«هوَ أبُو بكرٍ محمدُ بنُ أحمدَ الواسِطِيُّ المَقدِسِيُّ (^٢). لم يصل إلينا عنهُ إلَّا القليلُ، الذي لَا يُطفئُ ظَمَأً ولَا يَشفِي غَلِيلًا. فالسَّمعَانيُّ أبُو سعدٍ عبدُ الكريمِ بنُ محمدِ بنِ منصورٍ التَّميميُّ المتوفَّى ٥٦٢ هـ صَاحِبُ كتابِ (الأنساب) ذَكَرَ المؤلِّفَ عَرَضًا عندَ ذِكرِ أخيهِ أبِي حفصٍ عمرَ الواسِطِيِّ نزيلِ بيتِ المَقدِسِ (^٣). أمَّا القاضِي مُجِيرُ الدِّينِ العُلَيمِيُّ الحنبليُّ المتوفَّى ٩٢٧ هـ صَاحِبُ كتابِ (الأُنسُ الجليل بتاريخِ القُدسِ والخَلِيل) فهُوَ يُتَرجِمُ لكثيرٍ منَ المَقدِسِيِّينَ، ولكنَّهُ لا يَجِدُ للواسِطِيِّ ترجمةً في المَصَادِرِ يروِيهَا لنَا في كِتَابِهِ، سِوَى أنَّه عَدَّهُ من خُطَبَاءِ المَسجد الأَقصَى الشافِعِيِّينَ في بَيتِ المَقدِسِ (^٤).
وبِإِزَاءِ هذَا الغُمُوضِ حَولَ المؤلِّف، نَجِدُ مِنَ المُحدَثِينَ مَن جَانَبَهُم الصوابُ، كالمُستَشرِقِ الرُّوسِيِّ إِغنَاطيُوس كرَاتشُكُوفِسكِي المتوفَّى ١٩٥١ م، والذِي قَرّرَ أنّ الواسِطِيَّ قَد وَضَعَ كتابَهُ حَوالَي عَامَ ٥٠٠ هـ (^٥). وَنَعُدُّ قولَ كرَاتشُكُوفِسكِي هَذَا مِنَ الوهمِ؛ لأنَّ الواسِطِيَّ لم تَصِل حياتُهُ، بكُلِّ تأكِيدٍ، إلَى هَذِهِ السَّنَةِ، للأسبابِ التِي سنذكُرُهَا بعدَ قليلٍ، ولأنَّه - أي: الواسِطِيَّ ـ
_________________
(١) من بحث بعنوان «فضائل البيت المقدس لأبي بكر الواسطي» للأستاذ عصام محمد الشنطي، الخبير بمعهد المخطوطات العربية، منشور في (مجلة معهد المخطوطات العربية) المجلد (٣٦) صفحة (١٧ - ١٩).
(٢) مسالك الأبصار في ممالك الأمصار (١/ ١٤٨).
(٣) (١٣/ ٢٦٠).
(٤) (٢/ ٤٨٢).
(٥) تاريخ الأدب الجغرافي، القسم (٢/ ٥٠٩).
[ ٢٥ ]
مِن شُيوخِ ابنِ عقيلٍ المتوفَّى سنةَ ٥١٣ هـ (^١). ويقعُ في الوهمِ أيضًا الدُّكتورُ إسحاقُ موسَى الحُسَينِيُّ (^٢) الذِي يَجِدُّ في أن يَعثُرَ عَلَى ترجمةٍ للواسِطِيِّ، فلَا يقعُ عَلَى شيءٍ مِن ذَلِكَ، ولكنَّه يَجتَهِدُ فيُرَجِّحُ أنَّ والدَ المؤَلِّفِ أحمدَ بنَ محمدٍ الواسِطِيِّ هُوَ الذِي ترجمَ لَهُ تاجُ الدِّينِ السُّبكِيُّ المتوفَّى ٧٧١ هـ في (طبقاتُ الشافعيةِ الكبرَى) (^٣)، وهُوَ الذِي كانَ معَ ابنِ المُوَفَّقِ الخليفةِ العَبَاسِيِّ المُعتَضِدِ باللهِ في الوَقعَةِ التِي جَرَت بينَهُ وبينَ خُمَارَوَيهِ بنِ أحمدَ بنِ طُولُونَ التِي تُسَمَّى وقعةَ الطَّوَاحِينِ بِنَواحِي الرَّملَةِ، وأنَّهُ كانَ كاتِبًا لَهُ. ويَستمرُّ الدُّكتورُ الحُسَينِيُّ في الاستِنتَاجِ فيقولُ إِنَّهُ مِنَ المُحتمَلِ أَنَّ الابنَ - وهو المؤلِّفُ - انتقلَ إلَى بَيتِ المَقدِسِ حيثُ تَوَلَّى فيهَا الخَطَابَةَ، وحدَّثَ بِكِتَابِهِ في بَيتِهِ سنةَ ٤١٠ هـ.
