تَقِييمُ الطَّبعَاتِ السَّابِقَةِ لِلكِتَابِ
صَدرَت لِلكتَابِ طَبعَتانِ:
إِحدَاهمَا: عَامَ ١٩٧٩ م في «مَعهدِ الدرَاسَاتِ الآسيَويَّةِ والإِفرِيقيَّةِ» في الجَامعَةِ العِبريَّةِ بالقُدسِ المحتلَّةِ، بتَحقِيقِ: إسحاقَ حسُّونَ. نَالَ بهَا درجةَ «الماجِستِير» مِنَ الجَامِعةِ المذكُورَةِ.
والثَّانيَةُ: عامَ ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م، عن دَارِ المَعارِفِ بالقَاهرَةِ، ضِمنَ سِلسِلةِ «ذَخائِرُ العَربِ»، كُتبَ عَليهَا: تَقدِيمُ وتَحقِيقُ (!!) وتَعلِيقُ الدُّكتُورِ مُحمَّد زِينهُم مُحمَّد عزَب.
أمَّا الطَّبعَةُ الأُولَى للكِتابِ، والَّتِي بتَحقِيقِ اليهُوديِّ إسحاقَ حسُّونَ.
فقَد كَتَبَ علَى لوحَةِ العُنوَانِ لطَبعتِهِ: «فَضَائِلُ بَيتِ المَقدِسِ. الخَطيبُ أَبِي بَكرٍ مُحمَّدِ بنِ أَحمَدَ بنِ محَمدٍ الوَاسِطيِّ». بَينَمَا وَردَ اسمُ الكِتابِ في الأَصلِ المَخطُوطِ هَكذَا: «كِتابُ فَضائِلِ البَيتِ المُقدَّسِ، تَصنِيفُ الخَطيبِ الإِمامِ أَبِي بَكرٍ مُحمدِ بنِ أَحمَدَ بنِ محَمدٍ الواسطيِّ - ﵁ -». يقُولُ هَذَا المُحقِّقُ اليهوديُّ في مقدِّمتِهِ (ص: ٥ - ٦): «أَمَّا المُصنِّفونَ المتأخِّرُونَ الذِينَ نَقلُوا عن الواسِطيِّ صَرَاحةً فَلَم يتَقيَّدُوا بهَذَا الاسمِ، بَل سمُّوا الكِتابَ بفضَائِلِ القُدسِ، أَو فضَائِلِ بَيتِ المَقدِسِ، وحَيثُ إِنَّ التَّركِيبَ «بَيتُ المَقدِسِ» أَكثَرُ شُيُوعًا مِن «البَيتِ المُقدَّسِ» فثَمَّةَ مجَالٌ لِلاعتِقَادِ بأَنَّ الاسمَ الذِي أطلَقهُ الواسطيُّ علَى كتَابِه هوَ كمَا وَردَ في المَخطُوطةِ - أَي: فضَائلُ البَيتِ المُقدسِ ـ،
[ ١١٣ ]
وأَنَّ مَا جَاءَ بَعدَهُ تَساهَلَ في إيرَادِهِ، كمَا هُو الحَالُ بالنِّسبَةِ لأَسمَاءِ العَديدِ مِنَ المؤلَّفَاتِ» ا. هـ. فلَيتَهُ التزَمَ بمَا قالَهُ حتَّى لَا يقَعَ في هذَا التسَاهُلِ الذِي رَمَى بِهِ غيرَهُ. ومعلُومٌ أنَّ عُنوَانَ الكِتابِ مِنَ الأُمورِ الّتِي لَا يجُوزُ العَبثُ بِهَا بِالتَّغيِيرِ أَو الحَذفِ؛ لأَنَّهُ يعَبِّر عن ثقَافةِ المؤَلِّفِ.
