قال الضياء: كان لا يرى منكرًا إلا غيره بيده، أو بلسانه، وكان لا تأخذه في الله لومة لائم، قد رأيته مرة يهريق خمرًا، فجبذ صاحبه السيف، فلم يخف منه، وأخذه من يده، وكان قويًا في بدنه، وفي أمر الله، وكثيرًا ما كان بدمشق ينكر المنكر، ويكسر الطنابير والشبابات.
[ ٤٢ ]
قال خالي الوفق: كان الحافظ لا يصبر عن إنكار النكر إذا رآه، وكنا مرة أنكرنا على قوم، وأرقنا خمرهم، وتضاربنا، فسمع خالي؛ أبو عمر، فضاق صدره، وخاصمنا! فلما جئنا إلى الحافظ طيب قلوبنا، وصوَّب فعلنا، وتلا: ﴿وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ. .﴾ [لقمان: ١٧].
وسمعت أبا بكر بن أحمد الطحان قال: "كان بعض أولاد صلاح الدين قد عُملت لهم طنابير، وحُملت إليهم، وكانوا في بعض البساتين يشربون، فكسرها. قال: فحدثني الحافظ، قال: فلما كنت أنا وعبد الهادي عند حمام كافور إذا قوم كثير معهم عصي، فخففت المشي، وجعلت أقول: حسبي الله ونعم الوكيل، فلما صرت على الجسر لحقوا صاحبي، فقال: أنا ما كسرت لكم شيئًا، هذا هو الذي كسر! قال: فإذا فارس يركض، فترجل، وقبل يدي، وقال: الصبيان ما عرفوك.
وكان قد وضع الله له هيبة في النفوس".
وقال الضياء: "سمعت بعض أصحابنا يحكي عن الأمير درباس المهراني؛ أنه دخل مع الحافظ إلى الملك العادل، فلما قضى الملك كلامه مع الحافظ، جعل يتكلم مع بعض الحاضرين في أمر ماردين وحصارها وكان حاصرها قبل ذلك، فسمع الحافظ كلامه.
فقال: أيش هذا؟! وأنت بعدُ تريد قتال السلمين، ما تشكر الله فيما أعطاك، أما أما؟! قال: فما أعاد ولا أبدى!
ثم قام الحافظ وقمت معه، فقلت: أيش هذا؟ نحن كنا نخاف عليك من هذا الرجل، ثم تعمل هذا العمل؟!
قال: أنا إذا رأيت شيئًا لا أقدر أصبر.
[ ٤٣ ]
وسمعت أبا بكر بن الطحان قال: "كان في دولة الأفضل جعلوا الملاهي عند درج جيرون (١)، فجاء الحافظ فكسر شيئًا كثيرًا، ثم صعد المنبر يقرأ الحديث، فجاء رسول القاضي يأمره بالمشي إليه؛ ليناظره في الدف والشبابة، فقال: ذاك عندي حرام، ولا أمشي إليه، إن كان له حاجة فيجيء هو، ثم قرأ الحديث، فعاد الرسول، فقال: قد قال: لا بد من المشي إليه، أنت قد بطلت هذه الأشياء على السلطان، فقال الحافظ: ضرب الله رقبته ورقبة السلطان، فمضى الرسول وخفنا أن تجري فتنة، فما جاء أحد بعد ذلك".
فكان -بحقٍّ- أمَّارًا بالمعروف نهّاءًا عن المنكر. ﵀.