هذا الحديث رواه البخاري بتمامه نص ثلاثة مواضع هذا أحدها والثاني في كتاب فرض الخمس حيث قال: حدثنا حبان ابن موسى أخبرنا عبد الله عن يونس عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية يقول: قال رسول الله ﷺ "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين والله المعطى وأنا القاسم ولا تزال هذه الأمة ظاهرة على من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون"، والثالث في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة حيث قال: حدثنا إسماعيل حدثنا ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب أخبرني حميد قال: سمعت معاوية بن أبى سفيان يخطب قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين وإنما أنا قاسم ويعطى الله، ولن يزال أمر هذه الأمة مستقيما حتى تقوم الساعة أو حتى يأتي أمر الله".
ورواه مسلم في كتاب الزكاة من صحيحه دون الجملة الأخيرة في موضعين قال نا الأول:
حدثنا أبو بكر بن أبى شيبه حدثنا زيد بن الحباب أخبرني معاوية بن صالح حدثني ربيعة بن يزيد الدمشقى عن عبد الله بن عامر اليحصبى قال
[ ٢٨ ]
سمعت معاوية يقول إياكم وأحاديث إلا حديثا كان في عهد عمر فإن عمر كان يخيف الناس في الله ﷿، سمعت رسول الله ﷺ وهويقول: "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين"، وسمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنما أنا خازن فمن أعطيته عن طيب نفس فيبارك الله له فيه ومن أعطيته عن مسألة وشره كان كالذى يأكل ولا يشبع". وقال في الثاني: حدثني حرملة بن يحي أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب قال حدثني حميد بن عبد الرحمن بن عوف قال سمعت معاوية بن أبى سفيان وهو يخطب يقول: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم ويعطى الله".
ورواه في كتاب الإمارة دون الجملة الوسطى فقال: حدثني اسحاق بن منصور أخبرنا كثير بن هشام حدثنا جعفر وهو ابن برقان حدثنا يزيد بن الأصم قال سمعت معاوية بن أبى سفيان ذكر حديثا رواه عن النبي ﷺ لم أسمعه روى عن النبي ﷺ على منبره حديثا غيره قال: قال رسول الله ﷺ: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ولاتزال عصابة من المسلمين يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم إلى يوم القيامة".
وقد روى الشيخان الجملة الأخيرة فقط في أحاديث أخرى غير هذه الأحاديث المذكورة.
وقال الترمذي في جامعه: باب إذا أراد الله بعبد خيرا فقهه في الدين، حدثنا على بن حجر حدثنا إسماعيل بن جعفر أخبرني عبد الله بن سعيد بن أبى هند عن أبيه عن ابن عباس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين". وفي الباب عن عمر وأبي هريرة ومعاوية، هذا حديث حسن صحيح انتهى.
ورواه الإمام أحمد في مسنده عن ابن عباس ﵁، ورواه ابن ماجه في سننه من حديث أبى هريرة ﵁ بمثل الجملة الأولى عند
[ ٢٩ ]
الشيخين والترمذى، ورواه أيضًا من خديث معاوية ﵁ ولفظه: "الخير عادة والشر لجاجة ومن يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين".
ورواه ابن حبان في صحيحه فقال: أخبرنا ابن قتيبة (وهو محمد بن الحسن) قال حدثنا حرملة بن يحي قال حدثنا ابن وهب قال أنبأنا يونس عن ابن شهاب قال أخبرني حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية بن أبى سفيان يقول: سمعت النبي ﷺ يقول: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين".
