يمكن تلخيص كلام البغوي بالآتي: أنه يقسم الصحيح إلى قسمين:
١ - ما كان رواته مشهورين بالرواية من الصحابي فمن دونه، ويكون لكل راو منهم راويان، مع اشتراط الثقة، والإتقان، وهذا هو ما أخرجه البخاري ومسلم في كتابيهما، وأورده البغوي في قسم الصحاح، وهو أعلى درجات الصحيح.
٢ - ما هو دون ذلك، وهو ما يكون بنقل العدل عن العدل إلى الصحابي، لكن لا يكون للراوي إلا راو واحد، أو في رواته من ليس له إلا راو واحد.
وهذا النوع من الصحيح جعله البغوي في قسم الحسان لأنه دون الأول في القوة في اجتهده ونظره.
أقول: ليس صنيع البغوي في القسم الأول -غريبًا- بل هو ما نص عليه الحاكم في كتابيه "المدخل" والمعرفة (١) والميانجي (٢) والجويني (٣) والبيهقي (٤) وابن الأثير (٥).
_________________
(١) المدخل إلى الإكليل ٢٩، معرفة علوم الحديث ٦٢.
(٢) ما لا يسع المحدث جهله ص: ٢٤.
(٣) النكت لابن حجر (١/ ٢٣٨).
(٤) السنن الكبرى للبيهقي (٤/ ١٠٥) قال البيهقي في كتاب الزكاة عند ذكر حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: أخرجه أبو داود، فأما البخاري ومسلم فإنهما لم يخرجاه، جريا على عادتهما في أن الصحابي والتابعي إذا لم يكن له إلا راو واحد لم يخرجا حديثه في الصحيحين.
(٥) جامع الأصول (١/ ١٦٠).
[ ١ / ١٢ ]
والبيضاوي (١).
ولكن الحافظ أبو بكر الحازمي في "شروط الأئمة الخمسة" (٢) رد هذا الرأي وقال: إِن اختيار البخاري ومسلم إخراج الحديث عن عدلين إلى النبي - ﷺ - فهذا غير صحيح طردًا وعكسًا، وقال: لو استقرأ الكتاب -أي كتاب البخاري- حق استقرائه لوجد جملة من الكتاب ناقضة عليه دعواه.
وقد دافع ابن الأثير عن دعوى الحاكم هذه، وقال عنه: إنه كان عالمًا بهذا الفن، خبيرًا بغوامضه، عارفًا بأسراره، وما قال هذا القول، وحكم على الكتابين بهذا الحكم، إلا بعد التفتيش والاختبار، والتيقن لما حكم به عليهما، ثم قال: على أن قول الحاكم له تأويلان:
أحدهما: أن يكون الحديث قد رواه عن الصحابي المشهور بالرواية راويان، ورواه عن ذينك الراويين أربعة، عن كل راو راويان، وكذلك إلى البخاري ومسلم.
والثاني: أن يكون للصحابي راويان، ويروي الحديث عنه أحدهما، ثم يكون لهذا الراوي راويان، ويروي الحديث عنه أحدهما، وكذلك لكل واحد ممن يروي ذلك الحديث راويان، فيكون الغرض من هذا الشرط تزكية الرواة، واشتهار ذلك الحديث بصدوره عن قوم مشهورين بالحديث. والنقل عن المشهوربن بالحديث والرواة، لا أنه صادر عن غير مشهور بالرواية، والرواة، والأصحاب (٣).
وأشار إلى ذلك البيهقي بقوله (٤): إن البخاري ومسلمًا لم يخرجا في الصحيحين حديث الصحابي أو التابعي إذا لم يكن له إلا راو واحد.
_________________
(١) شرح البيضاوي للمصابيح (٣/ ١).
(٢) ص ٣٧. وقال: وقد صرح بنحو ما قلت من هو أمكن منه في الحديث وهو أبو حاتم ابن حبان البستي.
(٣) جامع الأصول (١/ ١٦٢).
(٤) السنن الكبرى (٤/ ١٠٥).
[ ١ / ١٣ ]
وذكر مثله أبو علي الجياني كما نقله عنه القاضي عياض (١).
وقال أبو عبد الله ابن المواق متعقبًا الجياني وعياضا بأن هذا الحمل ليس بينًا ولم يصرحا به (٢).
والذي يظهر -والله أعلم- أن الشيخين لم يصرحا بما سبق ذكره، وواقع كتابيهما لا يؤيد ذلك لأن أول حديث في صحيح البخاري وهو "إنما الأعمال بالنيات" وآخر حديث فيه "كلمتان خفيفتان" وهما فردان غريبان، باعتبار المخرج، بل في الصحيحين ما يزيد على مائتي حديث من الغرائب مما انفرد به الراوي في طبقة من الطبقات.
إذًا اشتراط العدد لرواية الحديث عن الراوي أو للرواية المطلقة عنه في أحاديث الصحيحين ليست صحيحة، ويؤيد ما قلت وجود بعض الصحابة الذين أخرج الشيخان لهم ممن ليس له إلا راو واحد (٣).