ما أشبه الشيوخ بواحة الزهر، وما أشبه التلميذ الذي أراد الله له التوفيق بالنحلة، ينتقل بين هؤلاء الشيوخ ويعتصر جناهم، ويفيد من تجاربهم وخبراتهم.
إن التلميذ الذي يعب في مناهل الشيوخ الذين رسخت أقدامهم في ميادين العلم، ونضجت تجاربهم في أسواق الحياة، واستوت خبراتهم على سوقها يختصر الزمن فيضيف أعمارًا إلى عمره، ويوسع أفقه، ويعمق معارفه، ويزين بالحلم -إلى جانب العلم- نفسه، وينقش على صفحتها عميق الحكمة، فيصبح من الشيوخ علمًا وحلمًا واتزانًا وحكمة وهو في مقتبل الشباب يلون نفسه بما يعجبه من صفاتهم، ويدرب نفسه على الرائق الصافي من أساليبهم، ويعمق أفكاره بالغوص وراء عميق معانيهم، ويعود نفسه الصبر على البحث والدرس وتقليب الأمر على وجوهه المختلفة قبل أن يبت القول فيه.
كيف لا، والمسألة الواحدة ينجلي غموضها بتعدد وجهات النظر إليها، ولكثرة تناولها ترسخ واضحة في ذهنه، وهو بالتالي يستطيع التعرف على عقليات الرجال عمقًا واتساعًا، وعلى نفسياتهم تفلتًا والتزامًا، وعلى سلوكهم طبيعة أو تكلفًا.
وأما الإنسان الذي لا يملأ دلاءه إلا من نبع واحد، ويكتفي بشيخ يرد إليه، ويأوي في كل نازلة تحتاج بحثًا إليه، فإنه سيكون نسخة ثانية لهذا الشيخ، بفارق لا يدركه الكثير من الرجال.
وهذه الحقائق قد وعاها القوم وعرفوا فوائدها ومضارها، لذلك كان
[ ١ / ٣٤ ]
الواحد منهم يعدد الشيوخ ويكثر منهم ويفخر بكثرتهم، ومن هنا كانت المعاجم والمشيخات التي يحصي الإنسان فيها شيوخه، مع حديث أو أكثر مما روى عنهم وتعلم من كل واحد منهم.
وما صاحبنا الهيثمي إلا واحد من الذي عددوا الشيوخ ثم حصروا جهدهم في مصاحبة شيخ واحد إعجابًا به واحترامًا له.
وقد لزم صاحبنا "الزينَ العراقي وهو بالغ، ولم يفارقه سفرًا ولا حضرًا حتى مات، بحيث حج معه جميع حجاته، ورحل معه سائر رحلاته، ورافقه في جميع مسموعاته: بمصر، والقاهرة، والحرمين، وبيت المقدس، ودمشق، وبعْلبك، وحلب، وحماة، وحمص، وطرابلس. ولم ينفرد عنه الزين بغير ابن البابا، والتقي السبكي، وابن شاهد الجيش.
كما أن صاحب الترجمة لم ينفرد عنه بغير صحيح مسلم على ابن عبد الهادي" (١).
نقول: لقد سمع الهيثمي من سيده وشيخه الإمام الأوحد، العلامة الحجة، الحبر الناقد، عمدة الأنام، حافظ الإسلام، فريد دهره، ووحيد عصره، من فاق بالحفظ والاتقان في زمانه، وشهد له بالتفرد في فنه أئمة عصره وأوانه زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي (٧٢٥ - ٨٠٦) هـ.