ويُكرِّرُ المحقِّقُ في مقدِّمتِهِ أنَّ كِتابَ الواسطِيِّ هذَا هُوَ: «أوَّلُ مؤلَّفٍ خُصِّصَ بأكمَلِهِ لفضائِلِ بَيتِ المَقدِسِ»، وقَد ذكَرنَا قَبلُ أَنَّ الوَليدَ بنَ حمَّادٍ الرَّملِيَّ، لَهُ كِتابٌ في فَضائِلِ بَيتِ المَقدِسِ، وَقَد تُوفِّيَ قبلَ الثَّلاثِ مِئةِ، كمَا قَالَ الذَّهبيُّ.
ذَكَرَ في مُقدِّمتِهِ تحتَ عُنوانِ «عَرضٌ لمَضمُونِ الكِتابِ»، فقَالَ (ص: ٨ - ٩): «٢ - أَحادِيثُ ذاتُ علَاقةٍ بِبيتِ المَقدسِ وارِدةٌ في الكُتبِ السِّتةِ الصَّحيحَةِ، كحَدِيثِ شدِّ الرِّحَالِ بشتَّى روايَاتِهِ، وأحَادِيثِ الإِسراءِ والمِعراجِ، وَزِيارَةِ النَّبِيِّ في طَريقِهِ أمَاكنَ مِثلَ: طُورِ سَينَاءَ، وقَبرِ إِبراهِيمَ، وَبَيتِ لَحمٍ (أحَاديثُ رقمُ ٧٣، ٩٨، ٩٩، ١١٧، ١١٩، ١٢٣، ١٥٥، ١٦٤)» ا. هـ. فَهذِهِ الفَقرةُ، علَى قِصَرهَا، اشتَملَت علَى عدّةِ أخطَاءٍ:
أ- قولُهُ: « الكتبِ الستَّةِ الصَّحِيحةِ »، فإِنَّهُ يَقصِدُ بهَا الصَّحيحَينِ البُخارِيَّ ومسلمًا، وَالسُّننَ الأَربعَةَ أبَا دَاوُدَ وَالنسَائيَّ وَالتِّرمذِيَّ وابنَ ماجَه. ومَعلُومٌ أَنَّ السُّننَ فِيهَا مَا هُو صَحِيحٌ، ومَا هُو حَسنٌ، ومَا هُوَ ضَعيفٌ، وفِيهَا مَا هُو مَوضُوعٌ.
ب- قولُهُ: « كحَدِيثِ شدِّ الرِّحالِ بشَتَّى روايَاتِهِ »، فرِوايَاتُهُ في هَذَا الكِتَابِ هِيَ بأَرقَامِ (١، ٢، ٣، ٤)، أمَّا الحَديثُ رقمُ (٢)، والَّذِي هُوَ
[ ١١٤ ]
عن عُمرَ بنِ الخطَّابِ، فلَيسَ في شَيءٍ مِنَ الكُتبِ السَّتةِ، ولَم أَجِدهُ إِلَّا عِندَ المُصنِّفِ.
ج- أمَّا الأَرقامُ الّتِي ذكَرهَا، فمُعظَمُهَا لَيسَ في شَيءٍ مِنَ الكُتبِ الستَّةِ، كما ذكر،:
فَالحَديثُ رقمُ (٧٣) - والذِّي هُو في طَبعَتنَا بِرقمِ (٧٢) ـ،
والحَدِيثُ رقم (٩٩) - والذِّي هُو في طَبعَتنَا بِرقمِ (٩٨) ـ،
والحَدِيثُ رقم (١١٧) - والذِّي هُو في طَبعَتنَا بِرقمِ (١١٥) ـ،
والحَدِيثُ رقم (١١٩) - والذِّي هُو في طَبعَتنَا بِرقمِ (١١٧) ـ،
والحَدِيثُ رقم (١٢٣) - والذِّي هُو في طَبعَتنَا بِرقمِ (١٢١) ـ،
والحَدِيثُ رقم (١٥٥) - والذِّي هُو في طَبعَتنَا بِرقمِ (١٥٣) ـ، كلُّهَا لَيسَ مِنهَا شيءٌ في الكُتبِ السِّتةِ.
