لا شك أن المناوي وجد أمامه مكتبة حديثية هائلة اطلع عليها، وتظهر سعة اطلاعه وقابليته للنقد في بيان أوهام العلماء والمصنفين السابقين، فقد كشف في مواضع كثيرة عن أوهام وأخطاء وقع فيها علماء كبار ثم صححها، وأبرز العلماء الذين
[ ١ / ٣٢ ]
استدرك عليهم أخطاءهم هم: الحاكم، وابن الأثير، وابن دقيق العيد، والمجد ابن تيمية، ومحب الدين الطبري، والمنذري، والذهبي، وغيرهم. فيقول كثيرا: "ذكر الحاكم هذا الحديث فيما استدركه على الصحيحين من حديث الليث وهو وهم، فإنه ثابت في مسلم كما بينته والعجب من تقرير الذهبي له على ذلك في تلخيصه". وكقوله كذلك: "وصححه الحاكم وأقره الذهبي، في مختصر المستدرك على تصحيحه، وفي ذلك نظر، فإن في سند أبي داود والحاكم فلانًا". وقوله: "ومن العجب استدراك الحاكم هذا الحديث في المستدرك بهذا السند، وأعجب منه سكوت الذهبي على ذلك". وكقوله: "ذكر الحاكم هذا الحديث في المستدرك وقال: على شرط مسلم، واعترض عليه الذهبي بأن العلاء بن خالد الكاهلي هو راويه عن .. قال: والعلاء كذبه أبو سلمة التبوذكي، انتهى، ثم قال: وهذا وهم من الإمامين، أما الحاكم فوهم فيما استدركه على مسلم، والحديث ثابت في صحيح مسلم، وأما الذهبي فأقره واعترض بطعنه في العلاء وقد رواه مسلم من حديث العلاء عن سفيان كما رواه الحاكم، والله أعلم". وقال أيضا: "ذكر الذهبي شعيب بن رزيق هذا في الكاشف وعلم عليه علامة أبي داود خاصة، وهو وهم فإن الترمذي روى له ولم يرو له أبو داود، إلا في كتاب الرد على القدرية .. ". انظر على سبيل المثال: ٤٥٧، ٦٢٥، ٧٤٣، ٢٩٥٩، ٤٢٠٨،٤٤٦٣، ٤٨١٦، وغيرها كثير.
ويقول: "قال ابن الأثير في جامع الأصول: رواه الشيخان، وما قاله الظاهر أنه وهم، فإنني تصفحت عن أنس "كان ربعة من القوم" فلم أقف عليها في مسلم، بل هي رواية البخاري، ولذلك قال الإمام عبد الحق أن رواية: "كان ربعة من القوم" من زيادات البخاري على مسلم". وقوله: "وقد وهم ابن الأثير في جامع الأصول حين ذكر الحديث في باب الكبائر فجعل ". وأيضا: "وعزاه ابن الأثير لمسلم أيضا، والظاهر أنه وهم لأن الذي في مسلم من حديث سهل". انظر: ٣٣، ٢٩١، ٥٣١، ٦٩٠، ٢٩٢٠، ٤٥٣٢، ٤٥٧٢، وغيرها.
[ ١ / ٣٣ ]
وقال: "ذكر صاحب العمدة الحديث وذكر فيه لفظة "ثلاثا" ولم ينبه على أنها من أفراد مسلم عن البخاري، وكان من حقه أن ينبه على ذلك". انظر مثلا: ٢٦٥، وغيرها.
وقال: "ذكر في المنتقي حديث ابن عمر هذا، وعزاه للجماعة كلهم، وهو وهم فإنه ليس في أبي داود". انظر: ٣٧١، وغيرها.
وقال: "ذكر الشيخ محب الدين الطبري في "أحكامه" هذا الحديث من رواية أبي سعيد وقال فيه: أخرجه السبعة يعني أصحاب الكتب الستة وأحمد وهذا عجب منه، كيف يجعل الحديث في الصحيحين وليس هو كذلك، بل ولا هو حديث صحيح بل ضعيف كما بيناه، وهذا وهم فاحش نبهت عليه، لا يغتر به الناظر في كلامه، فاعلم ذلك".
وقال أيضا: "وقد وهم الطبري فجعل حديث عائشة بهذا اللفظ رواه الشيخان وأصحاب السنن وليس كذلك، بل الذي رواه الجماعة حديث الأسود عن عائشة بمعناه". وكثيرا ما يقول: "ووهم الطبري فعزاه لمسلم أيضا". ويقول أيضا: وقد عزى الشيخ محب الدين الطبري هذا الحديث للنسائي خاصة، وهو قصور، فإن الحديث في الصحيحين بهذا اللفظ". انظر على سبيل المثال: ٢٤٠، ٣٢٥، ٥٧١، ٥٧٣، ٢٣١٨، ٢٣١٩، ٢٣٤٥، وغيرها.
وقال: "وقد وهم الحافظ المنذري فنسب الحديث إلى رواية مسلم دون البخاري وليس كذلك". انظر مثلا: ٣٦٥٨، وغيرها.
وسائر هؤلاء الأعلام من المتضلعين في الحديث ورجاله، وبالطبع فلن يقدح فيهم أن يخطئوا فحسبهم أن أخطائهم أمكن حصرها وعدها عليهم، لكن مما يعلي من شأن المناوي وعلمه أن يتفطن لهذه الأخطاء ويصححها، وهذا يدل على سعة اطلاعه، لأن معرفة ذلك تقتضي الإحاطة بسائر الروايات وألفاظها وأسانيدها ومخرجيها.
[ ١ / ٣٤ ]