وَمِن ذَلِكَ (^٣) الحَدِيثُ الذِي يُروَى في الصَّخرَةِ: أَنَّهَا عَرشُ اللهِ الأَدنَى. تَعَالَى اللهُ عن كَذِبِ المُفتَرِينَ.
وَلَمّا سَمِعَ عُروَةُ بنُ الزُّبَيرِ هَذَا قَالَ: «سُبحَانَ اللهِ! يَقُولُ اللهُ تَعَالَى ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وَتَكُونُ الصَّخرَةُ عَرشَهُ الأَدنَى؟!»
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم (١٠/ ٤١٣).
(٢) المصدر نفسُه (١٢/ ٤٧).
(٣) أي: مِن أمثلة مخالفة الحديث صريحَ القرآن.
[ ٤٩ ]
وَكُلُّ حَدِيثٍ في الصَّخرَةِ فَهُوَ كَذِبٌ مُفتَرَى، وَالقَدَمُ الذِي فِيهَا كَذِبٌ مَوضُوعٌ مِمّا عَمِلَتهُ أَيدِي المُزَوِّرِينَ. وَأَرفَعُ شَيءٍ في الصَّخرَةِ أَنَّهَا كانت قِبلَةَ اليَهُودِ، وَهِي في المَكَانِ كَيَومِ السَّبتِ في الزَّمَانِ، أَبدَلَ اللُه بِهَا الأُمَّةَ الكَعبَةَ البَيتَ الحَرَامَ.
وَلَمّا أَرَادَ أميرُ المُؤمِنِينَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ - ﵁ - أَن يَبنِيَ المَسجِدَ الأَقصَى استَشَارَ النَّاسَ هَل يَجعَلُه أَمَامَ الصَّخرَةِ أَو خَلفَهَا؟ فَقَالَ لَهُ كَعبٌ: «يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ! ابنِهِ خَلفَ الصَّخرَةِ». فَقَالَ: «يَا ابنَ اليَهُودِيَّةِ! خَالَطَتكَ اليَهُودِيَّةُ! بَل أَبنِيهِ أَمَامَ الصَّخرَةِ؛ حَتَّى لَا يَستَقبَلَهَا المُصَلونَ». فَبَنَاهُ حَيثُ هُو اليَومَ.
وَقَد أَكثَرَ الكَذَّابُونَ مِن الوَضعِ في فَضَائِلِهَا وَفَضَائِلِ بَيتِ المَقدِسِ.
وَالذِي صَحَّ في فَضلِهِ قَولُهُ - ﷺ -: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: المَسجِدِ الحَرَامِ وَالمَسجِدِ الأَقصَى وَمَسجِدِي هَذَا»، وَهُوَ في الصَّحِيحَينِ (^١). وَقَولُهُ - مِن حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ - وَقَد سَأَلَهُ: «أَيُّ مَسجِدٍ وُضِعَ في الأَرضِ أَوَّلُ؟»، فَقَالَ: «المَسجِدُ الحَرَامُ»، قَالَ: «ثُمّ أَيُّ؟»، قَالَ: «المَسجِدُ الأَقصَى» الحديث، وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (^٢). وَحَدِيثُ عِبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو: «لَمّا بَنَى سُلَيمَانُ البَيتَ سَأَلَ رَبَّهُ ثَلَاثًا، سَأَلَهُ حُكمًا يُصَادِفُ حُكمَهُ، فَأَعطَاهُ إِيَّاه، وَسَأَلَهُ مُلكًا لَا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِن بَعدِهِ، فَأَعطَاهُ إِيَّاهُ، وَسَأَلَهُ أَن لَا يَؤُمَّ أَحَدٌ هَذَا البَيتَ لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ فِيهِ إِلَّا رَجَعَ مِن خَطِيئَتِهِ كَيَومِ وَلَدَتهُ أُمُّهُ، وَأَنَا أَرجُو أَن يَكُونَ قَد أَعطَاهُ اللهُ ذَلِكَ.»، وَهُوَ في مُسنَدِ أحمَدَ، وَصَحِيحِ الحَاكِمِ (^٣).
_________________
(١) البخاري (١١٨٩)، ومسلم (١٣٩٧).
(٢) البخاري (٣٣٦٦)، ومسلم (٥٢٠).
(٣) أحمد (٢/ ١٧٦)، والحاكِم (١/ ٣٠ - ٣١). قلتُ: ذكر الإمام أبو حفص عمر بن بدر الموصلي الحنفي في كتابه (المغني عن الحفظ والكتاب) أنه لم يصح في فضائل بيت المقدس إلا ثلاثة أحاديث - ذَكر الحديثين المُتَقَدِّمين، ثم ثالِثًا وهو «أن الصلاة فيه تعدل سبعَ مئة صلاة.»، ويأتي نحوُه قريبا ـ، فتعقبه شيخُنا = = الشيخُ أبو إسحاق الحويني في كتابه (جنة المرتاب) (ص: ١٦٣) بأن هناك رابعًا، وذكر هذا الحديث - حديثَ ابنِ عمرو ـ، وصحّحه.
[ ٥٠ ]
وَفِي البَابِ حَدِيثٌ رَابِعٌ دُونَ هذِهِ الأَحَادِيثِ، رَواهُ ابنُ مَاجَه في «سُنَنِهِ» (^١)،
وَهُوَ حَدِيثٌ مُضطَّرِبٌ: أَنَّ الصَّلَاةَ فِيهِ بِخَمسِينَ ألفِ صَلَاةٍ. وَهَذَا مُحَالٌ؛ لِأَنَّ مَسجِدَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَفضلُ مِنهُ، وَالصَّلَاةُ فِيهِ تَفضُلُ عَلَى غَيرِهِ بِألفِ صَلَاةٍ، وَقَد رُوِيَ في بَيتِ المَقدِسِ التَّفضِيلُ بَخَمسِ مِئَةٍ، وَهُوَ أَشبَهُ. وَصَحَّ: أَنَّهُ - ﷺ - أُسرِيَ بِهِ إِلَيهِ، وَأنَّهُ صَلَّى فِيهِ، وَأَمَّ المُرسَلينَ في تِلكَ الصَّلَاةِ، وَرَبَطَ البُرَاقَ بِحَلَقَةِ البَابِ، وَعُرِجَ بِهِ مِنهُ. وَصَحَّ عَنهُ: أَنَّ المُؤمِنِينَ يَتَحَصَّنُونَ بِهِ مِن يَأجُوجَ وَمَأجُوجَ.
فَهَذَا مَجمُوعُ مَا صَحَّ فِيهِ مِنَ الأَحَادِيثِ.
ثُمّ افتَتَحَ الجِرَابَ، وَاكتَلَّ الأَحَادِيثَ المَكذُوبَةَ فِيهِ وَفِي الخَلِيلِ. فَقَبَّحَ اللهُ الكَاذِبِينَ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، المُحَرِّفِينَ لِلصَّحِيحِ مِن كَلَامِهِ. فَيَاللهِ! مَن لِلأُمّةِ مِن هَاتَينِ الطَّائِفَتَينِ!» ا. هـ (^٢).
وَلَقَد عَقَدَ المُصَنِّفُ مَجمُوعَةَ أَبوَابٍ عن الصَّخرَةِ، فقال:
بابُ فَضلِ الصَّخرَةِ وَالمَاءِ الذِي يَخرُجُ مِن أَصلِهَا.
بابُ مِعرَاجِ الصَّخرَةِ.
بابُ فَضلِ الصَّلَاةِ في الصَّخرَةِ، وَخَبَرِ السِّلسِلَةِ.
بابُ فَضلِ الصَّخرَةِ لَيلَةَ الرَّجفَةِ.
وَتَحتَ هَذِهِ الأَبوَابِ أَحَادِيثُ وَآثَارٌ كُلُّهَا لَا تَثبُتُ، كَانَت سَبَبًا في تَعظِيمِ النَّاسِ لِلصَّخرَةِ.
_________________
(١) (١٤١٣) ورواه المصنف برقم (١١)، فانظر تخريجه هناك ..
(٢) المنار المنيف في الصحيح والضعيف (ص: ٧٢ - ٧٥).
[ ٥١ ]
وَقَد قَدَّمنَا قَرِيبًا كَلَامَ ابنِ القَيِّمِ في أَنَّهُ لَم يَصِحَّ في الصَّخرَةِ حَدِيثٌ.
وَيَقُولُ شَيخُ الإسلَامِ ابنُ تَيمِيَةَ - ﵀ -: «وَأَمّا الصَّخرَةُ فَلَم يُصَلّ عِندَهَا عُمَرُ - ﵁ - وَلَا الصَّحَابَةُ، وَلَا كَانَ عَلَى عهدِ الخُلَفاءَ الرّاشِدِينَ عَلَيهَا قُبّةٌ، بَل كَانَت مَكشُوفَةً فَي خِلَافَةِ عُمرَ وعُثمَانَ وَعَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ وَيزِيدَ وَمَروَانَ، وَلَكن لَمّا تَوَلَّى ابنُهُ عَبدُ المَلِكِ الشَّامَ وَوَقَعَ بَينَهُ وبَينِ ابنِ الزُّبَيرِ الفِتنَةُ كَانَ النَّاسُ يَحُجُّونَ فَيجتَمِعُونَ بِابنِ الزُّبَيرِ، فأرَادَ عبدُ المَلِكِ أَن يَصرِفَ النَّاسَ عن ابنِ الزُّبَيرِ، فَبَنَى القُبَّةَ عَلَى الصَّخرَةِ، وكَسَاهَا في الشِّتَاءِ وَالصَّيفِ؛ لِيُرغِّبَ النَّاسَ في زِيَارَةِ بَيتِ المَقدِسِ، وَيَشتَغِلُوا بِذَلِكَ عن اجتِمَاعِهِم بِابنِ الزُّبَيرِ. وَأَمَّا أهلُ العِلمِ مِن الصَّحَابَةِ والتَّابِعِينَ لهُم بِإحسَانٍ فَلَم يَكُونُوا يُعَظِّمُونَ الصَّخرَةَ؛ فَإنَّها قِبلَةٌ مَنسُوخَةٌ، كَمَا أنَّ يومَ السَّبتِ كَانَ عِيدًا في شَريعَةِ مُوسَى - ﵇ - ثُمّ نُسخَ في شَريعَةِ مُحمَّدٍ - ﷺ - بِيَومِ الجُمُعَةِ، فَلَيسَ لِلمُسلِمِينَ أَن يَخُصُّوا يومَ السَّبتِ وَيومَ الأَحَدِ بِعِبَادَةٍ كَمَا تَفعَلُ اليَهُودُ وَالنَّصَارَى، وَكَذلكَ الصَّخرةُ إِنَّمَا يُعَظِّمُهَا اليَهُودُ وَبَعضُ النَّصَارَى.
وَمَا يَذكُرُهُ بعضُ الجُهَّالِ فِيهَا مِن أَنّ هُناكَ أَثَرَ قَدَمِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَأَثرَ عِمَامَتِهِ وَغَيرَ ذَلِكَ فَكُلُّهُ كَذِبٌ، وَأَكذبُ مِنهُ مَن يَظُنُّ أَنَّه مَوضِعُ قَدمِ الرَّبِّ. وَكَذَلكَ المكَانُ الذِي يُذكَرُ أَنَّه مَهدُ عِيسَى - ﵇ - كَذِبٌ، وَإِنَّمَا كَان مَوضِعَ مَعمُودِيَّةِ النَّصَارَى. وَكَذَا مَن زَعَمَ أَنَّ هُنَاك الصِّرَاطَ وَالِميزَانَ، أَو أَنّ السُّورَ الذِي يُضرَبُ بِه بَينَ الجَنّةِ وَالنَّارِ هُو ذَلِكَ الحَائِطُ المَبنِيُّ شَرقِيِّ المَسجِدِ. وَكَذَلكَ تَعظِيمُ السِّلسِلَةِ أَو مَوضِعِهَا لَيسَ مَشرُوعًا.
[ ٥٢ ]