أمَّا بقِيةُ مقدِّمتِهِ فاحتَوَتَ علَى سمُومٍ دسَّها هذَا المُحققُ اليهوديُّ لخِدمَةِ معتقَدِهِ، وقَد نقَلنَا عن الدُّكتُورِ محمُودِ إِبراهِيم نَقلًا مطوَّلًا، استَغرَقَ الفَصلَ السَّادسَ مِن هذِهِ الدراسَةِ، لدَحضِ شُبَهِ هذَا اليهُودِيِّ وغَيرِهِ حولَ قدَاسَةِ القُدسِ.
جَاءَت أَخطاؤُهُ في تحقِيقِهِ لنصِّ الكِتابِ قَليلَةً، ويرجِعُ ذَلكَ إِلَى امتِلاكِهِ لِلأَصلِ الَمخطُوطِ، وتَركزَت مُعظمُ أَخطائِهِ في أسانِيدِ الكِتابِ، ومِن أمثِلتِهَا:
أ- في إِسنادِ الحَديثِ رَقمِ (٢): «نَا أَحمَدُ بنُ يزِيدَ الحرّ»، والصَّوابُ: «أَحمَدُ بنُ زَيدٍ الخزَّازُ».
[ ١١٥ ]
ب- في إِسنَادِ الحَديثِ رَقمِ (٤، ١١): «حدَّثنَا أبُو العَباسِ أَحمدُ بنُ عُمرَ ابنِ يُونُسَ»، علَّقَ في الهَامشِ بقولِهِ: «في خ: «مُوَيسٌ»، والتَّصوِيبُ عن السَّمعَانيِّ». قلتُ: بَل مَا جَاءَ في المَخطُوطِ هُو الصَّوابُ: «أَحمَدُ بنُ عُمرَ بنِ مُوَيس»، ترجَمَ لَهُ ابنُ نَاصِرِ الدِّينِ الدِّمشقِيُّ في (تَوضِيحُ المُشتبَهِ).
ج- في إِسنَادِ الحَديثِ رَقمِ (١٠): «نا عَلِيُّ بنُ عَاصمٍ، نا الحَرِيرِيُّ»، عَلَّق في الهَامشِ بقَولِهِ: «في خ: «الجُريرِيُّ»، وَالتَّصوِيبُ عن مخطُوطَةِ أَبِي المَعالِي». قلتُ: مَا جَاءَ في المَخطُوطِ هُو الصَّوابُ، وهُوَ: «سعيدُ بنُ إِياسٍ الجُرَيريُّ».
د- في إِسنَادِ الحَدِيثِ رقمِ (١١): «نا أَبُو مُحمَّدٍ عبدُ اللهِ بنُ محَمدِ بنِ سَالمٍ المقدسيُّ»، والصَّوابُ: «عبدُ اللهِ بنُ محَمدِ بنِ سَلَمٍ المقدِسيُّ»، لَهُ ترجَمةٌ في (سيرُ أعلَامِ النُّبلَاءِ) للذَّهبِيِّ.
هـ- في إسنادِ الحديثِ رقمِ (١٥): «نا أبُو مَسلمَةَ يزيدُ بنُ خالدِ بنِ مُرشدٍ»، والصَّوابُ: «مَرشَلٌ»، لَهُ ترجَمَةٌ في (الجَرحُ والتَّعديلُ) لِابنِ أبِي حاتِمٍ.
* * *
أمَّا الطَّبعةُ الثَّانيَةُ، فهِي طَبعَةُ دَارِ المعارِفِ بالقَاهرَةِ، بتَحقيقِ وتَعلِيقِ وتَقدِيمِ الدُّكتُورِ محمَّد زِينهُم محمَّد عزَب.
وهَذهِ الطبعَةُ تُعَدُّ «جَريمَةً» في حقِّ هَذَا النَّصِّ؛ فقَد بلَغَ عددُ أَخطَائِهِ مَا يُقَاربُ الثَّلاثَ مِئةِ خَطأٍ، مَا بَينَ أَخطَاءٍ في قِراءَتهِ لِلنصِّ، أَو مَا أَسقطَهُ مِن المَخطُوطِ أحيانا، أَو مَا زَادَهُ عَلَيه أَحيَانًا أُخرَى، بِالإِضافَةِ إِلَى تصرُّفِهِ في تَبوِيبَاتِ المُؤلِّفِ.
