في ذِكر ما جَرى ببَيت المقدِس أخيرًا (^١)
أخذ الفِرِنجُ بيتَ المَقدِسِ يومَ الجُمُعَةِ، ثالثَ وعِشرِينَ شعبانَ، سنةَ اثنَين [وتِسعِين] (^٢) وأربعِ مِئةٍ، وقَتَلُوا [فيها] (^٣) زائدًا على سبعينَ ألفَ مُسلِمٍ، وأخَذُوُا من عِندِ الصَّخرةِ نيِّفًا وأربَعِينَ قندِيلًا مِن فِضَّةٍ، كلُّ قندِيلٍ وزنُهُ ثلاثةُ آلافٍ وسِتُّ مِئةِ دِرهَمٍ، وأَخَذُوا تَنُّورًا مِن فِضَّةٍ وَزنُهُ أربَعُون رَطلًا بالشَّاميِّ، وأَخَذُوا نَيِّفًا وعِشرِينَ قندِيلًا مِن ذَهَبٍ، ومن [الثِّياب] (^٤) وغيرِهَا ما لا يُحصَى.
وورد [المُستنفَرُون] (^٥) من بلادِ الشَّامِ وأخبَرُونا بما جَرَى على المُسلِمين. وقام القاضي أبو سَعدٍ الهَرَوِيُّ قاضي دِمشقَ (^٦) في الدِّيوانِ ببغَدادَ، وأَورَدَ كلامًا أَبكَى الحَاضِرين، فنَدَبَ مِن الدِّيوانِ مَن يَمضِي إلى العَسكَر، ويُعَرِّفُهم حالَ هذه
_________________
(١) (*) يُنظر: «المنتظَم» لابن الجَوزِيِّ (٤/ ١٩١ - ط. صادر).
(٢) في «الأصل»: وسبعين. والمُثبَت من «ن»، و«م» والمصادر.
(٣) زيادةٌ من «م».
(٤) كذا في «ن»، و«م». وفي «الأصل»: البيان.
(٥) في «الأصل»، و«م»: المسفرون. وفي «ن»: المستفرون. ولعلَّ ما أثبتُّه هو الصَّحيح.
(٦) هو: مُحمَّدُ بنُ نصر بن منصُورٍ أبُو سعدٍ الهَرَوِيُّ (ت:٥١٩ هـ). يُنظر: «تاريخ دمشق» لابن عساكر (٥٩/ ٥٣)، و«البداية والنِّهاية» (١٦/ ٢٦٨ - ط. عالم الكُتُب)، و«طبقات الشَّافعيَّة» للسُّبْكيِّ (٧/ ٢٢)، و«تاريخ الإسلام» للذَّهبيِّ (٣٥/ ٤٢٨). وورد في بعض المصادر أنَّه تُوفِّي سنة ٥١٨ هـ.
[ ١٠٣ ]
المُصِيبَةِ، فندب لذلك أعيانَ العُلماء، مثلَ ابنِ عَقيلٍ (^١) وغيرِهِ، فتعلَّلُوا واعتَذَرُوا، ووَقَعَ التَّقاعُدُ.
وقال أبُو المُظفَّر [الآبِيْوَرْدِيُّ] (^٢) [قصيدةً] (^٣) يَصِفُ فيها الحالَ:
وَكَيفَ تَنَامُ العَينُ مِلْءَ جُفُونِهَا عَلَى هَفَوَاتٍ أَيْقَظَت كُلَّ نَائِم
وَإِخوَانُكُم بِالشَّامِ يُضحِى (^٤) مَقِيلُهُم ظُهُورَ المذَاكِي، أَو بُطُونَ القَشَاعِم
تَسُومُهُمُ (^٥) الرُّومُ الهَوَانَ، وَأَنتُمُ تَجُرُّونَ ذَيلَ الخَفْضِ فِعْلَ المُسَالِم
وَتِلكَ حُرُوبٌ مَن يَعِفْ عَن عِمَادِهَا (^٦) لِيسْلَمَ، يَقْرَعْ بَعْدَهَا سِنَّ نَادِم
يَكَادُ لَهُنَّ المُسْتَجِنُّ بَطَيْبَةٍ يُنَادِي بِأَعلَى الصَّوتِ: يَا آلَ هَاشِمِ!
