأما سعيد بن أبي عروبة، فله مصنّفات كثيرة، منها: تفسير القرآن، والسنن، والمناسك، والنكاح، والطلاق.
وأما الأوزاعي، فالّف كتبًا عديدة، إلا أنها احترقت ولم يبق منها شيء سوى اقتباسات في بعض الكتب، فمن كتبه: كتاب السنن في الفقه، وكتاب المسائل في الفقه.
وأما هشيم بن بشير، فهو ممن كثرت عنايته بالآثار، وجمعه للأخبار، وحفظ، وصنَّف كتبًا عديدة، منها: السنن في الفقه، والتفسير، والقراءات، والصلاة.
وأما معمر بن راشد، فصنّف كتاب المغازي، وكتاب التفسير، وكتاب الجامع.
وأما عبد الله بن المبارك، فصنّف كتبًا عديدة، منها: المسند وكتاب الزهد، وكتاب الجهاد، وكتاب السنن في الفقه، وكتاب التفسير، وكتاب التاريخ، وكتاب البر والصلة.
وكان هؤلاء الأئمة في عصر واحد تقريبًا، فلا ندري أيهم كان أسبق، وإن قال بعضهم: إن ابن جريج أول من صنف، إلا أن الأَوْلى أن يُقَيَّد كل منهم بمصره، فيقال: أول من صنف بالكوفة سفيان الثوري، وهكذا.
_________________
(١) انظر: تاريخ الخلفاء (ص ٤١٦ - ٤١٧).
[ ٢٨ ]
ولم يكن التصنيف في ذلك العصر مقصورًا على هؤلاء، بل هناك عدد كثير ممن صنَّف غيرهم، نذكر منهم:
١ - إبراهيم بن طَهْمان (ت ١٦٣ هـ):كتب الكثير، ودوّن كتبه التي أثنى عليها ابن المبارك بقوله: (إبراهيم بن طهمان صحيح الكتب) (^١). ومن كتبه: التفسير، والسنن في الفقه، والعيدين، والمناقب (^٢).
٢ - الحسين بن واقد المَرْوَزي (ت ١٥٩ هـ): له كتاب التفسير، وكتاب الوجوه في القرآن (^٣).
٣ - زائدة بن قدامة الثقفي (ت ١٦٠ هـ): له كتب، منها: السنن، والقراءات، والتفسير، والزهد، والمناقب.
٤ - سفيان بن عيينة (١٩٨ هـ):له كتاب التفسير.
٥ - مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبي ذئب (ت ١٥٨ هـ): له كتاب السنن، ويحتوي على الفقه، مثل: الصلاة، والطهارة، والصيام، والزكاة، والمناسك، وغير ذلك.
وله كتاب الموطأ، وقد يكون هو نفس السنن، وقد بقي هذا الموطأ لعدة قرون.
وتقدم أن معظم هذه المصنفات كان يضم أحاديث النَّبِيِّ - ﷺ -، وما ورد عن الصحابة والتابعين، إلى أن رأى بعض الأئمة أن تفرد أحاديث النَّبِيِّ - ﷺ - خاصة، وذلك على رأس المائتين، فصُنِّفَت المسانيد.
ثم جاء القرن الثالث فحدث طور آخر من أطوار تدوين السنة تجلى في إفراد حديث رسول الله - ﷺ - بالتصنيف دون غيره من أقوال الصحابة والتابعين، فألفت المسانيد التي جمعت أحاديث كل صحابي على حدة، من غير مراعاة لوحدة الموضوع، كمسند الإمام أحمد، ومسند إسحاق بن راهويه، ومسند عثمان بن أبي شيبة وغيرها من المسانيد، ولم تقتصر هذه المسانيد على جمع الحديث الصحيح بل احتوت على الصحيح وغيره مما جعل الإفادة منها والوقوف على أحاديث مسألة معينة من الصعوبة بمكان إلا على أئمة هذا الشأن، خصوصًا وأنها لم ترتب على أبواب الفقه، والذي صنف منها على الابواب الفقهية مثل المصنف لعبد الرزاق وابن أبي شيبة أشتمل على المرفوع والموقوف والمقطوع وجمع الصحيح والحسن والضعيف والموضوع، مما حدا بإمام المحدثين في عصره محمد بن إسماعيل البخاري أن ينحو بالتأليف منحىً جديدًا اقتصر فيه على الحديث الصحيح فحسب - دون ما عداه - فألف كتابه الجامع الصحيح المشهور بـ (صحيح البخاري)، وجرى على منواله معاصره وتلميذه الإمام مسلم بن الحجاج القشيري فألف صحيحه المشهور بـ (صحيح مسلم)، وقد رتبا صحيحيهما على أبواب الفقه تسهيلًا على العلماء والفقهاء عند الرجوع إليهما لمعرفة حكم معين، فكان لهذين الإمامين الفضل بعد الله ﷿ في تمهيد الطريق أمام طالب الحديث ليصل إلى الحديث الصحيح بأيسر الطرق.
وقد تابعهما في التأليف على (أبواب الفقه)، أئمة كثيرون سواء ممن عاصرهم أو ممن تأخر عنهم، فألفت بعدهما السنن الأربعة المشهورة وهي: (سنن أبي داود) و(النسائي) و(الترمذي) و(ابن ماجة)، إلا أن هؤلاء الأئمة لم يلتزموا الصحة كما التزمها الإمامان البخاري ومسلم، فوُجد في هذه
_________________
(١) انظر: الجرح والتعديل (٢/ ١٠٨).
(٢) انظر: الفهرست للنديم (ص ٢٨٤)، ودراسات في الحديث النبوي (ص ٢٢٤). وقد طبع جزء حديثي بعنوان: (مشيخة ابن طهمان) بتحقيق الدكتور محمد طاهر مالك الذي رجح في المقدمة (ص ٦) أن هذا الكتاب هو كتاب السنن في الفقه لابن طهمان، وأن كلمة (سنن) تصحّفت إلى (مشيخة).
(٣) الفهرست للنديم (ص ٢٨٤)، ودراسات في الحديث النبوي (ص ٢٤٢).
[ ٢٩ ]
المؤلفات الصحيح وغيره، وإن كان الصحيح هو الغالب.
وقد اعتبر العلماء القرنَ الثالث الهجري، أزهى عصور السنة وأسعدها بالجمع والتدوين، ففيه دونت الكتب الستة التي اعتمدتها الأمة فيما بعد، وفيه ظهر أئمة الحديث وجهابذته، وفيه نشطت رحلة العلماء في طلب الحديث، ولذلك جعل كثير من أهل العلم هذا القرن الحدَّ الفاصل بين المتقدمين والمتأخرين من نقاد الحديث.
وبانتهاء هذا القرن كاد أن ينتهي عصر الجمع والابتكار في التأليف، فقد اقتصر دور العلماء في القرون التالية على الاختصار والتهذيب والترتيب، والاستدراك والتعقيب، وانصب اهتمامهم على الكتب المدونة، وقلَّت بينهم الرواية الشفهية.