قال اللهُ تعالَى: ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٢١] (^١).
قال الزَّجَّاجُ (^٢): المقدَّسَةُ: المُطهَّرَةُ.
وقيل للسَّطلِ: القَدَسُ؛ لأنَّهُ يُتطهَّرُ منه (^٣).
وسُمِّي: بيتَ المَقدِس؛ لأنَّهُ يُتطهَّرُ فيه مِن الذُّنُوب (^٤).
وقيل: سمَّاها مقَّدسةً (^٥)؛ لأنَّهَا طُهِّرِت من الشِّرك، وجُعِلَت مَسكَنًا للأَنبِيَاء والمُؤمِنين.
وفي المُرادِ بـ «الأَرضِ المُقدَّسةِ» أربعةُ أقوالٍ:
_________________
(١) وقعت في «الأصل»، و«ن»: قال الله تعالى: «وإذ قال موسى لقومه يا قوم ادخلوا الأرض المقدَّسة». وجاءت في «م» على الصَّواب.
(٢) هو: أبُو إسحاق إبراهيمُ بنُ مُحمَّد بنِ السَّرِيِّ بنِ سَهلٍ الزَّجَّاجُ النَّحويُّ. تُوفي سنةَ عشرٍ، وقيل: إحدَى عشرةَ، وقيل: ستَّ عشرةَ، وثلاثِ مِئةٍ، ببغدادَ. * يُنظر: «تاريخ بغداد» للخطيب (٦/ ٨٩)، و«وَفَيَات الأَعيان» لابن خَلِّكان (١/ ٤٩).
(٣) قال ابنُ منظُورٍ في «لسان العرب» مادة «قدس»: «القَدَس بالتَّحريك: السَّطْلُ، بلُغة أهل الحِجاز؛ لأنَّه يُتطهَّر فيه »، وفيه هذا النَّقل عن الزَّجَّاج.
(٤) هذا نصُّ كلام القاضي عِياضٍ في «الشِّفا بتعريف حُقوق المُصطفَى» (١/ ٢٥٩).
(٥) في «م»: مُطهَّرة.
[ ٤٥ ]
أحدُهَا: [أنَّها] (^١) أريحا. قاله ابنُ عبَّاسٍ (^٢).
قال السُّدِّيُّ (^٣): أريحا هي أرضُ بَيتِ المَقدِس (^٤).
وقال الضَّحَّاكُ (^٥): المُرادُ بهذه الأَرضِ: إِيلِيَاءُ، وبيتُ المَقدِس.
وقال ابنُ قُتيبةَ (^٦):
وقرأتُ في مُناجاةِ مُوسَى، أنَّه قال: «اللَّهُمَّ! إنَّك اخترتَ من الأَنعامِ الضَّانيةَ، ومن الطَّيرِ الحَمامةَ، [ومن البُيوت مكَّةَ] (^٧)، وإِيلِيَاءَ مِن إيلياءَ بيتِ المَقدِس (^٨)».
فهذا يدُلُّ على أنَّ إِيلِياءَ: الأرضُ التي فيها بيتُ المَقدِس.
[وقرأتُ على شيخِنا أبي منصُورٍ اللُّغوِيِّ (^٩)، قال: إِيلياءُ: بيتُ
_________________
(١) كذا في «ن»، و«م». ووقعت في «الأصل»: أنَّه.
(٢) أخرجه ابنُ جَريرٍ في «تفسيره» (٨/ ٢٨٥) بإسناده عن ابن عبَّاسٍ. وسَنَدُهُ صحيحٌ.
(٣) هو: إسماعيلُ بنُ عبد الرَّحمن السُّدِّيُّ أبو مُحمَّدٍ. توُفِّي سنة ٢٢٧ هـ. * يُنظر: «تهذيب الكمال» (٣/ ١٣٢).
(٤) أخرجه ابنُ جَريرٍ في «تفسيره» (١/ ٧٠٧) بإسناده عن السُّدِّيِّ. وإسنادُهُ ضعيفٌ.
(٥) هو: الضَّحاك بنُ مُزاحمٍ الهِلاليُّ أبو القاسم. توُفِّي سنة ١٠٦ هـ.
(٦) هو: أبو مُحمَّدٍ عبدُ الله بنُ مُسلم بن قُتيبةَ الدِّينَورِيُّ. توُفِّي سنة ٢٧٦ هـ. * يُنظر: «سير أعلام النُّبَلاء» للذَّهبيِّ (١٣/ ٢٩٦)، و«وَفَيَات الأعيان» لابن خَلِّكان (٣/ ٤٢).
(٧) زيادةٌ من «م»، ومن «عُيون الأخبار».
(٨) قال ابنُ قُتيبةَ في «عُيون الأخبار» (٢/ ٧٦ - ط. الذَّخائر): حدَّثَني عبدُ الرَّحمن بن عبد المُنعِم، عن أُميَّة، عن وهب بنِ مُنبِّهٍ، أنَّه قال: «كان في مُناجاة عُزيرٍ: اللَّهُمَّ! »، وذكره مع بعض التَّغيير.
(٩) هو: أبو منصُورٍ موهوبُ بنُ أحمدَ بنِ مُحمَّدٍ الجَوَالِيقِيُّ. ذكرَهُ المُؤلِّف في «مَشيَخته» (ص:١٢٤)، وقال: «انتهَى إليه علمُ اللُّغة». * ويُنظر: «سير أعلام النُّبلاء» (٢٠/ ٨٩).
[ ٤٦ ]
المَقدِس] (^١). وهو مُعَرَّبٌ.
قال الفَرَزدقُ (^٢):
وبيتان، بيتُ الله نحنُ وُلَاتُه وبيتٌ بأَعْلَى إِيلِيَاءَ مُشَرَّفُ (^٣)
[وقال] (^٤) قتادةُ (^٥):
الأرضُ المُقدَّسةُ: الشَّامُ كُلُّه (^٦).
* * *
_________________
(١) زيادةٌ من «م»، وكذا في «زاد المَسِير» للمؤلِّف (٢/ ٣٢٣ - ط. المَكتب الإسلاميِّ).
(٢) أبو فِراسٍ همَّامُ بنُ غالب بن صَعصَعَةَ الفَرَزدَقُ. شاعرُ عَصرِه. تُوفِّي سنة ١١٠ هـ. = = * يُنظر: «سير أعلام النُّبلاء» للذهبي (٤/ ٥٩٠)، و«وَفَيَات الأعيان» لابن خَلِّكان (٦/ ٨٦).
(٣) من قصيدةٍ للفَرَزدَقِ قالها لجريرٍ، أوَّلُها: عَزَفْتَ بأعشاشٍ وما كدتَ تعزِف وأنكرتَ مِنْ حَدراءَ ما كُنتَ تَعْرِفُ
(٤) زيادةٌ من «ن». وقولُ قتادةَ هذا ليس في «م».
(٥) هو: قتادةُ بنُ دِعامة، أبو الخطَّاب السَّدُوسِيُّ البَصرِيُّ. توُفِّي سنة ١١٨ هـ. * يُنظر: «سير أعلام النُّبلاء» للذَّهبيِّ (٥/ ٢٦٩)، و«وَفَيَات الأعيان» لابن خَلِّكان (٤/ ٨٥).
(٦) أخرَجَه عبدُ الرَّزَّاق في «تفسيره» (١/ ١٨٦)، وابنُ جَريرٍ في «تفسيره» (٨/ ٢٨٥). وذكر ابنُ الجَوزِيِّ هنا قولين من الأربعة. وكذا ذكرهما في «زاد المَسير» وزاد: «والقولُ الثَّاني: أنَّها الطُّور ومن حوله. رواه مُجاهِدٌ، عن ابنِ عبَّاسٍ، وقال به [ابنُ جريرٍ: (٨/ ٢٨٤ - ٢٨٥)]. والثَّالث: أنَّها دمشقُ، وفلسطينُ، وبعضُ الأردُن. رواهُ أبُو صالحٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ».
[ ٤٧ ]