عندما انتهيت من تحقيق كتاب "موارد الظمآن إلى زاوئد ابن حبان" بدأت نفسي تتطلع إلى تحقيق مسند الإمام أحمد، لأن تحقيق هذا المسند العظيم الذي قال فيه مصنفه لولده وهو يأتمنه عليه ويعرفه قيمته: "احتفظ بهذا المسند فإنه سيكون للناس إمامًا"، تحقيق للقسم الأوفى من السنة النبوية المطهرة.
ولكن السد المنيع الذي صرف العزم وأضعف الهمة هو أنني ما وجدت الدار التي تتبنى هذا العمل الجليل، وقد بذل الأستاذ أحمد الدقاق مدير دار الثقافة العربية جهدًا ليجد من يشارك بنشر هذا العمل، ولكن جهوده جميعها -كما قال لي- باءت بالفشل.
والكتاب الثاني الذي كان يغريني بعمله هو كتاب "مجمع الزوائد ومنبع الفوائد" الذي كنت أنظر إلى القيمة العظيمة التي يحتلها هذا السفر الجليل فزوائد ست من أكبر المسانيد والمعاجم مجموعة فيه، وليس هذا وحسب،
[ ١ / ٤٢ ]
بك رتبها الهيثمي -﵀- على أبواب الفقه، فأصبح الرجوع إليها ميسورًا واستخراج حديث أو أحاديث من باب من أبوابه لم يعد بالأمر الذي يشبه المستحيل كما لو كان يريد أن يستخرجه من أحد معاجيم الطبراني مثلًا وبخاصة إذا كان لا يعرف اسم الصحابي، ولا اسم شيخ الطبراني.
ولسهولة الرجوع إليه ولغناه بالأحاديث، أصبح اعتماد كثير من الخطباء والكتاب، والوعاظ على ما جاء فيه من أحاديث، فيجعلونها مواضيع خطبهم، أو يستشهدون بها لتأييد ما يذهبون إليه من آراء، أو العمود الفقري لوعظهم وإرشادهم، دون النظر إلى صحتها أو حسنها أو ضعفها.
ولم تعد خافية على أحد تلك الآثار السيئة التي تتركها الأحاديث الضعيفة في التفكير والاعوجاج الذي يتصف به السلوك، لأن السلوك ما هو إلا تجسيد لما يحمل الإنسان من أفكار، ولما يتمثل المجتمع من مبادئ إذ العقيدة المتبناة هي الدافع إلى الفعل، وهي التي يصطبغ السلوك بلونها، وتغيير العقائد مناط تغيير ما بالناس من وقائع يعيشونها. قال تعالى: و﴿إنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. فالالتواءات في تفكيرنا، في مشاعرنا، في سلوكنا، تتسع مساحتها كلما ابتعدنا عن كتاب الله تعالى، وعن صحيح سنة رسول الله - ﷺ -.
وكنت أثناء عملي في "موارد الظمآن" وخلال عودتي إلى "مجمع الزوائد" أحاول أن أتعرف على حجم العمل المطلوب، والمصادر اللازمة، والمخطوطات الأصلية وكيفية الحصول عليها، وبدأت فعلًا أسأل على استحياء عن ذلك كله، وكان همي أن أحصل على نسخة دار الكتب المصرية. وفي مطلع العام ١٩٩١ الميلادي عين الأستاذ أحمد عليان تبلو
[ ١ / ٤٣ ]
مستشارًا في سفارة الجمهورية العربية السورية في القاهرة، وهو ابن عمي شقيق زوجي، فأرسلت إليه أطلب منه السعي إلى التعرف على المخطوطة هناك: مكانها، كيفية الحصول عليها، كلفتها، كل شيء يتعلق بذلك.
وعندما أحس من رسالتي بأنني بحاجة إلى ذلك، بذل الكثير من الجهد والمال جزاه الله خير الجزاء، وأحسن إليه، وحماه الله وأهله، وسدد خطاه ووفق مسعاه.
فقد حصل على نسخة دار الكتب التي نسخت عن خط المؤلف وقرئت عليه، وعلى النسخة التي نسخت عنها أيضًا، وعلى الجزء الأول من نسخة الشنواني، وعلى جزء أيضًا من نسخة وقفها يوسف كاه بن سليمان. وكان جوابه على رسالتي -أكرمه الله- أن بدأ بإرسال هذه المخطوطات التي سيأتي الكلام عن كل منها مفصلًا.
وأسررت في نفسي: أن هذا العمل يحتاج إلى الكثير من المال الذي تعتذر بعدم وجوده دور النشر غير أن الرغبة في إخراج هذا الكتاب، والعمل على فرز ما فيه من أحاديث كانت تزيد يومًا بعد يوم.
وفي صبيحة يوم أغر، زارني ابن خال والدتي السيد عبد المجيد رمضان الذي قلما كنت أراه، لأنه يقوم بالإشراف على ما خوله الله الإشراف عليه في الكويت تجارة وسعيًا في الحياة منذ الأربعينات من هذا القرن.
عاتب كل منا الآخر على تقصيره تجاه أهله وأقاربه، واعتذرت بعدم توفر وسيلة النقل فتطوع جزاه الله خيرًا بأن نذهب بسيارته معًا لزيارة أقاربنا في "حمورية" في غوطة دمشق الشرقية، والتي تبعد عن دمشق مسافة لا تزيد على سبعة كيلو مترات تقريبًا.
وأثناء سيرنا عرضت عليه الإسهام في نشر هذا الكتاب ليكون لي وله ذخرًا عند الله تعالى في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون.
[ ١ / ٤٤ ]
غمرته فرحة عارمة، وظهرت على وجهه أمارات السرور، وأبدى الاستعداد الكامل لإخراج هذا السفر إخراجًا يليق بهذا الكتاب المفيد.
لقد وضعني -أحسن الله إليه وفرج عني وعنه، وجمعنا بمن نحب- أمام واقع لا أستطيع تجاوزه، وبخاصة أن ابن عمي الأستاذ أحمد بدأ يرسل لي تباعًا المصورات التي حصل، عليها، لتعانق المصورات التي حصلتُ عليها من أماكن أخرى، والتي لا يسعني الآن إلا أن أصفها بالتفصيل طالبًا من الله العون، مرددًا بلهفة: اللهم استر ضعفي بقوتك، واستر جهلي بعلمك، واستر نقصي بكمالك، وفقري بغناك، يا من تعز من تشاء وتذل من تشاء، يا رب، وأنت على كل شيء قدير.