هو الشَّيخُ الإمامُ العلَّامةُ الحافظُ المُفسِّرُ شيخُ الإِسلامِ مَفخَرَةُ العِراقِ، جمالُ الدِّين أبُو الفَرَجِ عبدُ الرَّحمنِ بنُ عليِّ بنِ مُحمَّدِ بنِ عليِّ بنِ عُبيدِ الله، القُرَشِيُّ التَّيمِيُّ البَكرِيُّ البَغدَادِيُّ الحَنبَليُّ، الواعظُ، صاحبُ التَّصانِيف.
وُلد سنةَ تِسعٍ، أو عشرٍ، وخمسِ مئةٍ.
سَمِعَ من أبي القاسمِ ابنِ الحُصَين، وأبي غالبٍ ابنِ البَنَّاءِ، وأبي منصُورٍ ابنِ خَيرُونَ، وعبدِ الوهَّابِ بنِ المُبارَك الأَنمَاطِيِّ الحافظِ، وأبي الوَقتِ السِّجزِيِّ، وابنِ ناصرٍ، وابن البَطِّيِّ، وطائفةٍ، قد خَرَّج عنهم مَشيخَةً.
لم يَرحَل في الحديث، لكنَّهُ عنده «مُسنَد الإمام أحمدَ»، و«الطَّبَقات» لابنِ سعدٍ، و«تاريخ الخطيب» وأشياءُ عاليةٌ، و«الصَّحيحان»، و«السُّنَن» الأربعة، و«الحِليَة»، وعدَّةُ تواليفَ وأَجزاءَ.
وانتَفَعَ في الحديثِ بمُلَازَمةِ ابنِ ناصرٍ، وفي القُرآنِ والأَدبِ بِسِبطِ الخَيَّاطِ، وابنِ الجَوَالِيقِيِّ، وفى الفِقهِ بطائِفَةٍ.
حدَّثَ عنه: وَلَدُهُ الصَّاحبُ العلَّامَةُ مُحيِي الدِّين يُوسُفُ، ووَلَدُهُ الكبيرُ عليٌّ النَّاسِخُ، وسِبطُهُ الواعظُ شمسُ الدِّين صاحبُ «مِرآة الزَّمان»، والحافظُ
_________________
(١) بتصرُّفٍ من «سير أعلام النُّبلاء» للإمام الذَّهبِيِّ (٢١/ ٣٦٥). وترجم لابنِ الجَوزِيِّ جُلُّ مَن ألَّف في التَّراجِم ممَّن جاء بعده، ذَكَرَ الدُّكتُور: عبدُ الحكيم الأنيس في بحثٍ له بعُنوان: «كُتُب الفضائل: نظراتٌ تقِويمِيَّةٌ. «تاريخُ بيتِ المَقدِسِ» المنسُوبِ لابن الجَوزِيِّ نُموذجًا»، نشره معهد المخطوطات العربيَّة في «تراث القدس» (ص:١٩٤)، ذكر أكثر من خمسين مصدرًا من المصادر التي ترجَمَت له.
[ ١٣ ]
عبدُ الغَنِيِّ المَقدِسِيُّ، والشَّيخُ مُوفَّقُ الدِّين ابنُ قُدَامَةَ، وابنُ النَّجَّار، وخلقٌ سِواهُم.
كان رأسًا في التَّذكِيرِ بلا مُدافَعةٍ، يقُولُ النَّظمَ الرَّائقَ، والنَّثرَ الفَائِقَ بديهًا. لم يَأتِ قَبلَهُ ولا بَعدَهُ مِثلُهُ، فهو حاملُ لِواءِ الوَعظِ. كان بَحرًا في التَّفسِيرِ، علَّامَةً في السِّيَرِ والتَّارِيخِ، موصُوفًا بحُسنِ الحدِيثِ، ومَعرِفَةِ فُنُونِهِ، فَقِيهًا، علِيمًا بالإِجماعِ والاختِلَافِ، جيِّدَ المُشارَكة في الطِّبِّ، ذا تَفَنُّنٍ وفَهمٍ وذَكاءٍ وحِفظٍ واستِحضَارٍ وإِكبابٍ على الجَمعِ والتَّصنِيفِ. ما عُرِف أحدٌ مِثلُهُ في التَّصنيف.
