لا شك أن كل شيخ محطة هامة من المحطات في طريق بناء شخصية طالب العلم تترك بصماتها جلية جلاءها عميقة عمقها، واضحة وضوحها على سطح هذه الشخصية التي تسعى إلى التكامل.
فإذا ما رسخت علمًا، وطارت شهرتها في الآفاق أصبحت مقصودة بعد أن تكون قاصدة، وَرُحْلَةً، بعد أن كانت ترحل إلى الآخرين، ومؤثرة في بناء الآخرين بعد أن تكون تأثرت بكل شيخ أخذت عنه، ورضعت لبان المعرفة والخلق منه.
[ ١ / ٣٨ ]
والذين أخذوا عن الهيثمي وتتلمذوا عليه وأفادوا منه شيخه وولي نعمته الحافظ العراقي فقد اسمعه وسمع منه، وأملاه واستملى منه، وكان يشارك السامعين في السماع منه، ويستمع معهم بالقراءة عليه أيضًا.
وأزعم أنني لا أتجاوز الحق إن قلت: إن أكثر الذين حضروا العراقي ونسبوا علمهم -أو بعضه- إليه، قد لقوا الهيثمي وأخذوا عنه.
ولكن لماذا لم تذكر كتب التراجم العدد الجم الذي عنه أخذ وعليه تتلمذ؟.
نقول: إن السفيانين إمامان عظيمان جليلان، والأوزاعي علامة الشام، وغيرهم كثير من أصحاب المذاهب، لم يقيض لهم الله تلامذة يدونون فقههم مبوبًا في كتاب واحد، ليأتي مَنْ بعدهم عليه شرحًا وتعليقًا، كما حدث لأصحاب المذاهب المدونة، فبقي علمهم ضائعًا في بطون الكتب، وآراؤهم وفقههم موزعًا في أماكن مختلفة من الكتب العديدة في مكتبتنا الإسلامية.
فهل يندرج هذا الحكم على الحافظ الهيثمي فيمكن اعتباره واحدًا من هؤلاء الأئمة العظام؟.
والحق أن هذا الحكم ليس بمنطبق عليه، لأن الأئمة الذين ذكرنا -وغيرهم مما لم نذكر كثير- صحيح أن طلابهنم لم يجمعوا لهم فقههم وعلمهم في مكان واحد، ولكنهم لم ينسوهم، وإنما ذكروهم هنا وهناك، ودونوا آراءهم مما جعل لهم حضورًا واضحًا في كثير من ميادين العلم، ومرابع الفقه، ومجالات المعرفة.
وليس هذا حال الهيثمي لأنه -﵀- كان شمعة تبدد الظلام، ولكنها ماذا تفعل والشمس ساطعة.
لقد أخملت شهرة العراقي كل مشهور، وقضت شمس سمعته على كل
[ ١ / ٣٩ ]
شمعة أو كادت. ولا شك في أن الطالب الذىِ يحضر مجلس شيخين لابد أن ينسب ما سمعه إلى الأشهر منهما.
فالعراقي قد طبقت شهرته الآفاق، وأصبحت الرحلة إليه، فهو الإمام الذي قل أن يوجد له نظير، ومَنْ مِنَ التلاميذ الذين سمعوا منهما -العراقي والهيثمي- لا يرى المفخرة في الانتساب إلى الأول منهما، والأعلم، والأشهر، والأحكم ؟.
فالهيثمي قابع في محراب الزهد، مضرب عن الشهرة، منصرف للعبادة والعمل الجاد في الحديث، مجانب للناس، يتحمل الكثير من أذاهم حتى لا يدخل في حلبة صراع يمزق ستار الهدوء الذي يستر به نفسه والذي يفضله على كل مرغوب في الحياة.
وأما أن الرجل ثقة، مشهور، متواضع، جم المعرفة، واسع الاطلاع، فهذا ينبغي أن لا يشك فيه، ولولا أنه كذلك وفوق ذلك لما أقر صحبته العراقي، الذي دربه على كل مفيد، وجعله الأمين على طهوره، واعتمد عليه في كل أموره، وصاهره، وأفاده واستفاد منه.
ولما تتلمذ عليه أيضًا أمير المؤمنين بلا منازع الحافظ الأول للحديث بعد العراقي: أحمد بن علي بن محمد العسقلاني، علم الأئمة الأعلام، وصاحب المؤلفات العظام، والذي عطرت شهرته وعلمه الأنام
ولما تتلمذ عليه أيضًا الحافظ الثاني في عصره ولي الدين أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين العراقي، الإمام العلامة، الحافظ، الفريد، ذو الفضل والذكاء، والتواضع، وشرف النفس، وسلامة الباطن، ذو الدين المتين، وحسن الخَلْق والخُلُق، الذي قيل فيه: قَلَّ أن ترى العيون مثله
كما تتلمذ عليه: الشهاب البوصيري، وعبد الرحيم الهيثمي، وعبد العزيز الهيثمي، وأحمد الهيثمي، وعبد الله الهيثمي.
[ ١ / ٤٠ ]