أَرَى أُمَّتي لَا يُسرِعُون (^٧) إِلَى العِدَى رِماحَهُمُ، وَالدِّينُ وَاهِي الدَّعَائِم
_________________
(١) هو: أبو الوفاء عليُّ بنُ عقيل بن مُحمَّدٍ الحَنبَليُّ (ت:٥١٣ هـ). يُنظر: «سير أعلام النُّبلاء» للذَّهبيِّ (١٩/ ٤٤٣)، وغيرَه.
(٢) في «الأصل»: الأتورديُّ. وما أثبتُّه من «ن»، و«م». وهو: مُحمَّد بنُ أبي العبَّاس أحمد بن إسحاق الأُمَوِيُّ (ت:٥٠٧ هـ). يُنظر: «تاريخ الإسلام» للذَّهبيِّ (٣٥/ ١٨٣)، «وشَذَرَات الذَّهَب» لابن العِمَاد (٤/ ١٨)، و«طبقات الشَّافعيَّة» للسُّبكيِّ (٦/ ٨١)، وغيرَها.
(٣) في «الأصل»: قضيَّة. والمُثبَت من «ن»، و«م». ويُنظَر لهذه القصيدة: «البداية والنِّهاية» (١٦/ ١٦٧ - ط. عالم الكتب)، «والأُنْس الجَلِيل» (١/ ٣٠٩).
(٤) في «م»: أَضحَى.
(٥) في «م»: تسوقهم.
(٦) في «م»: من يَغب عن حُماتها. وفي «البداية والنِّهاية»: من يغب عن غِمَارِها.
(٧) في «م»، و«البداية والنِّهاية»: لا يُشرِعون.
[ ١٠٤ ]
وَيَجتَنِبُونَ النَّارَ (^١) خَوفًا (^٢) مِنَ [الرَّدَى] (^٣) وَلَا يَحسِبُونَ العَارَ ضَربَةَ لَازِم
أَتَرضَى صَنَادِيدُ [الأَعَارِيبِ] (^٤) بِالأَذَى وَتُغْضِي [عَلَى ذُلٍّ] (^٥) كُمَاةُ الأَعَاجِم
فَلَيتَهُمُ إذْ لم يَذُوْدُوْا حَمِيَّةً عَنِ الدِّين، [ضَنُّوا] (^٦) غَيرَةً بِالمَحَارِم
وَإِنْ زَهِدُوا فِي الأَجرِ إِذْ حَمِيَ الوَغَى [فَهَلَّا] (^٧) أَتَوهُ رَغبَةً في [المَغَانِمِ] (^٨)؟!
وما زال بَيتُ المَقدِسِ مع الكُفَّار إلى سنةِ ثلاثٍ وثمانِينَ وخمسِ مِئةٍ، فقَصَدَهُ صلاحُ الدِّينِ النَّائِبُ هناك عن أميرِ المُؤمِنِين النَّاصِرِ لِدِينِ اللهِ بعد أنْ مَلَكَ ما حَولَهُ، فوَصَلَ الخَبَرُ إلينا في سابعٍ وعِشرِينَ من رَجبٍ سنةَ ثلاثٍ وثمانِينَ وخمسِ مِئةٍ أنَّ يُوسُفَ بنَ أيُّوبَ المُلقَّبَ بصلاحِ الدِّين فَتَحَ بيتَ المَقدِسِ، وخَطَبَ فيه بنفسِهِ، وصلَّى فيه. ﵀، ورَضِيَ عَنهُ.
* * *
_________________
(١) في «البداية والنِّهاية»: الثأر.
(٢) ليست في «ن».
(٣) في «الأصل»: الورى. وما أثبتُّه من «ن»، و«م»، و«البداية والنِّهاية».
(٤) في «الأصل»: الأغاريب. وما أثبتُّه من «ن»، و«م»، و«البداية والنِّهاية».
(٥) في «الأصل»: على كلِّ ذلٍّ. وما أثبتُّه من «ن»، و«م»، و«البداية والنِّهاية».
(٦) في «الأصل»، و«ن»: ظنوا. وما أثبتُّه من «م».
(٧) في «الأصل»: فلا. وما أثبتُّه من «ن»، و«م».
(٨) في «الأصل»، و«ن»: المعالم. وفي «البداية والنهاية»: الغنائم.
[ ١٠٥ ]