فَقَالَتْ: يَا بَرِيرَةُ قُومِي فَأَعْطِيهِ.
فَتَثَاقَلْتُ، ثُمَّ قَالَتْ لَهَا: قُومِي فَأَعْطِيهِ.
فَلَمَّا رَأَيْتُهَا قَدْ عَزَمَتْ قُمْتُ فَأَعْطَيْتُهُ، وَلَيْسَ عِنْدَنَا طَعَامٌ غَيْرُهُ، فَلَمَّا أَمْسَيْنَا، وَأَفْطَرْنَا دَعَتْ بِمَاءٍ فَشَرِبَتْ، ثُمَّ وَضَعَتْ رَأْسَهَا فَغَفَتْ.
فَإِذَا إِنْسَانٌ يَسْتَأْذِنُ عَلَى الْبَابِ، فَقَالَتْ: يَا بَرِيرَةُ انْظُرِي مَنْ هَذَا؟ قَالَتْ: فَإِذَا إِنْسَانٌ يَحْمِلُ جَفْنَةٌ فِيهَا شَاةٌ مَصْلِيَّةٌ، وَفَوْقَهَا خُبْزٌ قَدْ مَلأَ الْجَفْنَةَ.
قَالَتْ بَرِيرَةُ: فَمِنَ السُّرُورِ مَا دَرَيْتُ كَيْفَ رَفَعْتُ؟ فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: كَيْفَ رَأَيْتِ هَذَا خَيْرٌ أَمْ رَغِيفُكِ؟ قَالَتْ: قُلْتُ: بَلْ هَذَا.
فَقَالَتِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ.
هَذَا مَعَ مَا ادَّخَرَ اللَّهُ لَنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
قَالَتْ: وَلَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْتِي عَلَيْهِمُ الْهِلالُ، ثُمَّ الْهِلالُ، ثُمَّ الْهِلالُ، مَا يُوقِدُونَ فِيهِ نَارَ السِّرَاجِ وَلا غَيْرِهِ "
[ ٢٨ ]
٢٨ - حَدَّثَنَا الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدٍ رِزْقُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، قَدِمَ عَلَيْنَا، ثنا أَبُو الْحُسَيْنِ الْحَمَامِيُّ، ثنا أَبُو بَكْرٍ الآجُرِّيُّ، ثنا أَبُو الْفَضْلِ الْعَبَّاسُ بْنُ يُوسُفَ الشِّكْلِيُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ السُّلَمِيُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ التَّمِيمِيُّ، قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، مُؤَذِّنُ مَسْجِدِ بَنِي حِزَامٍ، جَاوَرَنِي شَابٌّ.
قُلْتُ: إِذَا أَذَّنْتُ لِلصَّلاةِ، وَأَقَمْتُ كَأَنَّهُ فِي نَقْرَةِ قَفَايَ، فَإِذَا صَلَّيْتُ صَلَّى، ثُمَّ صَلَّيْتُ، لَبِسَ نَعْلَيْهِ، ثُمَّ دَخَلَ مَنْزِلَهُ فَكُنْتُ أَتَمَنَّى أَنْ يُكَلِّمَنِي، أَوْ يَسْأَلَنِي حَاجَةً.
فَقَالَ لِي ذَاتَ يَوْمٍ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عِنْدَكَ مُصْحَفٌ تُعِيرُنِي أَقْرَأُ فِيهِ.
فَأَخْرَجْتُ إِلَيْهِ مُصْحَفًا، فَدَفَعْتُهُ إِلَيْهِ، فَضَمَّهُ إِلَى صَدْرِهِ، ثُمَّ قَالَ: لَيَكُونَنَّ لِيَ الْيَوْمَ وَلَكَ شَأْنٌ.
وَفَقَدْتُهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ فَلَمْ أَرَهُ يَخْرُجُ، فَأَقَمْتُ لِلْمَغْرِبِ فَلَمْ يَخْرُجْ، وَأَقَمْتُ لِلْعِشَاءِ الآخِرَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ، فَسَاءَ ظَنِّي، فَلَمَّا صَلَّيْتُ الْعِشَاءَ الآخِرَةَ حَيْثُ الدَّارُ الَّتِي هُوَ فِيهَا، فَإِذَا فِيهَا دَلْوٌ وَمَطْهَرَةٌ، وَإِذَا عَلَى بَابِهِ سِتْرٌ فَدَفَعْتُ الْبَابَ فَإِذَا بِهِ مَيِّتًا وَالْمُصْحَفُ عَلَى حِجْرِهِ، فَأَخَذْتُ الْمُصْحَفَ مِنْ حِجْرِهِ، وَاسْتَعَنْتُ بِقَوْمٍ عَلَى حَمْلِهِ حَتَّى وَضَعْنَاهُ عَلَى سَرِيرِهِ، وَبَقِيتُ لَيْلَتِي أُفَكِّرُ مَنْ أُكَلِّمُ حَتَّى يُكَفِّنَهُ، فَأَذَّنْتُ لِلْفَجْرِ بِوَقْتٍ، وَدَخَلْتُ الْمَسْجِدَ لأَرْكَعَ فَإِذْ أُبْصِرُ فِي الْقِبْلَةِ فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَإِذَا كَفَنٌ مَلْفُوفٌ فِي الْقِبْلَةِ، فَأَخَذْتُهُ وَحَمِدْتُ اللَّهَ ﷿، وَأَدْخَلْتُهُ الْبَيْتَ وَخَرَجْتُ، فَأَقَمْتُ الصَّلاةَ فَلَمَّا سَلَّمْتَ فَإِذَا عَنْ يَمِينِي ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ، وَمَالِكُ بْنُ دِينَارٍ، وَحَبِيبٌ الْفَارِسِيُّ، وَصَالِحٌ الْمُرِّيُّ، فَقُلْتُ: يَا إِخْوَانِي مَا غَدَا بِكُمْ؟ قَالُوا مَاتَ فِي جِوَارِكَ اللَّيْلَةَ أَحَدٌ؟ قُلْتُ: مَاتَ شَابٌّ كَانَ يُصَلِّي مَعَنَا الصَّلَوَاتِ.
فَقَالُوا لِي: أَرِنَاهُ.
فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ كَشَفَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ، ثُمَّ قَبَّلَ مَوْضِعَ سُجُودِهِ، ثُمَّ قَالَ: أَنْتَ يَا لَيْتَنِي أَنْتَ يَا أَبَا الْحَجَّاجِ إِذَا عُرِفْتَ فِي مَوْضِعٍ تَحَوَّلْتَ مِنْهُ إِلَى مَوْضِعٍ غَيْرِهِ حَتَّى لا تُعْرَفَ، خُذُوا فِي غُسْلِهِ، فَإِذَا مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَفَنٌ فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنَا أُكَفِّنُهُ فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ مِنْهُمْ، قُلْتُ لَهُمْ: إِنِّي فَكَّرْتُ فِي أَمْرِهِ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، فَقُلْتُ مَنْ أُكَلِّمُ حَتَّى يُكَفِّنَهُ، فَأَتَيْتُ الْمَسْجِدَ فَأَذَّنْتُ، ثُمَّ دَخَلْتُ لأَرْكَعَ فَإِذَا كَفَنٌ مَلْفُوفٌ لا أَدْرِي مَنْ وَضَعَ.
فَقَالُوا: يُكَفَّنُ فِي هَذَا الْكَفَنِ.
فَكَفَّنَّاهُ، وَأَخْرَجْنَاهُ، فَمَا كِدْنَا نَرْفَعُ جَنَازَتَهُ مِنْ كَثْرَةِ مَنْ حَضَرَ مِنَ الْجَمْعِ
[ ٢٩ ]
٢٩ - . . . . . . . عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الأَسْلَمِيِّ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِبَطْنِ غَافِقٍ اسْتَقْبَلَتْنَا ضَبَابَةٌ، فَأَضَلَّتْنَا عَنِ الطَّرِيقِ فَلَمْ نَسْتَبِينَ حَتَّى ظَلِلْنَا عَلَى الْجَدَادِ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَدَلَ إِلَى كَثِيبٍ، فَأَنَاخَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يُصَلِّيَ حَتَّى إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِرَأْسِ رَاحِلَتِهِ، ثُمَّ مَشَى، وَعَبْدُ اللَّهِ الأَسْلَمِيُّ إِلَى جَنْبِهِ.
قَالَ: فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ عَلَيَّ قَالَ: «قُلْ».
قَالَ: مَا أَقُولُ؟ قَالَ: «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ»، ثُمَّ قَالَ: «قُلْ».
قُلْتُ: مَا أَقُولُ؟ قَالَ: " قُلْ كَمَا أَقُولُ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ﴿١﴾ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ﴿٢﴾﴾ [الفلق: ١ - ٢] ".
حَتَّى فَرَغْتُ مِنْهَا، ثُمَّ قَالَ: «قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ».