موضوعُ الكِتَابِ
يُعَدُّ كتابُ الوَاسِطِيِّ هذا ثانِيَ مُصَنَّفٍ في فَضَائِلِ بَيتِ المَقدِسِ عَلَى وجهِ الاستِقلَالِ يَصلُ ذِكرُهُ إلينَا (^١)، ولَم يَصِل إلَينَا قَبلُ كتابٌ مُستَقِلٌّ في هَذَا المَوضُوعِ، إِلّا مَا وُجِدَ مَبثُوثًا في ثَنَايَا الكُتُبِ، مثلِ: (عيونُ الأخبارِ) لِابنِ قُتَيبَةَ، و(العِقدُ الفَرِيدُ) لِابن عَبدِ رَبِّهِ، وغَيرِهِمَا.
وعَادَةٌ في أوَائلِ المُصنَّفاتِ في أَيِّ فَنٍّ أن تَشُوبَهَا بعضُ المُلَاحَظَاتِ.
فَقَد «قَسَّمَ الوَاسِطِيُّ مَادَّةَ كِتَابِهِ إِلَى أَبوَابٍ بَلَغَت أَربَعَةً وَثَلَاثِينَ بَابًا، كُلُّ بَابٍ يَحمِلُ عُنوَانًا لِمَادَّتِهِ. وَهِيَ أَبوَابٌ مُتَفَاوِتَةٌ طُولًا وَقِصَرًا، وَيَحُسُّ قَارِئُهَا بِوُضُوحٍ أَنَّهَا غَيرُ مُحكَمَةِ التَّرتِيبِ، فَلَا هِيَ مُرَتَّبَةٌ وِفقَ مَصَادِرِهَا المُختَلِفَةِ، أَو وِفقَ تَرتِيبٍ زَمَنِيٍّ تَارِيِخِيٍّ يُلتَزَمُ فِيهَا مِن أَقدَمِ العَصُورِ إِلَى العَصرِ الإِسلِامِيِّ المُبَكِّرِ، فَاللَّاحِقِ لَهُ.
ثُمَّ إِنَّ البَابَ نَفسَهُ لَا تَنطَوِي أحادِيثُهُ وَأخبَارُهُ كُلُّهَا تَحتَ عُنوَانِ البَابِ، فَنَجِدُ بَعضَهَا أَولَى أَن يُذكَرَ في بَابٍ آخَرَ، وَلَعَلَّ هَذَا هُو سَبَبُ تَوَزُّعِ بَعضِ الأحَادِيثِ والأَخبارِ ذَاتِ المَوضُوعِ الوَاحِدِ عَلَى أَكثَرَ مِن بَابٍ، وَمِثلُ هَذَا الاضطِرابِ شَائِعٌ في الكِتَابِ، لَا نَحتَاجُ إِلَى ضَربِ الأَمثِلَةِ لِنُدَلِّلَ عَلَيهِ.
_________________
(١) ذكر كلٌّ من: الدكتور محمود إبراهيم في كتابه (فضائل بيت المقدس في مخطوطات عربية قديمة)، والأستاذ عصام محمد الشنطي في مقاله السالف الذكر، وإسحاق حسون في مقدمة تحقيقه لكتاب الواسطي أن كتاب الواسطي أول كتاب على وجه الاستقلال في هذا الموضوع. قلتُ: وقفتُ على من ألّف في الفضائل قبله، فذكر الذهبي في السير (١٤/ ٧٨) أنَّ الوليد بن حماد الرملي له مصنف في (فضائل بيت المقدس) وكان في القرن الثالث الهجري.
[ ٤١ ]
كَمَا نَجِدُ بَعضَ الأَحَادِيثِ والأخبَارِ التِي افتَتَحَ الوَاسِطِيُّ بَهَا كِتَابَهُ لَم يُطلِق عَلَيهَا اسمَ بَابٍ تَنطَوِي تَحتَهُ (^١)، وَهِيَ أحَادِيثُ وَأَخبارٌ تَتَعلّقُ بِشَدِّ الرِّحَالِ، وبِنَاءِ دَاوُدَ وسُلَيمَانَ الهَيكَلَ، وفَضلِ الصَّلَاةِ في المسجِدِ الأَقصَى، وَفَضلِ مِحرَابِ دَاوُدَ، والسِّبَاحَةِ في عَينِ سُلوَانَ لأَنَّهَا مِنَ الجَنَّةِ (^٢). يُضَافُ إِلَى ذَلكَ أَنَّنَا نَجِدُ في تَضَاعِيفِ الكِتَابِ ثَلَاثَةَ عُنوَانَاتٍ لَا تَنطَوِي مَادَّتُهَا تَحتَ بَابٍ مِن أبوَابِ الكِتَابِ المَعدُودَةِ، وَهِذِه العُنوَانَاتُ هِيَ: حَديثُ الدَّجَّالِ (^٣)، وحَدِيثُ قَيصَرَ (^٤)، وَذِكرُ فَتحِ بَيتِ المَقدِسِ عَلَى الصُّلحِ (^٥).
وَلَعَلَّ خُلُوَّ الكَتَابِ مِن مُقَدِّمَةٍ تَشرَحُ مَنهَجَهُ وَمَصَادِرَهُ وَدَوَاعِي تَألِيفِهِ وأهَدَافَهُ - عَلَى نَحوِ مَا نَجِدُ في بَعضِ كُتُبِ فَضَائِلِ بَيتِ المَقدِسِ اللَّاحِقَةِ - يَشهَدُ عَلَى مَا نَزعُمُهُ مِن عَدَمِ إحكامِ تَبوِيبِ مَادَّةِ الكِتَابِ. وَالحَقُّ أَنَّ هَذَا هُوَ شَأنُ كُلِّ مُصَنَّفٍ لَهُ فَضلُ السَّبقِ لَا يَتَوَفَّرُ فِيهِ نُضجُ التَّألِيفِ وَالتَّصنِيفِ.
عَلَى أَنَّ هَذَا الكِتَابَ بِفَضلِ سَبقِهِ يُعَدُّ في ذَاتِهِ مَصدَرًا مِن أَهَمِّ المَصَادِرِ التِي نَقَلَ عَنهُ كَثِيرٌ مِمَّن أَلَّفَ في فَضَائِلِ بَيتِ المَقدِسِ بَعدَ عهدِ المُؤَلِّفِ في مَطلَعِ القَرنِ الخَامِسِ الهِجرِيِّ، وَبَعضُ هَؤُلَاءِ النَّقَلَةِ أَشَارُوا إِلَيه إشَارَةً صَرِيحَةً، وبَعضُهُم لَم يَفعَل ذَلكَ، رَغمَ وُضُوحِ هَذَا النَّقلِ. وَلَيسَ هَذَا هَمُّنَا هُنَا أَن نَذكُرَ مَن أَفَادَ مِن هَذَا المُصَنَّفِ لِكَثرَةِ عَدَدِهِم.
_________________
(١) أما الأستاذ محمد زينهم في تحقيقه للكتاب فكتب في أوَّله «مقدمة المؤلِّف»، وليست من صنع المؤلف وغير موجودة بالمخطوطة، ولم يبين أنها من زياداته!!
(٢) (ص: ٢٦٩).
(٣) (ص: ٣٥٢).
(٤) (ص: ٣٥٨).
(٥) (ص: ٣٦٢).
[ ٤٢ ]
وَيَتَّصِلُ بِهَذِهِ الفَائِدَةِ أَنَّ الوَاسِطِيَّ لَم يَفُتهُ أَن يَذكُرَ في كِتَابِهِ أسمَاءَ الصَّحَابَةِ الذِينَ سَكَنُوا بَيتَ المَقدِسِ وَالتَّابِعِينَ، وَمَاتُوا بِهَا، وَمَن أَعقَبَ مِنهُم، وَقُبُورَهُم بِهَا (^١).
وَلَا شَكَّ أَنّ مِثلَ هَذَا الاستِيفَاءِ المُقتَضَبِ هُوَ النَّوَاةُ فِيمَا فَصَّلَ فِيهِ مَن ألَّفَ في فَضَائِلِ بَيتِ المَقدِسِ مِنَ اللَّاحِقِين، وَتَرجَمَ لَهُم كَما تَرجَمَ للعُلَمَاءِ والصُّلَحَاءِ المُتَّقِينَ الذِينَ زَارُوا المَدِينَةَ، أَو أَقَامُوا فِيهَا ودُفِنُوا في ثَرَاهَا.» (^٢).