ورواه البخاري تعليقا في باب: العلم قبل القول والعمل من كتاب العلم فقال: وقال ﷺ "من يرد الله به خيرًا يفقهه وإنما العلم بالتعلم". قال الحافظ ابن حجر: كذا في رواية الأكثر وفي رواية المستملى يفهمه، ثم أشار إلى أن البخاري وصله باللفظ الأول، ثم قال: وأما اللفظ الثاني فأخرجه ابن أبى عاصم في كتاب العلم من طريق ابن عمر عن عمر مرفوعا وإسناده حسن، والفقه هو الفهم قال الله تعالى: ﴿فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ أي لا يفهمون، والمراد الفهم في الأحكام الشرعية قال وقوله "وإنما العلم بالتعلم" هو حديث مرفوع أيضا أورده ابن أبى عاصم والطبراني من حديث معاوية أيضًا بلفظ: "يا أيها الناس تعلموا، إنما العلم بالتعلم والفقه بالتفقه"، ومن يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، إسناده حسن إلا أن فيه مبهما اعتضد بمجيئه من وجه آخر، وروى البزار نحوه من حديث ابن مسعود موقوفا. ورواه أبونعيم الأصبهاني مرفوعا، وفي الباب عن أبى الدرداء وغيره، فلا يغتر بقول من جعله من كلام البخاري، والمعنى ليس العلم المعتبر إلا المأخوذ من الأنبياء وورثتهم على سبيل التعلم، انتهى.
وقال الحافظ أبو بكر الهيثمي في مجمع الزوائد: وعن عمر بن الخطاب أن رسوله الله ﷺ قال: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين". رواه الطبراني في الأوسط وفيه ابن لهيعة وهوضعيف: وعن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "من يرد الله به خيرا يفقهه فأ الدين"، رواه الطبراني في الصغير ورجاله رجال الصحيح، وعن عبد الله يعنى ابن مسعود ﵁ قال:
[ ٣٠ ]
قال رسول الله ﷺ "إذا أراد الله بعبد خيرًا فقهه في الدين وألهمه رشده"، رواه البزار والطبراني في الكبير ورجاله موثقون انتهى.
وأورد الحافظ المنذرى في كتابه الترغيب والترهيب حديث ابن مسعود هذا، وقال: رواه البزار والطبراني في الكبير بإسناد لا بأس به، وأورد حديث معاوية عند الشيخين وابن ماجه وقال: ورواه أبويعلى وزاد فيه: ومن لم يفقهه لم يبال به، وروى حديث معاوية ﵁ أبو نعيم في الحلية في ترجمة رجاء بن حيوة من رواية رجاء بن حيوة عنه، وفي ترجمة محمد بن المبارك من رواية يونس بن ميسرة عنه، وفي ترجمة على بن عبد الحميد من رواية عبد الله ابن عامر عنه، ورواه بلفظ: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ويلهمه رشده" من حديث ابن مسعود ﵁ في ترجمة شقيق بن سلمة من رواية أبى بكر بن عياش عن الأعمش عن أبى وائل عنه، وقال: غريب من حديث الأعمش تفرد عنه به أبو بكر بن عياش.
وقال أبو عمر بين عبد البر في كتابه جامع بيان العلم وفضله: باب قوله ﷺ "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين"، ثم روى بسنده إلى ابن عمر مرفوعًا: "من يرد الله به خيرًا يفقهه". ورواه بسنده عنه عن أبيه عمر ﵄ مرفوعا بلفظ: "من يرد الله أن يهديه يفقهه"، ثم قال: أخبرنا محمد بن خليفة قال حدثنا محمد بن الحسين قال حدثنا أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله الكشي، قال حدثنا سليمان بن داود الشاذكوني قال حدثنا عبد الواحد بن زياد قال حدثنا معمر عن الزهري في سعيد بن المسيب عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين"، وفي هذا الباب حديث معاوية صحيح أيضًا حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد بن مسرهد قال حدثنا يحي القطان عن ابن عجلان قال حدثنا محمد بن كعب القرظي قال: كان معاوية ابن أبى سفيان يخطب بالمدينة يقول: "أيها الناس إنه لا مانع لما أعطي الله، ولا معطى لما منع الله، ولا ينفع ذا الجد منه الجد، من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين".