تُوُفِّي أبُوهُ وَلَهُ ثلاثةُ أعوامٍ، فربَّتهُ عمَّتُهُ. وأقاربُهُ كانُوا تُجَّارًا في النُّحاس.
بَلَغَت تآلِيفُهُ مِئَتَين وخَمسِين تَأليفًا، كما وُجد بخطِّهِ.
منها: «زادُ المَسِير» في التَّفسير، و«التَّحقيق» في مسائِلِ الخِلاف، و«الموضُوعاتُ»، و«الضُّعَفاء»، و«المنتظَم» في التَّاريخ، و«المُدهِش»، و«صيدُ الخاطر»، و«صِفَةُ الصَّفْوَة»، و«تلبِيسُ إِبليسَ»، و«الأذكِياءُ»، و«مِنهاجُ القَاصِدين»، و«الوَفَا بفَضائِلِ المُصطفَى»، و«النَّاسِخ والمنسُوخ»، و«الثَّبَات عند المَمَات»، وغيرُهُم كثيرٌ.
من غُرَرِ أَلفَاظِهِ:
«عَقارِبُ المَنَايَا تَلسَعُ، وخَدْرَانُ جِسمِ الآمالِ يَمنَعُ، ومَاءُ الحياةِ في إناء العُمرِ يرشَحُ».
[ ١٤ ]
وسألَهُ رجُلٌ: «أيُّما أفضلُ: أُسَبِّحُ أو أستَغفِرُ؟»، فقال: «الثَّوبُ الوَسِخُ أَحوَجُ إلى الصَّابُون من البخُور».
وقال: «من قَنَعَ طاب عَيشُهُ، ومن طَمَعَ طال طَيشُهُ».
وقد نالَتهُ مِحنَةٌ في أواخِرِ عُمرِهِ، ووَشَوْا بِهِ إلى الخَلِيفَةِ بأمرٍ اختُلِف في حقيقَتِهِ، فجاء مَن شَتَمَهُ وأَهَانَهُ، وأَخذَهُ قَبضًا باليدِ، وخَتَمَ على دارِهِ، وشَتَّتَ عِيالَهُ، ثُمَّ أُقعِد في سفينةٍ إلى مدينةِ وَاسِط، فحُبِس بها في بيتٍ حَرِجٍ، وبَقِي هو يَغسِلُ ثَوبَهُ ويَطبُخُ الشَّيءَ، فبَقِي على ذلك خمسَ سِنين ما دَخَلَ فيها حمَّامًا.
وكان السَّببُ في خَلاصِهِ أنَّ وَلَدَهُ يُوسُفَ نشأ واشتَغَلَ وعَمِلَ في هذه المُدَّةِ الوَعظَ وهو صبِيٌّ، وتَوَصَّلَ حتى شَفَعَت أُمُّ الخليفةِ، وأَطلَقَت الشَّيخَ.
قال المُوفَّقُ عبدُ اللَّطيف: «كان كثيرَ الغَلَطِ فيما يُصَنِّفُه؛ فإنَّهُ كان يَفرَغُ من الكتاب ولا يَعتَبِرُهُ».
قال الذَّهَبِيُّ: «قُلتُ: هكذا هو، له أوهامٌ وألوانٌ في تركِ المُراجَعة، وأَخْذِ العِلمِ من صُحُفٍ. وصَنَّف شيئًا، لو عَاشَ عُمرًا ثانيًا لما لَحِقَ أن يُحرِّرَه ويُتقِنَه».
مَرِضَ خمسةَ أيَّامٍ، وتُوُفِّي ليلة الجُمُعةِ بين العِشَاءَين، الثَّالثَ عَشرَ من رمضانَ سنة ٥٩٧ هـ.
[ ١٥ ]