وَلنَشرَع في ذِكرِ أَبوَابِهِ ليَقِفَ القَارِئُ عَلَى جَوِّهِ، وَعَلَى حُدُودِ مَبَاحِثِه:
فَأبوَابُ الكِتَابِ عَلَى نَحوِ مَا وَرَدَت فِيهِ، هِيَ:
١ - بابٌ في وَادِي جَهَنَّمَ.
٢ - بابُ أيِّ مَسِجِدٍ وُضِعَ أَوَّلًا.
٣ - بابُ مَن أَتَى بَيتَ المَقدِسِ.
٤ - بابُ الحَسنَاتِ تُضَاعَفُ في بَيتِ المَقدِسِ.
٥ - بابُ فَضلِ بَيتِ المَقدِسِ والصَّلَاةِ فِيهِ.
٦ - بابُ مَا رُوِيَ عن ذِي الأَصَابِعِ، وخَبَرِهِ.
٧ - بابُ حَدِيثِ طَاطَرَى، وَمَا حُمِلَ مِن بَيتِ المَقدِسِ.
٨ - بابُ فَضلِ مسجدِ بَيتِ المَقدِسِ.
٩ - بابُ كَانت اليَهُودُ تُسرِجُ مَصَابِيحَ بَيتِ المَقدِسِ.
١٠ - بابُ فَضلِ عَينِ سُلوَانَ وَزَمزَمَ.
١١ - بابُ قَولِ عُمَرَ - ﵁ -: «أَينَ نَضعُ المَسجِدَ؟».
_________________
(١) (ص: ٣٦٠).
(٢) «فضائل البيت المقدس لأبي بكر الواسطي»، للأستاذ عصام الشنطي (ص: ٢١ - ٢٢).
[ ٤٣ ]
١٢ - بابُ مَن مَاتَ في بَيتِ المَقدِسِ.
١٣ - بابُ طُورِ زَيتَا.
١٤ - بابٌ في المِحرَابِ.
١٥ - بابُ أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى إِلَى بَيتِ المَقدِسِ.
١٦ - بابُ فَتحِ بَيتِ المَقدِسِ.
١٧ - بابُ عُمرَانِ بَيتِ المَقدِسِ.
١٨ - بابُ ذِكرِ الجِبَالِ.
١٩ - بابُ مَن أَهَلَّ مِن بَيتِ المَقدِسِ.
٢٠ - بابُ بَيتِ المَقدِسِ كَأسٌ مِن ذَهَبٍ.
٢١ - بابٌ في بَيتِ لَحمٍ، وفَضلِ الصَّلَاةِ فِيهِ.
٢٢ - بابُ فَضلِ الصَّخرَةِ، والمَاءِ الذِي يَخرجُ مِن أَصلِهَا.
٢٣ - بابُ مِعرَاجِ الصَّخرَةِ.
٢٤ - بابُ فَضلِ الصَّلَاةِ في الصَّخرَةِ، وخبرِ السِّلسِلَةِ.
٢٥ - بابُ قَبرِ آدَمَ - ﵇ -.
٢٦ - بابُ فَضلِ الصَّخرَةِ لَيلَةَ الرَّجفَةِ.
٢٧ - بابُ بِنَاءِ عَبدِ المَلِكِ بنِ مَروَانَ الصَّخرَةَ.
٢٨ - بابُ يُنَادِي المُنَادِي مِن مَكَانٍ قَرِيبٍ.
٢٩ - بابُ يَومَ يُنَادِي المُنَادِي مِن مَكَانٍ قَرِيبٍ.
٣٠ - بابٌ في فَضلِ البَلَاطَةِ السَّودَاءِ.
٣١ - بابُ مَسكَنِ الخَضِرِ - ﷺ -.
[ ٤٤ ]
٣٢ - بابُ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُزَفَّ الكَعبَةُ إِلَى الصَّخرَةِ.
٣٣ - بابُ حَدِيثِ الوَرَقَاتِ.
٣٤ - بابٌ مِن حَدِيثِ الإِسرَاءِ الذِي أَسرَى بِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - مِن المَسجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسجِدِ الأَقصَى.
وَكَانَ اعتِمَادُ المُصَنِّفِ في كِثَيرٍ مِن آثَارِ كِتَابِهِ عَلَى كَعبِ الأَحبَارِ، وَوَهبِ بنِ مُنَبِّهٍ.