وَيُلاحِظُ الدُّكتورُ كَامِل جَمِيل العَسَلِيُّ بُعدَ هَذَا الافتراضِ والاستنتاجِ؛ لأنَّ وَقعَةَ الطَّوَاحِينَ جَرَت حَوالَي سنةَ ٢٨٠ هـ، وَمِنَ الصَّعبِ أن نَخلُصَ إَلَى أنَّ أحمدَ الواسِطِيَّ الذِي اشتَرَكَ فيهَا يُمكِنُ أن يكُونَ أَبًا للمؤلِّفِ الذِي وُلِدَ بَعدَ المعركَةِ بِمَا لا يِقِلُّ عن مِئَةِ عَامٍ (^٤).
وَلَا يُفِيدُنَا كثيرًا ما وَصَلَ إلينَا مِن نسبةِ المؤلِّفِ إِلَى واسِطٍ، وأَنَّهَا كانَت مَوطِنَهُ الأصلِيَّ، هو أو أجدادُه، فَلَا يستقيمُ الافتِرَاضُ أنَّهُ منسوبٌ إَلَى مِدِينَةِ وَاسِطِ العراقِ رَغمَ شُهرَتِهَا، وَهِيَ التِي بنَاهَا الحَجَّاجُ بنُ يُوسُفَ الثَّقَفِيُّ في عهدِ الأُمَوِيِّينَ، وفَرَغَ مِن بنائِهَا عامَ ٨٦ هـ.
_________________
(١) مكانة القدس عند المسلمين (ص: ٢٣).
(٢) فضائل بيت المقدس، مقالة (ص: ٣٠٤).
(٣) (٣/ ١٩٧).
(٤) مخطوطات فضائل بيت المقدس - دراسة وبيبليوغرافيا (ص: ٢٨).
[ ٢٦ ]
نقولُ ذلِكَ؛ لأنَّ يَاقُوتَ الحَمَوِيَّ في (مُعجَمِ البُلدانِ) رَوَى لنَا في مادَّةِ «واسِطٍ» أَكثَرَ مِن خمسةَ عشَرَ مَوضعًا في العِرَاقِ وغَيرِ العراقِ يَحملُ هَذَا الاسمَ (^١)، وأَنَّ كثيرًا مِن هذِهِ المواضِعِ قد نُسِبَ إليهَا عُلَمَاءٌ غيرُ المؤلِّفِ (^٢).
وَحَسبُنَا مِن حَيَاةِ الواسِطِيِّ فَوقَ مَا عَرَفنَا، عَلَى قِلَّتِهِ، ما تَكشِفُهُ لنَا مخطوطةُ الفضائِلِ التِي نحنُ بِصَدَدِهَا. فَفِي أوَّلِهَا أنَّهُ قَرَأَ الكتابَ في مَنزِلِهِ ببيتِ المَقدِسِ عامَ ٤١٠ هـ (^٣). وحِينَ نفترضُ أنَّهُ كانَ آنذاكَ قد بَلَغَ مَبلَغَ الرجالِ، وبلغَ مِنَ العِلمِ أن وَضَعَ كتابَهُ هَذَا، يُصبِحُ مِنَ المقبولِ أَن نفترضَ أيضًا أَنَّهُ وُلِدَ في أوائِلِ الرُّبعِ الأخيرِ منَ القَرنِ الرابعِ الهِجرِيِّ، وأنَّهُ حِينَ حَدَّثَ بالكتابِ في مَنزِلِه كانَ في الثَّلاثِينَ مِن عُمُرِهِ، يَقِلُّ أو يزيدُ قليلًا (^٤).
ويكشِفُ لنَا الكتابُ أنَّهُ كانَ علَى اهتمامٍ بالحديثِ النَّبَوِيِّ، وأَنَّ الأحاديثَ النَّبَوِيَّةَ التِي أَورَدَهَا، وكذلِكَ جميعَ الأخبارِ الأُخرَى، رَوَاها بِأَسانِيدِهَا
_________________
(١) (٥/ ٣٤٧ - ٣٥٣).
(٢) انظر: اللباب في تهذيب الأنساب (٣/ ٢٥٧).
(٣) فضائل بيت المقدس (ص: ١٣٢).
