١- قوله: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه" الخ، قال الحافظ
[ ١٦٤ ]
ابن حجر أي إيمانا كاملا، قال الشيخ عبد الرؤف المناوي في فيض القدير: أي إيمانا كاملا، وقال في قوله: حتى أكون أحب إليه. غاية لنفي كمال الإيمان، ومن كمل إيمانه علم أن حقيقة الإيمان لا تتم إلا بترجيح حبه على حب كل من ولده ووالده والناس أجمعين.
وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن في فتح المجيد: لا يؤمن أحدكم: أي الإيمان الواجب والمراد كماله، حتى يكون الرسول ﷺ أحب إلى العبد من ولده ووالده والناس أجمعين. بل ولا يحصل هذا الكمال إلا بأن يكون الرسول ﷺ أحب إليه من نفسه كما في الحديث أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: يا رسول الله لأنت أحب إلى من كل شيء إلا من نفسي، فقال: "والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك فقال له عمر: فانك الآن أحب إلي من نفسي فقال: الآن يا عمر"، رواه البخاري، فمن قال: إن المنفي هو الكمال فان أراد الكمال الواجب الذي يذم تاركه ويتعرض للعقوبة فقد صدق، وإن أراد أن المنفي الكمال المستحب فهذا لم يقع قط في كلام الله ورسوله ﷺ، قاله شيخ الإسلام ﵀، فمن ادعى محبة النبي ﷺ بدون متابعته وتقديم قوله على قول غيره فقد كذب كما قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ " فنفي الإيمان عمن تولى عن طاعة الرسول ﷺ، لكن كل مسلم يكون محبا بقدر ما معه من الإسلام، وكل مسلم لابد أن يكون مؤمنا وإن لم يكن مؤمنا الإيمان المطلق لآن ذلك لا يحصل إلا لخواص المؤمنين.
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله بن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في كتابه تيسير العزيز الحميد: لا يؤمن أحدكم أي لا يحصل له الإيمان الذي تبرأ به ذمته ويستحق به دخول الجنة بلا عذاب حتى يكون الرسول ﷺ أحب إليه من أهله وولده ووالده والناس أجمعين، بل لا يحصل له ذلك حتى يكون الرسول ﷺ أحب إليه من نفسه أيضا كما في حديث عمر بن الخطاب ﵁ فساقه، وقال: فمن لم يكن كذلك فهو من أصحاب الكبائر إذا لم يكن
[ ١٦٥ ]
كافرا، فانه لا يعهد في لسان الشرع نفي اسم مسمى أمر الله به ورسوله إلا إذا ترك بعض واجباته، فأما إذا كان الفعل مستحبا في العبادة لم ينفها لانتفاء المستحب.. وقال أيضا: وأكثر الناس يدعى أن الرسول عامله أحب إليه مما ذكر فلابد من تصديق ذلك بالعمل والمتابعة له وإلاّ فالمدعى كاذب، فان القرآن بين أن المحبة التي في القلب تستلزم العمل الظاهر بحسبها كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ .
٢- قوله: حتى أكون أحب إليه من والده وولده، ورد في بعض الروايات عند مسلم وغيره (من أهله وماله) بدل (من والده وولده) قال الحافظ ابن حجر: وذكر الولد والوالد أدخل في المعنى لانهما أعز على العاقل من الأهل والمال بل ربما يكونان أعز من نفسه.
٣- قوله: من والده، لفظ الوالد يشمل الوالدة إن أريد به من له الولد، أو يقال اكتفي بذكر أحدهما كما يكتفي عن أحد الضدين بالآخر قاله الحافظ ابن حجر في الفتح.
٤- قوله: والناس أجمعين، من العام المراد به الخصوص، وذكره بعد الوالد والولد من عطف العام على الخاص، وهل يشمل النفس؟ قال الحافظ في الفتح: الظاهر دخولًا انتهى. وتقدم حديث عمر الذي هو نص في نفس الإنسان، ويدل على ذلك أيضا قوله ﷺ: "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما" فان النفس مما سواهما.
٥- قوله: من والده وولده، قدم الوالد على الولد في رواية أنس هذه ورواية أبى هريرة عند البخاري، والسر في ذلك تقدمه في الزمان والإجلال، أو للأكثرية لأن كل أحد له والد من غير عكس، وقدم الولد على الوالد في رواية النسائي لمزيد الشفقة.
٦- وهل الحكم الذي اشتمل عليه هذا الحديث يكون لسائر الأنبياء والمرسلين أيضا؟ قال الحافظ في الفتح: محبة جميع الرسل من الإيمان، لكن
[ ١٦٦ ]
الأحبية مختصة بسيدنا رسول الله ﷺ.