[ ٣١ ]
سمعت هذه الكلمات من رسول الله ﷺ على هذه الأعواد. وأخبرنا عبد الرحمن بن يحي قال حدتنا على بن محمد قال حدثنا أحمد بن داود قال حدثنا سحنون قال أخبرنا عبد الله بن وهب عن يونس بن يزيد عن ابن شهاب قال حدتنا محمد١ بن عبد الرحمن قال سمعت معاوية وخطبنا فقال: سمعت النبي ﷺ يقول: "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين وإنما أنا قاسم والله يعطى، ولن تزال هذه الأمة قائمة على الحق أمر الله، لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله"، وروى نحوه بسنده إلى الإمام البخاري ومنه عن شيخه سعيد بن عفير بمثل سنده في كتاب العلم من صحيحه. وروى بسنده إلى كثير بن هشام في سند الحديث الذي أورده الإمام مسلم في كتاب الإمارة ومنه بمثل سنده ومتنه عنده. وروى بسنده إلى عبد الله بن محيريز عن معاوية أن رسول الله ﷺ قال: "إذا أراد الله بعبد خيرا فقهه في الدين" انتهى. ورواه أبو داود الطيالسي بسنده إلى محمد بن كعب القرطبي عن معاوية بنحو حديثه المتقدم ذكره عند ابن عبد البر.
خلاصة التخريج: والخلاصة أن الجملة الأولى التي ترجم بها الإمام البخاري ﵀ وهي قول ﷺ: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين" رواها الشيخان وابن ماجه وابن حبان في صحيحه وابن أبى عاصم والطبراني وأبو يعلى وأبو نعيم الأصبهاني وأبو عمر بن عبد البر وأبو داود الطيالسي من حديث معاوية بن أبى سفيان ﵁، ورواها الترمذي والإمام أحمد من حديث ابن عباس ﵁ ورواها ابن ماجه والطبراني في الصغير وأبو عمر بن عبد البر من حديث أبى هريرة ﵁، ورواها ابن أبى عاصم والطبراني في الأوسط وأبو عمر بن عبد البر من حديث عمر بن الخطاب ﵁، ورواها أبو عمر بن عبد البر من حديث ابن عمر ﵄، ورواها البزار والطبراني في الكبير وأبو نعيم في الحلية من حديث ابن مسعود ﵁.
_________________
(١) ١ كذا ولعله حميد بن عبد الرحمن.
[ ٣٢ ]
من فوائد هذا التخريج:
١- الوقوف على كثرة طرق الحديث، ومعلوم أن كثرة الطرق تحصل بها زيادة القوة.
٢- الوقوف على تصريح عبد الله بن وهب بالأخبار والأنباء كما في إحدى الروايات عند مسلم وكما عند ابن حبان، وعبد الله بن وهب قد وصفه ابن سعد بالتدليس كما تقدمت الإشارة إلى ذلك، وقد ذكر الحافظ ابن حجر في مقدمة فتح الباري أن مدار أسباب الجرح على خمسة أشياء فذكر من بينها دعوى الانقطاع في السند بأن يدعى في الراوي أنه كان يدلس أو يرسل، ثم قال عند الجواب عن ذلك: وأما دعوى الانقطاع فمدفوعة عمن أخرج لهم البخاري لما علم من شرطه ومع ذلك فحكم من ذكر من رجاله بتدليس أو إرسال أن تسبر أحاديثهم الموجودة عنده- أي البخاري- بالعنعنة فإن وجد التصريح بالسماع فيها اندفع الاعتراض وإلاّ فلا..
وهذا الحديث قد رواه ابن وهب بالعنعنة عند البخاري وقد صرح بالأخبار عند مسلم والأنباء عند ابن حبان كما رأيت فاندفع الاعتراض بعد حصر الطرق والوقوف عليها.
٣- معرفة المكان الذي خطب فيه معاوية ﵁ وأنه على منبر رسول الله ﷺ في المدينة كما أشارت إلى ذلك إحدى روايات مسلم وأوضحته رواية ابن عبد البر.
[ ٣٣ ]