وَعَن كَعبِ الأَحبارِ يَقُولُ شَيخُ الإِسلَامِ ابنُ تَيمِيَةَ - ﵀ -: «وَقَد صَنَّفَ طائفةٌ مِنَ النّاسِ مُصَنَّفَاتٍ في فضائلِ بَيتِ المَقدِسِ، وَغِيرِهِ مِن البِقَاعِ التِي بِالشَّامِ، وَذَكَرُوا فِيهَا مِنَ الآثَارِ المَنقُولَةِ عن أَهلِ الكِتَابِ وعَمَّن أَخَذ عَنهُم مَا لَا يَحِلُّ للمُسلِمِينَ أَن يَبنُوا عَلَيهِ دِينَهُم.
وَأَمثَلُ مَن يُنقَلُ عَنهُ تِلكَ الإِسرَائِيلِيَّاتِ كَعبُ الأَحبَارِ، وَكَانَ الشَّامِيُّونَ قَد أَخَذُوا عَنهُ كَثِيرًا مِنَ الإِسرَائِيلِيَّاتِ، وَقَد قَالَ مُعَاوِيَةُ - ﵁ -: «مَا رَأَينَا في هَؤُلَاءِ المُحَدِّثِينَ عن أَهلِ الكِتَابِ أَمثَلَ مِن كَعبٍ، وَإِن كُنَّا لَنَبلُو عَلَيهِ الكَذِبَ أَحيَانًا.» (^١).
وَقَد ثَبَتَ في الصَّحِيحِ، عن النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: «إِذَا حَدَّثَكُم أَهلُ الكِتَابِ فَلَا تُصَدِّقُوهُم وَلَا تُكَذِّبُوهُم؛ فَإِمَّا أَن يُحَدِّثُوكُم بِبَاطِلٍ فَتُصَدِّقُوهُ، وَإِمَّا أَن يُحَدِّثُوكُم بِحَقٍّ فَتُكَذِّبُوهُ.» (^٢).
_________________
(١) البخاري (٧٣٦١)، بلفظ: «إن كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب، وإن كنا - مع ذلك - لنبلو عليه الكذب».
(٢) أحمد (٤/ ١٣٦)، وأبو داود (٣٦٤٤)، وغيرُهما. وأخرجه البخاري (٤٤٨٥) بلفظ: «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، و﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ الآية﴾.».
[ ٤٥ ]
وَمِنَ العَجَبِ، أَنَّ هَذِه الشَّرِيعَةَ المَحفُوظَةَ المَحرُوسَةَ مَعَ هَذِه الأُمَّةِ المَعصُومَةِ التِي لَا تَجتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ إِذَا حَدَّثَ بَعضُ أَعيانِ التَّابِعِينَ عن النَّبِيِّ - ﷺ - بِحَدِيثٍ - كَعَطَاءِ بنِ أَبِي رَبَاحٍ، وَالحَسَنِ البَصرِيِّ، وَأَبِي العَالِيَةِ، وَنَحوِهِم، وَهُم مِن خِيَارِ عُلَمَاءِ المُسلِمِينَ وَأَكَابِرِ أَئِمَّةِ الدِّينِ - تَوَقَّفَ أَهلُ العِلمِ في مَرَاسِيلِهِم، فَمِنهُم مَن يَرُدُّ المَرَاسِيلَ مُطلَقًا، وَمِنهُم مَن يَقبَلُهَا بِشُرُوطٍ، وَمِنهُم مَن يُمَيِّزُ بَينَ مَن عَادَتُهُ لَا يُرسِلُ إِلَّا عن ثِقَةٍ - كَسَعِيدِ بنِ المُسَيّبِ، وَإِبرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَمُحَمَّدِ بنِ سِيرِينَ ـ، وَبَينَ مَن عُرِفَ عَنهُ أَنَّهُ قَد يُرسِلُ عن غَيرِ ثِقَةٍ - كَأَبِي العَالِيَةَ، والحَسَنِ ـ، وَهَؤُلَاءِ لَيسَ بَينَ أَحَدِهِم وَبَينَ النَّبِيِّ - ﷺ - إِلَّا رَجُلٌ أَو رَجُلَانِ أَو ثَلَاثَةٌ، مثلًا.
