قسم البغوي أحاديث كتابه إلى قسمين: صحاح وحسان، فبعد كل ترجمة يذكر بابا يعنونه بقوله: ومن الصحاح، ثم يورد تحته ما في الصحيحين ثم بعد إيراده لأحاديثهما تحت هذا العنوان، يتبعه بعنوان آخر: ومن الحسان.
وقد نص على ذلك في مقدمة كتابه، فقال: وتجد أحاديث كل باب منها تنقسم إلى صحاح، وحسان (٢) أعني بالصحاح: ما أخرجه الشيخان، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل الجعفي البخاري، وأبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري -رحمهما الله- في جامعهما، أو أحدهما، وأعني بالحسان: ما أورده أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني، وأبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي، وغيرهما من الأئمة في تصانيفهم -﵏- وأكثرها صحاح بنقل العدل عن العدل، غير أنها لم تبلغ غاية شرط الشيخين في علو الدرجة، من صحة الإسناد، إذ أكثر الأحكام ثبوتها بطريق حسن، وما كان فيها من ضعيف أو غريب أشرت إليه، وأعرضت عن ذكر ما كان منكرًا، أو موضوعًا.
وقد انتقد البغوي في تقسيم أحاديث الكتاب إلى صحاح وحسان، وفق الاصطلاح الذي اتخذه:
فقال ابن الصلاح (٣): ما صار إليه صاحب المصابيح من تقسيم أحاديثه إلى نوعين: الصحاح والحسان، مريدًا بالصحاح ما ورد في أحد الصحيحين .. فهذا اصطلاح لا يعرف، وليس الحسن عند أهل الحديث عبارة عن ذلك.
_________________
(١) البضاعة المرجاة ٥٨.
(٢) المصابيح ١/ ١١٠، ٢/ ٣٠٥.
(٣) مقدمة ابن الصلاح (٣٧).
[ ١ / ١٠ ]
وقال النووي (١): وأما تقسيم البغوي أحاديث المصابيح مريدًا بالصحاح ما في الصحيحين، وبالحسان ما في السنن، فليس بصواب، لأن في السنن: الصحيح والحسن والضعيف والمنكر.
وممن ردّه أيضًا: ابن كثير (٢) والطيبي (٣) والعراقي (٤) وغيرهم.
وفي المقابل قبل بعض العلماء هذا الاصطلاح ودافعوا عنه، فقال التبريزي (٥): ولا أزال أتعجب من الشيخين -يعني: ابن الصلاح والنووي- في اعتراضهما على البغوي، مع أن المقرر أنه لا مشاحة في الاصطلاح. وقد أيد التبريزي على قوله هذا الحافظ ابن حجر (٦) فقال: ومما يشهد لصحة كونه أراد بقوله الحسان اصطلاحا خاصا له، أن يقول في مواضع من قسم الحسان: هذا صحيح تارة، وهذا ضعيف تارة، بحسب ما يظهر له ذلك. وقال الكافيجي (٧): ثم إن تقسيم البغوي حديث المصابيح إلى صحاح، وحسان، تقسيم يستحق القبول لا الرد، وإن كان مخالفا لما اشتهر عندهم، فإن ذلك اصطلاح، ولا مشاحة في الاصطلاح. وهذا هو الراجح.