(٤) قلتُ - عمرو ـ: بل كان يوم حدَّث بالكتابِ عامَ ٤١٠ هـ قد جاوز الستين من عمره، ودليلُ ذلك أنَّ من شيوخه: أبا بكر محمد بن سليمان بن أبي الشريف المصري القُضَاعِيَّ - وهو شيخُه الآتي في الحديث رقم (٢٠) - تَرجَمَهُ الإمام المقريزي في كتابه (المقفَّى الكبير) (٥/ ٦٨٦ - ٦٨٧) وذكر أنه ولد عام ٢٨٩ هـ وتوفي عام ٣٥٨ هـ، وعلى افتراض أنَّ المصنف سمع منه في العاشرة من عمره، أي في حدود سنة ٣٤٨ هـ، فكان يوم حدَّث بهذا الكتاب عام ٤١٠ هـ، قد جاوز الستين. والله أعلم. [بل يمكن أن يقال ما هو أبعد من هذا، فقد ذكر الخطيب البغدادي في (الكفاية) (١/ ٢٠٠) بإسناده عن موسى بن هارون، قال: «أهل البصرة يكتبون لعشر سنين، وأهل الكوفة لعشرين، وأهل الشام لثلاثين»، وأبو بكر الواسطي شاميٌّ، فيكون يوم حدث بالكتاب قد جاوز الثمانين من عمره. والله أعلم.] أفادنيها فضيلة الشيخ: طارق عوض الله، حفظه الله. [ومما يؤكد ذلك، أن الواسطي حديث بهذا الكتاب في منزله بالقدس، مع أنه كان خطيب المسجد الأقصى، وهذه إشارة إلى أنه كبر في السن حتى جاءه الطلبة في داره ليسمعوا منه. والله أعلم.] أفادنيها الأستاذ: أحمد عبد الباسط، محقق (الجامع المستقصى).
[ ٢٧ ]
كَامِلَةً دُونَ حذفٍ أَو اختِصَارٍ، مُتَّبِعًا في ذَلِكَ طُرُقَ المُحَدِّثِينَ. وَمِن هَذِهِ الأسَانِيدِ عَرَفنَا شُيُوخَهُ، كمَا عَرَفنَا مِن بَعضِهَا شُيُوخَ أَخِيهِ أَبِي حَفصٍ عُمَرَ، الأمرُ الذِي يُفضِي إِلَى أَنَّ أخَاهُ هَذَا كَانَ عَلَى اهتِمَامٍ وعِنَايَةٍ بالحديثِ النَّبَوِيِّ أيضًا. وَعَرَفنَا كَذَلِكَ بَعضَ مَن نقلَ عنهُ الفضائِلَ (^١)،
سَوَاءٌ كَانَت النُّقُولُ فُصُولًا كَامِلَةً، أو أحاديثَ وأخبارًا متفرِّقَةً.» ا. هـ
_________________
(١) قلت - عمرو ـ: يروي كتاب الفضائل عن المؤلف تلميذه: «أبو محمد عبد العزيز بن أحمد بن عمر، المعروف بابن النصيبي». ونقل الإمام بهاء الدين ابن عساكر في كتابه «الجامع المستقصى في فضائل المسجد الأقصى» عن المؤلف، من طريق تلميذه «ابن النصيبي» هذا. وكل الروايات التي ينقلها من طريقه موجودة في كتابنا هذا. وكذلك ينقل عنه، من طريق تلميذه «أبي الحسين محمد بن حمُّود بن عمر بن الدليل الصواف المصري» [ترجمه ابن ماكولا في الإكمال (٢/ ١٣٢)، والمقريزي في «المقفى الكبير» (٥/ ٦١٢)]. ولكن، كل الروايات في «الجامع المستقصى» عن الواسطي، من طريق تلميذه «ابن الصواف» هذا، ليس منها شيء في كتابنا هذا، وهذا يدل على أنه أحد تلامذته، وليس من رواة كتابه كالنصيبي. والله أعلم. ومما يزاد في ترجمة الواسطي أيضا، أنه ورد عند بهاء الدين ابن عساكر في أكثر من موضع باسم: «محمد بن أحمد بن محمد البزار»، كما في: «باب نزول النور على بيت المقدس»، و«باب الجنة تحِنُّ شوقا إلى بيت المقدس، وهي سُرَّة الأرض». وهذه النسبة، البزار، لم أرها إلا عنده. ولعل كتب التراجم والطبقات والتواريخ التي لم تر النور بعد، تكشف لنا المزيد عن حياة هذا الإمام.
[ ٢٨ ]