١- قوله ﷺ: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم"، الإطراء: مجاوزة الحد في المدح والكذب فيه. والمعنى لا تمدحوني بالباطل أو لا تجاوزوا الحد في مدحي فتغلوا كما غلت النصارى في عيسى فادعوا ألوهيته.
٢- قوله: "فإنما أنا عبده فقولوا عبد الله ورسوله"، أي صفوني بذلك كما وصفني به ربى وقولوا عبد الله ورسوله، وقد وصف الله نبيه ﷺ بذلك في أشرف المقامات فقال في ذكر الإسراء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ وقال: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ وقال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ وبذلك استحق التقديم على الناس في الدنيا والآخرة ولذلك يقول عيسى بن مريم ﵊ يوم القيامة إذا طلبوا منه الشفاعة بعد غيره من الأنبياء: اذهبوا إلى محمد عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فحصلت له تلك المرتبة بتكميل عبوديته
[ ١٨٦ ]
لله تعالى، فاله شارح الحاوية.
٣- قوله: "كما أطرت النصارى ابن مريم"، قد بين الله تعالى في كتابه العزيز ما كان عليه النصارى من الغلو وحذرهم من ذلك ومن ذلك قوله تعالى في سورة النساء: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ .
٤- قوله: فقولوا عبد الله ورسوله، جمع ﷺ بين وصفه بكونه عبد الله ووصفه بكونه رسوله دفعا للإفراط والتفريط، دفعا للإفراط والإطراء والغلو لأنه عبد الله تعالى، ودفعا للتقصير والتفريط بترك متابعته وعدم الأخذ بسنته والسير على نهجه الذي أرسله الله به، ورحم الله شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب إذ يقول: عبد لا يُعبد ورسول لا يكذب بل يطاع ويتبع، وهذا هو مقتضى شهادة أن محمدا رسول الله، فان معناها كما قال ﵀: طاعته فيما أمر وتصديقه فيما أخبر واجتناب ما عنه نهي وزجر وأن لا يعبد الله إلا بما شارع.
٥- لما كان أهل الكتاب بالنسبة لعيسى ﵊ طرفي نقيض النصارى في جانب الإفراط حيث غلوا فيه ورفعوه إلى المنزلة التي لا يستحقها والتي لا تليق إلا بالله وحده لا شريك له، وفي جانب التفريط أيضا حيث حرفوا وبدلوا وخالفوا الشريعة التي جاء بها عيسى ﷺ، وفي جانب التفريط أيضا اليهود الذين يقتلون الأنبياء ويتنقصون عيسى ﷺ ويصفونه وأمه بما هم برءاء منه لما كان أهل الكتاب في الطرفين المتناقضين، حذرنا الله من سلوك سبيلهم وأمرنا في كل ركعة من ركعات الصلاة أن نسأله الهداية للصراط المستقيم صراط المنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين غير الطريق التي سلكها أعداؤه من المغضوب عليهم والضالين. وقد جمع ﷺ بينه وبين عيسى ﷺ في وصف كل منهما بأنه عبد الله
[ ١٨٧ ]
ورسوله حيث قال ﷺ في الحديث المتفق على صحته: " من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه والجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل" وسر الجمع بينهما عليهما الصلاة والسلام ووصفهما بكونهما عبدي الله ورسوليه بيان أن عقيدة الإسلام في حق عيسى ﵊ أنه عبد الله ورسوله فلا يغلى فيه غلو النصارى من جانب ولا يقصر في حقه كما قصرت النصارى من جانب آخر وكما جفت اليهود لعنة الله عليهم، وبيان أن الواجب في حق محمد ﷺ وصفه بذلك وعدم الإفراط والتفريط، وان وصفه بأنه عبد الله يقتضى اعتقاد أنه لا يستحق أن يصرف له شيء مما لا يستحقه إلا الله تعالى، ووصفه بأنه رسول الله يقتضى تصديقه في جميع ما يخبربه من أخبار في الماضي وفي المستقبل وفي ما هو موجود غير مشاهد لنا، ويقتضى طاعته بامتثال أمره واجتناب نهيه، وتقديم محبته ﷺ على النفس والوالد والولد والناس أجمعين، وأن لا يعبد الله إلا على وفق ما جاء عنه صلوات الله وسلامه عليه، هذه عقيدة المسلمين في عيسى ﵊ وفي محمد ﷺ وسط بين طرفي الإفراط والتفريط. ولقد أحسن الشاعر إذ يقول:
ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد كلا طرفي قصد الأمور ذميم
٦- قوله: "لا تطروني" الخ، هذا منه ﷺ سد للذرائع التي تؤدى إلى الشرك بالله فالرسول ﷺ ما من خير إلا دل الأمة عليه وما من شر إلا حذرها منه، وكل ما كان الشيء أخطر كانت العناية به أعظم، فالشرك لما كان أعظم الذنوب وأظلم الظلم على الإطلاق، وهو الذنب الذي لا يغفره الله والذي حرم الله على صاحبه الجنة ومأواه النار، لما كان بهذه الخطورة حذر منه ﷺ غاية التحذير ومنع من أي وسيلة تؤدى إليه كما منع من إطرائه في هذا الحديث لئلا يفضى ذلك إلى أعظم محذور، وكما لعن ﷺ اليهود والنصارى في اتخاذهم قبور
[ ١٨٨ ]
أنبيائهم مساجد وهو في شدة المرض الذي مات فيه، كل ذلك حماية منه ﷺ لجناب التوحيد وسد للطرق التي تنتهي إلى الشرك، فصلوات الله وسلامه الأتمان الأكملان على البشير النذير والسراج المنير الذي أرشد الناس إلى كل خير وحذرهم من كل شر.
