٩٦ - قال رسول الله - ﷺ -: "إذا قُبر الميّت أتاه ملكان أسودان أزرقان، يقال: لأحدهما المنكر والآخر النكير. فَيقولان: ما كنتَ تقول في هذا الرجل؟ فيقول: هو عبد الله لرسوله، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول هذا، ثم يُفسح له في قبره سبعونَ ذراعًا في سبعين، ثم يُنَوّر له فيه، ثم يقال: نَمْ، فيقول: أرجع إلى أهلي فأخبرهم، فيقولان: نَمْ كنومة العَروس الذي لا يُوقِظُه إلا أحبّ أهله اليه، حتى يبعثَه الله من مضجعه ذلك، وإن كان منافقًا قال: سمعت الناسَ يقولون فقلت مثلهم، لا أدري، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول ذلك، فيقال للأرض: التئمي عليه، فتلتئم عليه، فتختلف أضلاعه، فلا يزال فيها معذبًا حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك".
قلت: رواه الترمذي في الجنائز من حديث أبي هريرة يرفعه وقال: حسن غريب،
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٨٦٧) وحَادت: حاد عن الطريق: إذا مال عنه، جامع الأصول (١١/ ١٧٢).
[ ١ / ١١٩ ]
انتهى. ورجاله رجال مسلم (١).
قال صاحب الغريبين: يقال: قبرته أي دفنته وأقبرته أي جعلت له قبرًا (٢)، وأسودان: أراد به سواد منظرهما، وأزرقان: أراد به زرقة أعينهما، لما في سواد اللون وزرقة العين من الهول.
٩٧ - عن رسول الله - ﷺ - قال: "يأتيه مَلَكان فيُجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله، فيقولان: وما يدريك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدّقت، فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ (٢٧)﴾ الآية قال: فينادي مناد من السماء: أنْ صَدَق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابًا إلى الجنة، قال: فيأتيه من رَوْحها وطيبها ويُفسح له فيها مد بصره، وأما الكافر فذكر موته قال: ويُعاد رُوحه في جسده، ويأتيه مَلَكان فيُجلسانه فيقولان: من ربك؟ فيقول: هاه، هاه، لا أدري، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه، هاه، لا أدري، فيقولان: ما هذا الرجل الذي بُعث فيكم؟ فيقول هاه، هاه، لا أدري، فينادي مناد من السماء: أن كذب، فافرشوه من النار، وألبسوه من النار، وافتحوا له بابًا إلى النار. قال: فيأتيه من حَرّها وسَمُومها. قال: ويُضَيَّق عليه قَبره حتى تَختلف فيه أضلاعُه، ثم يُقَيَّض له أعمى أصمّ ومعه مِرزبّة من حديد، لو ضُرب بها جبل لصار تُرابًا، فيَضربه بها ضَربة يسمعها ما بين المشرق والمغرب إلا الثقلين، فيصير ترابًا، ثم يُعاد فيه الرُّوح".
قلت: رواه أبو داود في السنة بطوله والنسائي وابن ماجه كلاهما مختصرًا في الجنائز ثلاثتهم من حديث المنهال بن عمرو عن زاذان عن البراء بن عازب وكذلك رواه الحاكم
_________________
(١) أخرجه الترمذي (١٠٧١) وإسناده حسن.
(٢) انظر: الغريبين (٤/ ٣٨٦).
[ ١ / ١٢٠ ]
في "المستدرك" وقال: صحيح على شرط الشيخين، وقد احتجا بالمنهال بن عمرو وزاذان، قال: وفيه شواهد كثيرة لأهل السنة وقمع للمبتدعة انتهى كلامه.
وأقره الذهبي وما قاله صحيح، فإن المنهال احتج به البخاري، روى له في صحيحه حديثًا واحدًا، وزاذان احتج به مسلم في صحيحه، روى له حديثين وقال الذهبي في "الميزان" (١): وقد تكلم ابن حزم في المنهال ولم يحتج بحديثه الطويل في عذاب القبر، انتهى.
ولا يلتفت لكلام ابن حزم فيه بعد احتجاج الشيخين به ولمّا رأى ابن حزم حديثه هذا رادا على معتقده في إنكار تعذيب الأجساد في قبورها (٢) طعن فيه، وطعنه مردود والحديث صحيح، دال على أن عذاب القبر يلحق الجسد على الكيفية التي علمها الله ﷾.
