قال الضياء: كان الحافظ عبد الغني سخيًا، جوادًا، كريمًا، لا يدخر دينارًا ولا درهمًا، ومهما حصل له أخرجه.
ولقد سمعت عنه أنه كان يخرج في بعض الليالي بقفاف الدقيق إلى بيوت المحتاجين، فيدق عليهم، فإذا علم أنهم يفتحون الباب ترك ما معه ومضى؛ لئلا يعرفه أحد.
وقد كان يفتح له بشيء من الثياب والبرد، فيعطي الناس، وربما كان عليه ثوب مرقع، وقد أوفى غير مرة سرًا ما يكون علي بعض أصحابه من الدَّين، ولا يعلمهم بالوفاء.
وقال الشيخ الموفق عنه: كان جوادًا؛ يؤثر بما تصل إليه يده سرًا وعلانية. وقال بدر بن محمد الجزري: ما رأيت أحدًا أكرم من الحافظ؛ كنت أستدين - يعني: لأطعم به الفقراء - فبقي لرجل عندي ثمانية وتسعون درهمًا، فلما تهيأ الوفاء أتيت الرجل، فقلت: كم لك؟ قال: مالي عندك شيء. قلت: من أوفاه؟ قال: قد أوفى عنك، فكان وفاه الحافظ وأمره أن يكتم عليه.
وذكر غير واحد أنه وقع بمصر غلاء وهو بها، فكان يؤثر بعشائه عدة ليالي، ويطوي.
وبعث له الأفضل ابن صلاح الدين بنفقة وقمح كثير، ففرقه كله.
وقال الضياء: رأيت يومًا قد أهدي إلى بيتِ الحافظ مشمش، فكانوا يفرقون، فقال من حينه: فَرَّقوا ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾
[ ٢٨ ]
وقد فتح له بمصر بأشياء كثيرة من الذهب وغيره فما كان يترك شيئًا، حتى قال لي ابنه أبو الفتح: والدي يعطي الناس الكثير، ونحن لا يبعث إلينا شيئًا!
وقال عبد الجليل الجيلاني: كنت في مسجد الوزير، فبقيت ثلاثة أيام مالنا شيء، فلما كان العصر يوم الجمعة سلمت على الحافظ، ومشيت معه إلى خارج باب الجامع، فناولني نفقة، فإذا هي نحو خمسين درهمًا.
وقال الضياء: سمعت عبد الرحمن بن محمد القدسي يحدث عن رجل - وأثنى عليه خيرًا- قال: كنت مرة قد تخرقت ثيابي، فجئت يومًا بدمشق للحافظ، فقلت: يا سيدي! لك حاجة أحملها إلى الجبل؟ قال: نعم. خذ معك هذا الثوب، فحملته إلى الجبل، فلما صعدت، جئت بالثوب إليه، فقال: اقعد فَصِّلْ لك ثوبين وسراويل، ففصَّلت ثوبين وسراويل، وفضلت فضلة فأخذها.