٧- مدح الرسول ﷺ منه ما هو محمود ومنه ما هو مذموم. فالمحمود هو أن يوصف بكل كمال يليق بالإنسان، فهو ﷺ أعلم الناس وأنصحهم وأخشاهم لله وأتقاهم وأفصحهم لسانا وأقواهم بيانا وأرجحهم عقلا وأكثرهم أدبا وأوفرهم حلما وأكملهم قوة وشجاعة وشفقة وأكرمهم نفسا وأعلاهم منزلة، وكل وصف هو كمال في حق الإنسان فلسيد ولد ادم صلوات الله وسلامه عليه منه القسط الأكبر والحظ الأوفر، وكل وصف يعتبر نقصا في الإنسان فهو أسلم الناس منه وأبعدهم عنه، فلقد اتصف بكل خلق كريم، وسلم من أدنى أي وصف ذميم، وحسبه شرفا قول الله تعالى فيه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، قد والله بلغ البلاغ المبين، وأدى الأمانة على أكمل وجه، ونصح للأمة غاية النصح، ببيان ليس وراءه بيان، ونصح يفوق نصح أي إنسان، فكل ثناء على سيد الأولين والآخرين ﷺ من هذا القبيل فهو حق مع الحذر من تجاوز الحد والخروج عن الحق، وما أحلى وأجمل وصفه ﷺ بكونه عبد الله ورسوله تحقيقا لرغبته ﵊ وامتثالا لأمره في قوله في هذا الحديث (وقولوا عبد الله ورسوله) .
والمدح المذموم هو الذي يتجاوز فيه الحد ويقع به المادح في المحذور الذي لا يرضاه الله ولا رسوله يكن وذلك أن يوصف ﷺ بما لا يجوز أن يوصف به إلا الله ﵎ أو أن يصرف له ﷺ ما لا يستحقه إلا الباري جل وعلا. ومن ذلك بعض الأبيات التي قالها البوصيري في البردة مثل قوله:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم
فهذا المعنى الذي اشتمل عليه هذا البيت لا يجوز أن يصرف لغير الله ﷿، ولا يستحقه إلا هو وحده لا شريك له، فهو الذي يعاذ به ويلاذ به
[ ١٨٩ ]
ويلتجأ إليه ويعتصم بحبله ويعول عليه وهو الذي قال ﷺ مبينا تفضله وامتنانه على عباده وانه ما بهم من نعمة فمنه تفضلا وامتنانا "لن يدخل أحدكم بعمله الجنة، قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل"، وهو الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء كما قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ أي لا أحد سواه يكون كذلك لا ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا فضلا عمن سواهما. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاّ إِيَّاهُ﴾ وقال: ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ والحاصل أن المدح الذي اشتمل عليه هذا البيت مدح بالباطل الذي حذر منه الرسول كل، ويكون حقا لو قال مناديا ربه:
يا خالق الخلق ما لي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم
ومثل قوله أيضا يخاطب النبي ﷺ:
فان من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم
وهذا لا يليق إلا بمن بيده ملكوت كل شيء ﷾ فهو القائل عن نفسه ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾، والقائل عنه نبيه ﷺ " واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك" الحديث، فهو وحده الذي من جوده الدنيا والآخرة، وهو وحده الذي من علمه علم اللوح والقلم. أما رسول الله ﷺ فهولا يملك إلا ما أعطاه الله ولا يعلم من الغيب إلا ما أطلعه عليه، وقد أمره الله أن يقول ﴿لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾، الآية.
وقال له ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا﴾، وثبت في الصحيحين أنه عن لما نزل عليه قوله تعالى ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾، قال: "يا معشر
[ ١٩٠ ]
قريش أو كلمة نحوها اشتروا أنفسكم لا أغنى عنكم من الله شيئا، يا بنى عبد مناف لا أغنى عنكم من الله شيئا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغنى عنك من الله شيئا، ويا صفية عمة رسول الله لا أغنى عنك من الله شيئا، ويا فاطمة بنت محمد ﷺ سليني ما شئت من مالي لا أغنى عنك من الله شيئا". وروى البخاري في صحيحه عن أبى هريرة ﵁ قال: قام فينا رسول الله ﷺ فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره قال: " لا ألفين أحدكم يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة يقول: يا رسول الله أغثني فأقول: لا أملك لك شيئا قد أبلغتك"، الحديث.
٨- من فقه الحديث، وما يستنبط منه:
١- نشر سنة رسول الله ﷺ وإعلانها على المنابر.
٢- كمال نصح الرسول ﷺ لأمته وبلاغه البلاغ المبين.
٣- سد الذرائع التي تؤدى إلى الشرك.
٤- بيان ما وقع فيه النصارى من الغلو في عيسى ﵊.
٥- تحذير هذه الأمة أن تقع فيما وقعت فيه النصارى.
٦- الجمع بين الأمر والنهى، وأن على المفتى إذا أرشد إلى المنع من محذور أن يدل على مأمور به هو خير.
٧- وصفه ﷺ بأنه عبد الله ورسوله امتثالا لأمره.
٨- الإشارة في الجمع بين وصفه بكونه عبد الله ووصفه بكونه رسوله إلى دفع الإفراط والتفريط.
٩- بيان أنه ﷺ لا يخرج عن أن يكون عبدًا لله تعالى حيث قال: إنما أنا عبده.
[ ١٩١ ]