بسم الله الرحمن الرحيم
أحمد من أَرسل بالبينات أحمد، فرفع أعلام الشريعة وأيّد، وأشهد أن لا إله إلا الله الواحد الأحد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، وأن محمدًا عبده ورسوله المبعوث إلى كافة العالمين، المؤيَّد بالمعجزات والبراهين صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه المبلغين لشرائعه وأحكامه، الذين اتصلت بهم أسانيد الأحكام، وعليهم أُسِّست قواعد الإسلام، حتى انشرحت صدورنا بشموس الأدلة المصونة عن الأقوال، وأنارت قلوبنا فسلكت منهج الإنصاف في تطبيق الفروع على الأصول.
وبعد: فيقول الفقير إلى مولاه، الغني به عمن سواه حسن بن أحمد الرُّباعي، عَمَرَ الله قلبه بتقواه، وجعل الجنة مصيره ومأواه.
هذا مختصر جامع لما تفرق في الدفاتر والأسفار، من أحاديث الأحكام المسندة عن نبينا المختار، لم يصنع مثله من سبق من المؤلفين، ولا نسج على منواله أحد من متقدمي المصنفين، جمعتُ فيه أدلة الأحكام، وعكفت على تحريره وتهذيبه مدة من الشهور والأعوام، رجاء أن أكون ممن شمله قول الشارع: «ألا ليبلغ الشاهد الغائب، فرب مبلغ أوعى من
[ ١ / ٣ ]
سامع» (١)، وقوله: «نضر الله امرءًا سمع منّا حديثًا فيبلغه غيره، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، وربّ حامل فقه ليس بفقيه» (٢)، وأن أكون ممن شمله حديث أبي هريرة مرفوعًا عند مسلم: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» (٣) وأن أكون ممن فاز بنيل نصيب من ميراث خاتم النبيين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الطاهرين:
العلم ميراث النبيّ كذا أتى في النص والعلماء هم وراثه
ما خلف المختار غير حديثه فينا فذاك متاعه وأثاثه
فلنا الحديث وراثةً نبويةً ولكل محدث بدعة أحداثه (٤)
وكنت قد سمعت من مشايخي (٥) الأعلام طرفًا من السنة صالحًا، وأشرفت في الفروع على أشياء بَعُدت منها بعدًا واضحًا، ورأيت ما وقع من الخلاف
_________________
(١) سيأتي برقم (١٩٩٣) من حديث أبي بكرة.
(٢) قوله: «فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه» أخرجه ابن حبان في "صحيحه" من حديث زيد بن ثابت وأوله سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «نضَّر الله امرءًا سمع منا حديثًا، فبلغه غيره، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه»، وروى إلى قوله: «وليس بفقيه» أبو داود والترمذي وحسنه، و«نضَّر» بتشديد الضاد المعجمة وتخفيفها معناها: الدعاء بالنضارة، وهي النعمة والبهجة والحسن، فيكون تقديره جمّله الله وزينّه، وقيل غير ذلك، وعن ابن مسعود قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «نضّر الله امرءًا سمع منّا شيئًا، فبلغه كما سمعه، فربَّ مُبلَّغٍ أوعى من سامع» رواه أبو داود والترمذي وحسنه وابن حبان، وسيأتي في كتاب الحج إن شاء الله. تمت. مؤلف.
(٣) سيأتي برقم (٣٩٧٦) .
(٤) الثلاثة الأبيات للسيد الحافظ محمد بن إبراهيم الوزير، مؤلف "الروض الباسم".
(٥) من مشايخه القاضي شيخ الإسلام محمد بن علي الشوكاني مؤلف نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار.
[ ١ / ٤ ]
بين الأئمة الأعلام، وأخذ كل طائفةٍ بجانب من سنة خير الأنام، وقد أرشدنا الشارع أن نرجع إليه عند الاختلاف (١)،
وإلى رسوله - ﷺ - متجنبين سلوك طريق الاعتساف، قاصدين الاجتماع والاتفاق والائتلاف، فجمعت أحاديث الأحكام القاطعة للخلاف، وعمدت إلى أجمع كتاب للأحكام، وأنفع تأليف تداولته الأئمة الأعلام، وهو "المنتقى" فجعلته أصلًا لهذا الكتاب، ورتبته أحسن ترتيب، وهذبته أبلغ تهذيب، وحذفت منه أشياء تكررت، وأبدلت منه تراجم صدّرت، وقدمت ما يحتاج إلى التقديم، وأخرت ما تقدم ورُتبَتُه التأخير، وجعلت كل حديث حيث يستحق التصدير، وزدت عليه الجم الغفير من "جامع الأصول"، و"بلوغ المرام"، و"مجمع الزوائد"، و"الترغيب والترهيب" للحافظ المنذري، ومن "الجامع الصغير وذيله"، ومن "الجامع الكبير"، ومن "البدر المنير"، و"جامع المسانيد"، و"المستدرك" للحاكم، و"تلخيص الحافظ ابن حجر"، و"فتح الباري"، و"خلاصة البدر المنير"، وغير ذلك من الكتب، وراجعت تلك الأصول، ونسبت كل حديث إلى أصله المنقول، وأتبعت كل حديث ما عليه من الكلام من تصحيح وتحسين، أو تضعيف وتهوين، وعزوت كل شيء إلى قائله
_________________
(١) أشار إلى قوله تعالى: «فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا» [النساء:٥٩] قال في "الكشاف": فإن تنازعتم فإن اختلفتم أنتم وأولوا الأمر منكم في شيء من أمور الدين فردوه إلى الله ورسوله، أي: ارجعوا فيه إلى الكتاب والسُّنة، وقال في تفسير قوله تعالى: «ذَلِكَ» إشارة إلى الرد، أي: الرد إلى الكتاب والسنة خير لكم وأصلح وأحسن تأويلًا، وأحسن عاقبةً، وقيل: أحسن تأويلًا من تأويلكم أنتم. اهـ. تمت. مؤلف ﵀..
[ ١ / ٥ ]
حسبما وجدته في هذه المصنفات، وإن لم أجد كلامًا لأحد من الأئمة على الحديث نقلت من كتب الرجال ما قيل في راويهِ من التوثيق والتضعيف، وبالغت في العناية في البحث لِمَا يحتاج إليه وإن بعدت طريق الوصول إلا بعد أيام إليه.
(وسمّيته): "فتح الغفار الجامع لأحكام سنة نبينا المختار صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه الأخيار".
ومما دعاني إلى تأليفه، واقتحام المشاق إلى تصنيفه أمران:
أحدهما: أني لمّا رحلت عن هذه الديار (١)، وجُبْتُ الفيافي والقفار، وأقمت ببلاد لا يوجد فيها مختصرات المؤلفات فضلًا عن مطولات المصنفات، وكنت كثيرًا ما أحتاج في غالب الحالات إلى البحث عن حال شيء من الأحاديث، فلم أظفر بالمقصود، وكان استصحاب شيء من الكتب يحتاج إلى مشقة زائدة على المجهود، عزمت على صنع هذا المختصر الصغير الحجم، الكبير المقدار، أجعله نديمي في الحضر، ورفيقي في الأسفار، فياله من نديم تشتاق إليه نفوس العارفين، ورفيق لا يُملّ حديثه كل وقت وحين!
الأمر الثاني: ذهاب الكتب من هذه الديار، وتفرق أصول هذا الكتاب في الأنجاد والأمصار، فسارعت إلى جمعه، وكنت عند الشروع أرى نفسي حقيرة لمثل التصدي لهذا الخطب، ورأيت أن الترك لذلك أقرب، فرغبني
_________________
(١) يريد مدينة صنعاء، وشروع التأليف كان بها كما يأتي قريبًا.
[ ١ / ٦ ]
بعض مشايخي الأعلام (١)، وقال لي: هذه طريقة مدّخرة لدار السلام، ولا زال يحثني على تمام ما وقع به الشروع، فتمثلت بقول الشاعر:
وقد يجتدى فضل الغمام
ثم إنه ﵀ وأسكنه بحبوح الجنان، وجعله من كل مخافة في أمان حضني أن أتبع كل حديث بما يحتاج إلى تفسيره من الغريب، حتى لا يحتاج إلى شرح، وتكمل به فائدة الكتاب، فامتثلت أمره، وأتْبَعتُ كل باب ما يحتاج إليه نقلًا من شروح الحديث، و"غريب جامع الأصول"، و"مختصر نهاية ابن الأثير"، و"المُغْرِب" (٢)، و"صحاح الجوهري"، و"القاموس"، و"مجمع البحار" (٣) وغير ذلك.
ثم إني أتبعتُ هذا الكتاب كتابَ الجامع، اشتمل على عدة أبواب مهمة لا يُستغنى عنها، وقد أكرر الحديث الواحد في مواضع من هذا الكتاب لِمَا فيه من الأحكام المتعددة، واقتديت بأصل هذا الكتاب في جعل العلامة لِمَا رواه البخاري ومسلم أخرجاه، ولما رواه أحمد وأصحاب السنن رواه
_________________
(١) هو العلامة المجتهد: الحسن بن يحيى الكبسي. تمت. مؤلف.
(٢) "المغرب" للشيخ الإمام ابن الفتح ناصر بن السيد المطرري، كتاب جليل المقدار لا يعرف قدره إلا من ضرب في كافة العلوم بسهم قامر، وأخذ منها بنصيب وافر، وقد استدرك على جهابذة العلماء وجحاجحة الحكماء، والأئمة من فرسان البيان ينفكون عنه مثل السعد وغيره، وعلى الجملة فلا ينبغي أن تخلو عنه الخزائن النفيسة، ولمصنفه الإيضاح شرح المقامات. اهـ. مؤلف ﵀.
(٣) "مختصر النهاية" للسيوطي، و"مجمع البحار" للهندي
[ ١ / ٧ ]
الخمسة، ولهم جميعًا رواه الجماعة، ولأحمد والبخاري ومسلم متفق عليه، وما سوى ذلك أذكر من أخرجه باسمه.
والله أسأل أن يهدينا إلى الصواب، ويعصمنا عن الخطأ بفضله ومنّه فهو الكريم الوهاب، وأن ينفع به من أراد من خلقه، ويجعلنا من العاملين به.
وكان الشروع في تأليفه غرة شهر المحرم سنة اثنتين وثلاثين ومائتين وألف، بمدينة صنعاء المحمية بالله تعالى، ومنّ الله وله الحمد بالفراغ من تأليفه في ثاني عشر شهر رمضان سنة أربعين ومائتين وألف.
[ ١ / ٨ ]