وَأَمَّا مَا يُوجَدُ في كُتُبِ المُسلِمِينَ في هَذِه الأَوقَاتِ مِنَ الأَحَادِيثِ التِي يَذكُرُهَا صَاحِبُ الكِتَابِ مُرسَلَةً فَلَا يجُوزُ الحُكمُ بِصَحَتِهَا بِاتِّفَاقِ أَهلِ العِلمِ، إِلَّا أَن يُعرَفَ أَنّ ذَلكَ مِن نَقلِ أَهلِ العِلمِ بِالحَديثِ الذِينَ لَا يُحَدِّثُونَ إِلّا بِمَا صَحَّ - كَالبُخَارِيِّ في المُعَلَّقَاتِ التِي يَجزِمُ فِيهَا بِأَنَّهَا صَحِيحَةٌ عِندَهُ، وَمَا وَقَفَهُ كَقَولِهِ: «وَقَد ذُكِر عن بَهزِ بنِ حَكِيمٍ، عن أبِيهِ، عن جَدِّهِ » وَنَحوِ ذَلكَ فَإِنَّهُ حَسَنٌ عِندَهُ. هَذَا، وَليسَ تَحتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ بَعدَ القُرآنِ كِتَابٌ أَصَحُّ مِن البُخَارِيِّ ـ.
فَكَيفَ بِمَا يَنقُلُهُ كَعبُ الأَحبَارِ وَأَمثَالُهُ عن الأَنبِيَاءِ؟ وبَينَ كَعبٍ وَبَينَ النَّبِيِّ الذِي يَنقُلُ عَنهُ أَلفُ سَنَةٍ وَأَكثَرُ وَأَقَلُّ، وَهُوَ لَم يُسنِد ذَلكَ عن ثِقَةٍ بَعدَ ثِقَةٍ، بَل غَايَتُهُ أَن يَنقِلَ عن بَعضِ الكُتُبِ التِي كَتَبهَا شُيُوخُ اليَهُودِ، وَقَد أَخبَرَ اللهُ بِتَبدِيلِهِم وَتَحرِيفِهِم، فَكَيفَ يَحِلُّ للمُسلِمِ أَن يُصَدِّقَ شَيئًا مِن ذَلكَ بِمُجَرَّدِ
[ ٤٦ ]
هَذَا النَّقلِ؟ بَل الوَاجِبُ أَن لَا يُصَدِّقَ ذَلكَ، وَلَا يُكذِّبَه أَيضًا إِلَّا بِدَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى كَذِبِه، وَهَكَذَا أَمَرَنَا النَّبِيُّ - ﷺ -. وَفِي هَذِه الإِسرَائِيلِيَّاتِ مِمَّا هُوَ كَذِبٌ عَلَى الأَنبِيَاءِ، أَو مَا هُو مَنسُوخٌ في شَرِيعَتِنَا مَا لَا يَعلَمُهُ إِلَّا اللهُ.
وَمَعلومٌ أَنّ أصحَابَ رسُولِ اللهِ - ﷺ - مِنَ السَّابِقِينَ الأَوَّلِينَ وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحسَانٍ قَد فَتَحُوا البِلَادَ بَعدَ مَوتِ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَسَكَنُوا بِالشَّامِ وَالعِرَاقِ وَمِصرَ وَغَيرِ هَذِهِ الأَمصَارِ، وَهُم كَانُوا أَعلَمَ بِالدِّينِ وَأَتبَعَ لَهُ مِمّن بَعدَهُم، فَلَيسَ لِأَحَدٍ أَن يُخَالِفَهُم فِيمَا كَانُوا عَلَيه.
فَمَا كَانَ مِن هَذِهِ البِقَاعِ لَم يُعَظِّمُوهُ، أَو لَم يَقصِدُوا تَخصِيصَهُ بِصَلَاةٍ أَو دُعَاءٍ أَو نَحوِ ذَلكَ لَم يَكُن لَنَا أَن نُخَالِفَهُم في ذَلِكَ، وَإِن كَانَ بَعضُ مَن جَاءَ بَعدَهُم مِن أَهلِ الفَضلِ وَالدِّينِ فَعَلَ ذَلِكَ؛ لِأَنّ اتِّبَاعَ سَبِيلِهِم أَولَى مِنَ اتِّبَاعِ سَبِيلِ مَن خَالَفَ سَبِيلَهُم، وَمَا مِن أَحَدٍ نُقِلَ عَنهُ مَا يُخَالِفُ سَبِيلَهُم إِلَّا وَقَد نُقِلَ عن غَيرِهِ مِمّن هُوَ أَعلَمُ وَأَفضَلُ مِنهُ أَنَّهُ خَالَفَ سَبِيلَ هَذَا المُخَالِفِ، وَهَذِه جُملَةٌ جَامِعَةٌ لَا يَتَّسِعُ هَذَا المَوضِعُ لِتَفصِيلِهَا.
