١- معنى أجود الناس: أكثر الناس جودا فرسول الله ﷺ أجود الناس بكل ما تحتمله هذه الكلمة من معنى، جاد بنفسه في سبيل الله فكسرت رباعيته وشج وجهه، وجاد بجاهه، وجاد بما أعطاه الله من المال، وجاد بالدلالة والإرشاد إلى كل ما ينفع العباد في الحال والمآل وتحذيرهم من كل ضار نص الحاضر والمستقبل.
٢- قوله: وكان أجود ما يكون في رمضان: أجود بالرفع في أكثر الروايات وفي بعضها بالنصب، فالرفع على أن أجود اسم كان والخبر محذوف أو هو مبتدأ خبره في رمضان والجملة خبر كان واسمها ضمير، وأما النصب فعلى أنه خبر كان واسمها ضمير والتقدير: كان رسول الله ﷺ مدة كونه في رمضان أجود منه في غديره.
٣- قوله: كان رسول الله ﷺ أجود الناس: في هذه الجملة احتراس بليغ لئلا يتخيل من قوله: وكان أجود ما يكون في رمضان، أن الأجودية خاصة منه برمضان فأثبت له الأجودية المطلقة أولا، ثم عطف عليها زيادة ذلك في رمضان.
٤- الحكمة في زيادة جوده ﷺ في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن: أن مدارسة القرآن تجدد له العهد بمزيد غنى النفس، والقرآن خلقه ﷺ كما قالت عائشة ﵂ يأتمر بأوامره وينتهي عن نواهيه، وأيضًا فرمضان موسم الخيرات وزيادة الجود والكرم وقد وصفه الله بأنه الذي أنزل فيه القرآن، فبمجموع ما ذكر من الوقت الفاضل وهو رمضان والمنزول به وهو القرآن والنازل به وهو جبريل ومدارسته معه حصل المزيد في الجود والله أعلم.
٥- قوله: فلرسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة، هذه هي نتيجة مدارسة القرآن والمراد بالريح المرسلة ريح الرحمة التي يرسلها الله لإنزال الغيث العام كما قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ
[ ٥٦ ]
وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابا﴾ الآية.
٦- وصفت الريح المفضل عليها جوده الخير بالمرسلة لأمرين: الأول إشارة إلى عموم النفع بجوده ﷺ كما تعم الريح المرسلة بل هو أعم وأشمل منها، والثاني احتراسا من الريح العقيم الضارة.
٧- قدم معمول أجود وهو بالخير لنكتة لطيفة وهي أنه لو أخره لظن تعلقه بالمرسلة أي المرسلة بالخير وهو وإن كان لا يتغير به المعنى المراد من الوصف بالأجودية إلا أنه يفوت فيه التنصيص على مناط أجوديته ﷺ التي سيق الكلام لإثباتها والتنويه بشأنها.
٨- قوله: فيدارسه القرآن، لفظ المدارسة يفيد حصولها من الجانبين وحديث ابن عباس عند البخاري في كتاب فضائل القرآن يفيد حصولها من جانب النبي ﷺ وذلك في قوله فيه- يعرض عليه رسول الله ﷺ القرآن، ويدل لحصولها من جانب جبريل حديث أبى هريرة ﵁ الذي أورده البخاري في كتاب فضائل القرآن عقب حديث ابن عباس حيث قال ﵁: كان يعرض على النبي ﷺ القرآن كل عام مرة، فعرض عليه مرتين في العام الذي قبض فيه، وكان يعتكف في كل عام عشرا فاعتكف عشرين في العام الذي قبض فيه.
٩- هذا الحديث أورده البخاري في بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ وقد
قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري في وجه المناسبة: وفيه إشارة إلى أن ابتداء نزول القرآن كان في شهر رمضان لأن نزوله إلى السماء جملة واحدة كان في رمضان كما ثبت من حديث ابن عباس فكان جبريل يتعاهده في كل سنة فيعارضه بما نزل عليه من رمضان إلى رمضان فليا كان العام الذي توفي فيه عارضه به مرتين كما ثبت في الصحيح عن فاطمة ﵂ وبهذا يجاب من سأل عن مناسبة إيراد هذا الحديث في هذا الباب والله أعلم بالصواب.
[ ٥٧ ]
١٠- من فقه الحديث وما يستنبط منه:
١- امتنان الله على نبيه ﷺ بجعله أجود الناس.
٢- الترغيب في الجود في كل وقت.
٣- الحث على الزيادة في الجود في شهر رمضان.
٤- استحباب الإكثار من قراءة القرآن في رمضان والإشارة إلى أنها أفضل من سائر الأذكار إذ لو كان الذكر أفضل أو مساويا لفعله جبريل ومحمد عليهما الصلاة والسلام.
٥- استحباب زيارة الصلحاء وأهل الخير.
٦- تكرار الزيارة إذا كان المزور لا يكره ذلك.
٧- جواز أن يقال رمضان بدون ذكر شهر.
٨- استعمال التشبيه وضرب الأمثلة في إيضاح ما يراد بيانه.
٩- حصول قراءة القرآن من جبريل ﵇ في غير الوقت الذي نزل به على محمد ﷺ.
١٠- أن القرآن يطلق على بعضه وعلى معظمه لأن أول رمضان من بعد البعثة لم يكن نزل من القرآن إلا بعضه، ثم كذلك كل رمضان بعده إلى رمضان الأخير فكان قد نزل كله إلا ما تأخر نزوله بعد رمضان المذكور.
١١- تدارس القرآن بين القراء وهو من التعاون على البر والتقوى.
١٢- أن مداومة قراءة القرآن سبب في الزيادة في الخير وهو من ثواب الحسنة بحسنة بعدها.
١٣- مذاكرة الفاضل بالخير والعلم وإن كان لا يخفي عليه ذلك لزيادة التذكرة والاتعاظ.
١٤- أن تحصيل العبد لفضل الزمان إنما هو بزيادة العبادة فيه.
[ ٥٨ ]
١٥- أن الثمرة العظمى لقراءة القرآن أن يظهر أثرها على القاريء في أخلاقه وأعماله كما جاء في هذا الحديث من زيادة النبي ﷺ في الخير عند مدارسة القرآن مع جبريل، وكما جاء عن عائشة ﵂ أن خلقه ﷺ القرآن، تعنى أنه يأتمر بأوامره وينتهي عن نواهيه وكما جاء عنه ﷺ التحذير من خلاف ذلك بقوله في الحديث الصحيح: "والقرآن خجة لك أو عليك ".
١٦- تعظيم شهر رمضان لوصف الله له بإنزال القرآن فيه ثم معارضته ﷺ مع جبريل ما نزل منه فيه ويلزم من ذلك كثرة نزول جبريل فيه وفي كثرة نزوله الخير الكثير.
١٧- الإيمان بنزول جبريل من السماء وصعوده ومدارسته القرآن مع محمد ﷺ وهو من الإيمان بالملائكة الذي هو أحد أركان الإيمان الستة التي بينها النبي ﷺ في حديث جبريل المشهور.
[ ٥٩ ]