[ ١١٦ ]
وَلَا يَنقضِي عَجبِي مِن قَولِهِ في مُقدِّمتِهِ (ص: ١١): «وصَاحِبُ هَذَا العَمَلِ هُوَ الفَقِيهُ وَالمُحدِّثُ محمَّدُ بنُ أحمَدَ الواسطيُّ، مِن رِجالِ الفِقهِ وَالحَدِيثِ في القَرنِ الرَّابِعِ الهِجرِيِّ، وَقيلَ القَرنُ الخَامسُ الهِجريُّ، والرَّأيُ الأَوَّلُ هُو الأَقرَبُ إِلَى الصَّوابِ حَيثُ قِيلَ تُوفِّيَ سنةَ ٣٦١ هـ، واللهُ أَعلَمُ». قلتُ: كَيفَ يكُونُ قَد تُوفِّيَ سنةَ ٣٦١ هـ، وفِي ثَانِي صَفحَاتِ المَخطُوطةِ، ويقَعُ ذلِكَ (ص: ١٥) مِن طبعَتِهِ،: « أَخبَرَنَا الإِمامُ أَبُو بكرٍ محَمَّدُ بنُ أحمَدَ بنِ محمَّدٍ المقدِسيُّ المَعروفُ بِـ[ابن] الوَاسطيِّ في منزِلِهِ بِبيتِ المَقدِسِ، سنة عشرٍ وأربعِ مئةٍ [٤١٠] ». فَالمؤلِّفُ حدَّثَ بهَذَا الكِتابِ سنَةَ ٤١٠ هـ، ويُرجِّحُ «زِينهُم» أَنَّهُ توفِّيَ سنَةَ ٣٦١ هـ (!!!).
أَضِف إِلَى ذَلكَ أَنَّهُ تصرَّفَ في تَبوِيبَاتِ المُؤلِّفِ لِلكتَابِ، فَأنشَأَهَا إنشَاءً مِن عِندِ نَفسِهِ، وهِيَ جريمَةٌ في حقِّ النِّصِّ.
وَمِن كَثرَةِ أَخطَائِهِ رأَيتُ أَن أعرض عن إثباتها مُنتَهِجًا بنَهجِ الدُّكتُورِ صَلاحِ الدِّينِ المُنجِّدِ، في كِتابِهِ (مُعجمُ المَخطُوطاتِ المُطبُوعةِ)، حَيثُ كَانَ منهَجُهُ فِيهِ عَدمُ ذِكرِ الطَّبعَاتِ التِّجارِيةِ القَائمَةِ عَلَى غَيرِ أسَاسٍ عِلميٍّ في التَّحقِيقِ.
* * *
وبَعدُ،،
فَهذِهِ مُشارَكةٌ مُتواضِعةٌ مِنِّي لإِكمَالِ هذَا العمَلِ، وَمَا كَانَ مِن نَقصٍ فِيهِ أَو تَقصِيرٍ فَمنِّي وَمِن الشَّيطَانِ، فَالنَّقصُ لَاحقٌ بأَعمالِ البشرِ جمِيعًا مَهمَا بَلَغُوا مِن العِلمِ، وتَوقَّلُوا في سُلَّمِ المَعرفَةِ، فالكَمالُ للهِ وَحدَه.
[ ١١٧ ]
ونَسألُهُ سُبحانَهُ أَن يَهَبَ لَنَا رحمَةً مِن لدُنهُ يَستُرُ بِهَا نَقَائِصَنَا، وتَوفِيقًا يَرأَبُ بِهِ مَا تَشعَّبَ مِن قُصُورِنَا، فَإِنَّهُ تَعَالَى أَقربُ مَدعُوٍّ، وأَكرَمُ مَرجُوٍّ.
[ ١١٨ ]