وَقَد ثَبَتَ في الصَّحِيحِ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَمَّا أَتَى بَيتَ المَقدِسِ لَيلَةَ الإِسرَاءِ صَلَّى فِيهِ رَكعَتَينِ (^١)، وَلَم يُصَلّ بِمَكَانٍ غَيرِهِ وَلَا زَارَهُ. وَحَدِيثُ المِعرَاجِ فِيهِ مَا هُوَ في الصَّحِيحِ، وَفِيهِ مَا هُو في السُّنَنِ وَالمَسَانِيدِ، وَفِيهِ مَا هُو ضَعِيفٌ، وَفِيهِ مَا هُو مِن المَوضُوعَاتِ المُختَلَقَاتِ، مِثلُ مَا يَروِيهِ بَعضُهُم فِيهِ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ لَهُ جَبرِيلُ: «هَذَا قَبرُ أَبِيكَ إِبرَاهِيمَ، انزِل فَصَلّ فِيهِ، وَهَذَا بَيتُ لَحمٍ مَولِدُ أَخِيكَ عِيسَى، انزِل فَصَلّ فِيهِ». وَأعجَبُ مِن ذَلِكَ، أَنّهُ رُوِيَ فِيهِ: قِيلَ لَهُ في المَدِينَةِ: «انزِل فَصَلّ هُنَا» قَبلَ أَن يَبنِيَ مَسجِدَهُ، وَإِنَّمَا كَانَ المَكَانُ
_________________
(١) مسلم (١٦٢).
[ ٤٧ ]
مَقبَرَةً للمُشرِكِينَ، وَالنَّبِيُّ - ﷺ - بَعدَ الهِجرَةِ إِنَّمَا نَزَلَ هُنَاكَ لَمّا بَرَكَت نَاقَتُهُ هُنَاكَ. فَهَذَا وَنَحوُهُ مِن الكَذِبِ المُختَلَقِ بِاتِّفَاقِ أَهلِ المَعرِفَةِ. وَبَيتُ لَحمٍ كَنِيسَةٌ مِن كَنَائِسِ النَّصَارَى، لَيسَ في إِتيَانِهَا فَضِيلَةٌ عِندَ المُسلمِينَ، سَوَاءٌ كَانَ مَولِدَ عِيسَى أَو لَم يَكُن، بَل قَبرُ إِبرَاهِيمَ الخَلِيلِ لَم يَكُن في الصَّحَابَةِ وَلَا التَّابِعِينَ لَهُم بِإِحسَانٍ مَن يَأتِيهِ لِلصَّلَاةِ عِندَهُ وَلَا الدُّعَاءِ، وَلَا كَانُوا يَقصِدُونَهُ لِلزِّيَارَةِ أَصلًا.
وَقَد قَدِمَ المُسلِمُونَ إِلَى الشَّامِ غَيرَ مَرَّةٍ مَعَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ - ﵁ -، وَاستَوطَنَ الشَّامَ خَلَائِقٌ مِن الصَّحَابَةِ، وَليسَ فِيهِم مَن فَعَلَ شَيئًا مِن هَذَا، وَلَم يَبنِ المُسلِمُونَ عَلَيهِ مَسجِدًا أَصلًا، لَكِن لَمّا استَولَى النَّصَارَى عَلَى هَذِه الأَمكِنَةِ في أَوَاخِرِ المِئَةِ الرَّابِعَةِ لَمّا أَخَذُوا البَيتَ المُقَدَّسَ - بِسَبَبِ استِيلَاءِ الرَّافِضَةِ عَلَى الشّامِ لَمّا كَانُوا مُلُوكَ مِصرَ. وَالرَّافِضَةُ أُمّةٌ مَخذُولَةٌ، لَيسَ لَهَا عَقلٌ صَرِيحٌ، وَلَا نَقلٌ صَحِيحٌ، وَلَا دِينٌ مَقبُولٌ، وَلَا دُنيَا مَنصُورَةٌ - قَوِيَت النَّصَارَى، وَأَخَذَت السَّوَاحِلَ وَغَيرَهَا مِن الرَّافِضَةِ، وَحِينَئِذٍ نَقَبَت النَّصَارَى حُجرَةَ الخَلِيلِ - صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيهِ ـ، وَجَعَلَت لَهَا بَابًا، وَأَثَرُ النَّقبِ ظَاهِرٌ في هَذَا البَابِ.