٧- قال الحافظ في الفتح: ومن علامة الحب المذكور أن يعرض على المرء أن لو خير بين فقد غرض من أغراضه أو فقد رؤية النبي ﷺ أن لو كانت ممكنة، فان كان فقدها أن لو كانت ممكنة أشد عليه من فقد شيء من أغراضه فقد اتصف بالأحبية المذكورة ومن لا فلا، وليس ذلك محصورا في الوجود والفقد بل يأتي مثله في نصر سنته والذبّ عن شريعته وقمع مخالفيها. ويدخل فيه باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ونقل عن النووي أنه قال: فيه تلميح إلى قضية النفس الأمارة والمطمئنة، فان من رجح جانب المطمئنة كان حبه للنبي ﷺ راجحا، ومن رجح جانب الأمارة كان حكمه بالعكس انتهى. ومعنى ذلك أن لو تعارض عند الإنسان فعل شيء يحبه الله ورسوله قد أمر النبي ﷺ بفعله، ونفسه الأمارة بالسوء لا ترتاح إلى فعله، فان قدم فعل ما شرعه رسول الله ﷺ على ما تهواه نفسه حصل له الاتصاف بالأحبية المذكورة في الحديث، وإن قدم ما تهواه نفسه كان بالعكس.. وقال الكرمإني: ومحبة الرسول ﷺ إرادة طاعته وترك مخالفته وهو من واجبات الإسلام.. وقال ابن القيم في النونية:
فهو المطاع وأمره العالى على أمر الورى وأمر ذى السلطان
وهو المقدم في محبتنا على الـ أهلين والأزواج والولدان
وعلى العباد جميعهم حتى على الـ ـنفس التي قد ضمها الجنبان
٨- السر في الأحبية الثابتة في الحديث كونه ﷺ سبب هداية الناس الذين بعثه الله إليهم إذ أخرجهم الله به من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، فلما كان سبب المحبة بين المحب والمحبوب ما يحصل من النفع للمحب كانت محبة الرسول ﷺ مقدمة على محبة أعز الناس إلى الإنسان؟ لأن النفع الذي حصل للمسلم بسبب الرسول لكن هو بقاء نفسه البقاء الأبدي في النعيم السرمدي، ولهذا كان للنبي ﷺ أجر عمله ومثل أجور من آمن به من حين بعثه الله إلى
[ ١٦٧ ]
قيام الساعة لأنه ﷺ هو الذي دل الناس على الخير ومن دل على هدى كان له من الأجر مثل أجور من فعله كما ثبت ذلك عن رسول الله ﷺ.
٩- من فقه الحديث، وما يستنبط منه:
١- وجوب تقديم محبة الرسول ﷺ على أعز الناس إلى الإنسان.
٢- أن محبة الرسول ﷺ واجبة وهي تابعة لمحبة الله لازمة لها.
٣- أن الأعمال من الإيمان لأن المحبة عمل القلب.
٤- أنه قد ينفي الإيمان عن شخص ولا يخرج بذلك عن الإسلام.
٥- أنه إذا كان هذا شأن محبة الرسول ﷺ فما الظن بمحبة الله؟
٦- الإشارة إلى ما يجب للوالد من التوقير والإجلال وما يجب للولد من الشفقة.
٧- البدء بالأهم فالمهم.
٨- الإشارة إلى أهمية التفكر لأن الأحبية المذكورة تعرف به وذلك أن محبوب الإنسان إما نفسه وإما غيرها، أما نفسه فهو أن يريد بقاءها سالمة من الآفات، هذا حقيقة المطلوب، وأما غيرها فإذا حقق الأمر فيه فإنما هو بسبب تحصيل نفع ما على وجوهه المختلفة حالا ومآلا فإذا تأمل النفع الحاصل له من جهة الرسول ﷺ الذي أخرجه الله به من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان إما بالمباشرة وإما بالسبب علم أنه سبب بقاء نفسه البقاء الأبدي في النعيم السرمدي وعلم أن نفعه بذلك أعظم من جميع وجوه الإنتفاعات فاستحق لذلك أن يكون حظه من محبته أوفر من غيره لأن النفع الذي يثير المحبة حاصل منه أكثر من غيره ولكن الناس يتفاوتون في ذلك بحسب استحضار ذلك والغفلة عنه ولاشك أن حظ الصحابة ﵃ من هذا المعنى أتم لأن هذا ثمرة المعرفة وهم بها أعلم والله الموفق قاله الحافظ ابن حجر ﵀ في مؤلفه العظيم فتح الباري..
[ ١٦٨ ]