قوله: أن صدق عبدي، أن تفسيرية أي صدق عبدي، ويجوز أن تكون مصدرية وهي مع ما بعدها مجرور، والجار محذوف ويكون علة لما بعده، تقديره: لئن صدق عبدي فافرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة. وكذلك قوله: إن كذب، وأفرشوه: بألف القطع أي اجعلوا له فرشًا من فرش الجنة وقال: في المؤمن: أن صدق عبدي فذكره بالعبودية، وأضافها إليه ولم يقل في الكافر شيئًا من ذلك تشريفًا للمؤمن دون الكافر.
قوله: فيقيض له أي يقدّر له، قوله - ﷺ -: معه مِرزبة، بتخفيف الباء لا غير، وأما أرزبه: بالهمز وهي لغة في مرزبّة فهي بتشديد الباء، وأصل المرزبة: مدقة يدق بها الحنطة. (٣)
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٤٧٥٣)، والنسائي (٤/ ٧٨)، وابن ماجه (١٥٤٩)، والحاكم (١/ ٣٧ - ٠) وقال صحيح على شرط الشيخين وأورده الحافظ في إتحاف المهرة (٢٠٦٣). وصححه ابن القيم إعلام الموقعين (١/ ٢١٤)، وتهذيب السنن (٤/ ٣٣٧)، وانظر كلام الذهبي في الميزان (٤/ ١٩٢).
(٢) انظر المحلى لابن حزم (١/ ٢٢).
(٣) وفي القاموس: عصية من حديد. في باب الباء فصل الراء.
[ ١ / ١٢١ ]
٩٨ - أنه كان إذا وقف على قبر بكى حتى يبُلّ لحيَته، فقيل له: تذكرُ الجنّة والنّار فلا تبكي، وتبكي من هذا؟ فقال: إن رسولَ الله - ﷺ - قال: "إن القبر أوّلُ منزلٍ من منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه فما بعده أشدُّ منه. قال: وقال رسول الله - ﷺ -: ما رأيت منظرًا قط إلا والقَبَر أفظعُ منه".
قلت: رواه الترمذي وابن ماجه كلاهما في "الزهد" من حديث هانيء مولى عثمان عن عثمان يرفع المرفوع منه، وقال الترمذي: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث هشام بن يوسف انتهى. وهشام بن يوسف أخرج له الستة غير مسلم وبقية رجاله موثقون (١).
٩٩ - كان النبي - ﷺ - إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال: "استغفروا لأخيكم ثم سلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل".
قلت: رواه أبو داود في الجنائز من حديث عثمان بن عفان وسكت هو والمنذري عليه (٢).
١٠٠ - قال رسول الله - ﷺ -: "يُسَلَّط على الكافر في قبره تسعة وتسعون تِنّينًا تنهشه وتلدغه حتى تقوم الساعة، لو أن تِنّينًا منها نفخ في الأرض ما أنبتت خضراء".
قلت: رواه الترمذي في حديث طويل ذكره في الزهد بعد باب صفة أواني الحوض من حديث عطية عن أبي سعيد إلا أنه قال: سبعون، والذي ذكره أبو الحسن رزين في كتابه الذي جمع فيه بين الكتب الستة: ثم يقيض له تسعين، أو تسعة وتسعين كذا، وفي
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٢٣٠٨)، وابن ماجه (٤٢٦٧)، وكذلك أخرجه الحاكم (٤/ ٣٣٠ - ٣٣١) وصححه. وهشام بن يوسف: هو هشام بن يوسف الصنعاني الأبناوي قاضي صنعاء ترجم له الحافظ في (التقريب) (٧٣٠٩) وقال: ثقة.
(٢) أخرجه أبو داود (٣٢٢١)، وكذلك الحاكم (١/ ٣٧٠) وقال: صحيح الإسناد. وقال النووي في المجموع (٥/ ٢٩٢) إسناده جيد.
[ ١ / ١٢٢ ]
سنن الترمذي عبيد الله بن الوليد عن عطية، قال الذهبي: ضعفوهما (١).
والتّنين: الحية الكبيرة وتخصيص العدد يحتمل أن يكن توقيفًا لا مجال للعقل فيه، ويحتمل أن يكون مقابلًا لما أعده الله لعباده في الآخرة من الرحمات وهي تسعة وتسعون رحمة، ويحتمل أن يكون الكافر لما كفر بأسماء الله تعالى ولم يوف لها حقها سلط عليه عددها من الحيات. والله أعلم.