فَكَانَ اتِّخَاذُ ذَلكَ مَعبَدًا مِمَّا أَحدَثَتهُ النَّصَارَى، لَيسَ مِن عَمَلِ سَلَفِ الأُمَّةِ وَخِيَارِهَا.» ا. هـ (^١).
وَقَالَ ابنُ كَثِيرٍ - ﵀ - بَعدَ ذِكرِهِ لحَدِيثٍ طَوِيلٍ في إِسلَامِ بلقِيسَ: «قَالَ أَبُو بَكرٍ ابنُ أَبِي شَيبَةَ: مَا أَحسَنَهُ مِن حَدِيثٍ! قُلتُ: بَل هُوَ مُنكَرٌ، غَرِيبٌ جِدًّا،
_________________
(١) اقتضاء الصراط المستقيم (٥٤٣ - ٥٤٦).
[ ٤٨ ]
وَلَعَلَّهُ مِن أَوهَامِ عَطَاءِ بنِ السَّائِبِ عَلَى ابنِ عَبَّاسٍ، وَاللهُ أَعلَمُ. وَالأَقرَبُ في مِثلِ هَذِهِ السِّيَاقَاتِ أَنَّهَا مُتَلَقَّاةٌ عن أَهلِ الكِتَابِ مِمّا يُوجَدُ في صُحُفِهِم - كَرِوَايَاتِ كَعبٍ وَوَهبٍ، سَامَحَهُمَا اللهُ تَعَالى فِيمَا نَقَلَا إِلَى هَذِهِ الأُمَّةِ مِن أَخبَارِ بَنِي إِسرَائِيلَ مِنَ الأَوَابِدِ وَالغَرَائِبِ وَالعَجَائِبِ، مِمّا كَانَ وَمَا لَم يَكُن، وَمِمّا حُرّفَ وَبُدِّلَ وَنُسِخَ ـ. وَقَد أَغنَى اللهُ سُبحَانَهُ عن ذَلكَ بِمَا هُوَ أَصَحُّ مِنهُ وَأنفَعُ، وَأَوضَحُ وَأَبلَغُ، وَللهِ الحَمدُ وَالمِنَّةُ.» ا. هـ (^١).
وقال - ﵀ -، أَثنَاءَ كَلَامِه عَلَى مَن هُوَ الذَّبِيحُ إِسحَاقُ أَم إِسمَاعِيلُ: «وَهذِهِ الأَقوَالُ - واللهُ أعلمُ - كُلُّهَا مَأخُوذَةٌ مِن كَعبِ الأَحبَارِ؛ فَإِنَّهُ لَمّا أَسلَمَ في الدَّولَةِ العُمَرِيَّةِ جَعَلَ يُحَدِّثُ عُمَرَ - ﵁ - عن كُتُبِهِ، فَرُبَّمَا استَمعَ لَهُ عُمَرُ - ﵁ -، فَتَرَخَّصَ النَّاسُ في استِمَاعِ مَا عِندَهُ، وَنَقَلُوا عَنهُ غَثَّهَا وَسَمِينَهَا، وَلَيسَ بِهَذِهِ الأُمَّةِ - واللهُ أَعلَمُ - حَاجَةٌ إِلَى حَرفٍ وَاحِدٍ مِمّا عِندَهُ.» ا. هـ (^٢).
فَنَخلُصُ مِن هَذِهِ النُّقُولِ إِلَى أَنّ الأَحَادِيثَ وَالآثَارَ المَبثُوثَةَ في كُتُبِ فَضَائِلِ بَيتِ المَقدِسِ لَم يَصِحّ مِنهَا إِلّا النّزرُ اليَسِيرُ.
يَقُولُ الإِمَامُ ابنُ قَيِّمِ الجَوزِيَّةِ - ﵀ -: